منذ تشكّل إسرائيل في سياق إقليمي مضطرب، دخلت المنطقة في سلسلة طويلة من الصراعات والتوترات والحروب المتكررة، لم تكن فيها الجغرافيا مجرد حدود، بل خطوط تماس دائمة بين مشاريع سياسية وأمنية متعارضة. ومع مرور الزمن، لم ينتج هذا الواقع صدامات عسكرية فقط، بل أسس أيضًا لوعي سياسي متبادل بين الأطراف، أصبح جزءًا من بنية التفكير الإقليمي.
في الحالة الإسرائيلية، لعب استمرار الحروب والتهديدات الأمنية وتعثر مسارات التسوية مع الجوار العربي والفلسطيني دورًا حاسمًا في ترسيخ فكرة مركزية: أن الأمن ليس حالة مؤقتة، بل شرط وجود دائم. ومع تراكم هذا الإدراك، تشكّل وعي سياسي واجتماعي يجعل من الاعتبارات الأمنية محورًا رئيسيًا في صناعة القرار، ويمنح منطق الردع والاستعداد الدائم مكانة تتقدم على غيرها من الأولويات.
هذا المسار التاريخي أنتج عقلية سياسية ترى أن الاستقرار ليس واقعًا جاهزًا، بل حالة يجب إنتاجها باستمرار عبر أدوات سياسية وعسكرية متغيرة. لذلك، لم يعد الأمن هدفًا نهائيًا، بل عملية مستمرة تتكرر داخلها دورات من التوتر والتهدئة، دون الوصول إلى تسوية مستقرة ونهائية.
في المقابل، لم يكن العالم العربي والفلسطيني خارج هذه المعادلة. فقد تطورت داخل منظمة التحرير الفلسطينية، وفي الإطار العربي العام، مقاربات سياسية بدأت تبتعد تدريجيًا عن منطق المواجهة الشاملة، باتجاه البحث عن تسويات شاملة تعيد صياغة العلاقة مع إسرائيل ضمن إطار إقليمي جديد. هذا التحول لم يكن تنازلًا عن جوهر الصراع، بل محاولة لإعادة تعريف أدواته.
ومن هنا برزت فكرة إدماج إسرائيل في نظام إقليمي قائم على ترتيبات أمنية وسياسية متبادلة، بدل استمرار العزلة والصراع المفتوح. وقد تجسدت هذه الرؤية في مبادرات عربية، أبرزها المبادرة العربية للسلام، التي قامت على معادلة واضحة: الأرض مقابل السلام، وإنهاء الاحتلال مقابل التطبيع والعلاقات الطبيعية.
لكن هذه الرؤية، رغم وضوحها السياسي، اصطدمت دومًا بالفجوة بين الطموح والواقع، وبين التصورات المعلنة وموازين القوى على الأرض، ما جعلها إطارًا سياسيًا قائمًا دون أن يتحول بالكامل إلى واقع مستقر.
في هذا السياق، تشكّل الوعي السياسي داخل المجتمع الإسرائيلي كنتاج مباشر لتجربة أمنية طويلة ومعقدة، جعلته أكثر حساسية تجاه مفهوم التهديد، وأكثر ميلاً لمنطق الحذر والردع، وأقل استعدادًا للانفتاح غير المشروط. وفي المقابل، تطور داخل الإطار العربي والفلسطيني وعي سياسي يرى في التسوية خيارًا ممكنًا، لكنه مشروط بإنهاء جذور الصراع وتحقيق العدالة السياسية.
ولو افترضنا سيناريو جذريًا يتمثل في سيطرة إسرائيل على كامل الأرض بين البحر والنهر أو غياب الفاعل الفلسطيني كطرف مباشر، فإن السؤال لا يتعلق بزوال الصراع، بل بتحوله. هل يختفي الوعي الأمني مع غياب التهديد المباشر؟
القراءات المقارنة في العلوم السياسية تشير إلى أن هذا الوعي لا يختفي بسهولة، بل يعيد إنتاج نفسه عبر إعادة تعريف مصادر الخطر. فبدل التهديد المباشر، قد ينتقل التركيز إلى البيئة الإقليمية الأوسع: تقلبات سياسية، احتمالات صعود أنظمة معادية، أو عدم استقرار محيط إقليمي متغير. وهكذا يتحول من “تهديد وجودي مباشر” إلى “تهديد استراتيجي إقليمي”، يحافظ على منطق الحذر والاستعداد لكن ضمن نطاق أوسع.
وفي المقابل، قد تؤدي هذه التحولات إلى إعادة تشكيل التعبئة السياسية في الإقليم بشكل غير مباشر، حيث يمكن للتفاعلات العربية والإقليمية أن تنتج سرديات جديدة تستند إلى تاريخ صراع غير محسوم. وهذا قد يساهم في استمرار أو إعادة إنتاج أشكال من التوتر أو الخطاب العدائي، حتى مع تغيّر شكل الصراع الأصلي أو تراجع حضوره المباشر.
لكن الأهم أن هذا كله لا يجعل الصراع أحادي السبب. فاختزاله في الوعي السياسي الإسرائيلي وحده تبسيط مخل، لأن هذا الوعي نفسه يتشكل داخل شبكة معقدة من العلاقات الإقليمية والتاريخية والسياسية. الصراع هنا ليس مواجهة خطية بين طرفين فقط، بل عملية ديناميكية تتأثر بتغير موازين القوى، ومسارات التسوية أو انهيارها، وبنية النظام الإقليمي ككل.
وبالتالي، فإن غياب أحد أطراف الصراع أو تغيّر دوره لا يعني نهايته بالضرورة، بل قد يعيد توزيع التوترات على مستويات أخرى. في النهاية، يبقى مستقبل الاستقرار في المنطقة مفتوحًا على أكثر من مسار، ومحكومًا بتفاعل معقد بين الوعي السياسي، والبنية الإقليمية، وتجارب الصراع والتسوية، لا بعامل واحد منفرد أو اتجاه خطي واضح.