من المتوقع أن تعترف عدة دول، منها فرنسا وكندا وبلجيكا ودول أخرى، رسميًا بدولة فلسطينية مستقلة يوم الاثنين، 22 أيلول 2025. ويتزامن هذا الإجراء مع قمة تُعقد قبل انعقاد الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك. وتهدف هذه الخطوة الدبلوماسية إلى الضغط على إسرائيل لإنهاء حملتها العسكرية على غزة والالتزام باستئناف عملية السلام.
الدول التي تخطط للاعتراف
أستراليا: أعلن رئيس الوزراء أنتوني ألبانيز عن خطة أستراليا للاعتراف بدولة فلسطينية خلال الجمعية العامة للأمم المتحدة في سبتمبر/أيلول 2025.
بلجيكا: أعلنت عن نيتها الاعتراف بدولة فلسطينية في اجتماع الأمم المتحدة يوم الاثنين.
كندا: ستنضم إلى الاعتراف الرسمي إلى جانب دول أخرى يوم الاثنين.
فرنسا: الرئيس إيمانويل ماكرون هو المحرك الرئيسي وراء القمة، وسيقود اعتراف فرنسا بدولة فلسطينية.
لوكسمبورغ، مالطا، سان مارينو، وأندورا: أشار مستشار للرئيس ماكرون إلى أن هذه الدول تخطط أيضًا للاعتراف بفلسطين في اجتماع يوم الاثنين.
البرتغال: على الرغم من صدور إعلان منفصل، أكدت البرتغال أنها ستعترف بفلسطين يوم الأحد 21 أيلول، قبل مؤتمر الأمم المتحدة.
المملكة المتحدة: على الرغم من أن الاعتراف مشروطٌ بإجراءات إسرائيلية بشأن الأزمة الإنسانية وعملية السلام، إلا أن المملكة المتحدة أشارت إلى أنها ستعترف بفلسطين في وقت قريب من انعقاد الجمعية العامة للأمم المتحدة.
تأتي الخطوة في السياق التالي:
ضغوط دولية متزايدة: تأتي الإعلانات الأخيرة في أعقاب عام من الدعم الدولي المتزايد للدولة الفلسطينية. في عام 2024، كانت النرويج وإسبانيا وأيرلندا وسلوفينيا من بين الدول التي اعترفت رسميًا بفلسطين.
تحول في السياسة الغربية: لعقود، جادلت العديد من الدول الغربية، وخاصة دول مجموعة السبع، بأن الدولة الفلسطينية يجب أن تكون جزءًا من حل الدولتين المتفاوض عليه مع إسرائيل. لكن القرارات الأخيرة تشير إلى تحول في هذا الموقف.
وقد قوبلت هذه الخطوات بردود فعل متباينة.
السلطة الفلسطينية: رحبت السلطة الفلسطينية بهذا الاعتراف باعتباره خطوة نحو حل الدولتين.
إسرائيل: ندد المسؤولون الإسرائيليون بخطوات الاعتراف، زاعمين أنها "تكافئ الإرهاب" في أعقاب هجوم حماس في 7 تشرين الأول 2023.
الولايات المتحدة: أعربت الولايات المتحدة عن عدم موافقتها على الاعتراف المخطط له، حيث ردد الرئيس الأميركي دونالد ترمب الانتقادات الإسرائيلية حرفيا .
معنى الاعتراف:
عندما تعترف دولة مؤثرة بدولة فلسطين ، فإن ذلك يعتبر اعترافا بالشرعية والسيادة ، ويُعبّر عن قبول بفكرة أن الفلسطينيين لهم الحق في السيادة السياسية على أراضيهم (الضفة الغربية، وغزة، والقدس الشرقية). هذا يُعطي الاعتراف نوعًا من الشرعية الدولية لمساعي الدولة الفلسطينية.
كما يمثل الاعتراف انحيازا إلى حل الدولتين ، وغالبًا ما يكون هذا الاعتراف مرتبطًا بدعم رسمي لخيار قيام دولتين (دولة فلسطينية ودولة إسرائيلية) تعيشان جنبًا إلى جنب بسلام. كما أن انخراط الدول المؤثرة يقلل من التبريرات التي تقول إن الاعتراف يُضر بأمن إسرائيل إذا تم بشكل يُراعي التزام الفلسطينيين بالاعتراف بإسرائيل وأمنها، ووقف "الأعمال العدائية".
كما يمثل ذلك رسالة سياسية ورمزية قوية حتى لو لم يصحب الاعتراف تغييرات فورية على الأرض، فله قيمة رمزية كبيرة: دعم معنوي للشعب الفلسطيني، ضغط سياسي على إسرائيل، ودعوة للدول الأخرى لاتخاذ مواقف مشابهة. ويعتبرمؤشرا لتغير الموازين الدولية، ومع اقتراب دول غربية أو مؤثرة من الاعتراف، يُصبح هناك تحوّلا في المواقف التقليدية، وربما إعادة تقييم للتحالفات، وربما إعادة صياغة للدور الأميركي والأوروبي في الاتفاقات المستقبلية، خاصة إذا كان هناك تضاربا مع مواقف إسرائيل، أو مع مواقف حليفة إسرائيل.
الأبعاد
القانون الدولي
الاعتراف يعني أن الدول المعترفة تعتبر فلسطين "كيانًا" يتمتع بحقوق دولة قانونية، ما يفتح المجال أمام ممارسات مثل تقديم فلسطين للدعاوى أمام محاكم دولية، حماية حقوق الإنسان، الإمكانية لاستخدام صفة "دولة" في المعاهدات الدولية.
لكن هذا ليس بنفس قوة عضوية كاملة في الأمم المتحدة، والتي تتطلب مصادقة من مجلس الأمن وستواجه تواجه الفيتو الأميركي كما حدث في الأسبوع الماضي. حتى الآن فلسطين تمتلك صفة "مراقب غير عضو" في الأمم المتحدة منذ 2012.
الشرعية السياسية والدبلوماسية
الدول التي تعترف تُكسب فلسطين دعمًا ديبلوماسيًا أوسع على الساحة الدولية، مما يعزز موقفها في الأمم المتحدة، وفي المنظمات الدولية، والمحافل الحقوقية.
ومن الممكن أن تُستخدَم هذه الاعترافات كأداة ضغط في المفاوضات، لتطالب بأن تكون جزءًا من عملية تسوية تشمل الحقوق الفلسطينية مثل حق العودة، القدس، المستوطنات، معابر غزة.
الضغط على إسرائيل وحلفائها
الدول التي كانت مترددة أو غير مستعدة للاعتراف قد تجد نفسها تحت ضغط سياسي من الداخل (شعوبها، مؤسسات حقوق الإنسان) ومن الخارج (تحالفات دولية) لتغيير مواقفها.
كذلك، الاعترافات قد تُستخدم لانتقاد سياسات إسرائيل فيما يخص الحريات، التوسع الاستيطاني، الحصار، الانتهاكات في حقوق الإنسان.
تحديات وآثار سلبية محتملة:
قد تثير هذه الاعترافات رد فعل عنيف من إسرائيل، وربما من حلفائها السياسيين، من حيث العلاقات الدبلوماسية، والمساعدات، والتعاون الأمني.
وهناك من يرى أن الاعتراف الأحادي أو المتسرّع قد يُعقّد المفاوضات (وفق ما تقوله الولايات المتحدة)، خاصة إذا لم يُتزامن مع خطوات ملموسة من الجانب الفلسطيني بمعالجة الأمن أو التنظيم أو المشاركة السياسية الموحدة.
تأثير داخلي فلسطيني
الاعتراف الدولي يرفع المعنويات، لكن أيضًا يحمل ضغوطًا داخلية لتعزيز الوحدة، والتمثيل الشرعي، والإصلاح، وتنظيم مؤسسات الدولة.
قد يُستخدم كشرط من قبل بعض الدول كما رأينا من كندا على سبيل المثال، التي ربطت الاعتراف بإصلاحات داخل السلطة الفلسطينية.
إعادة رسم خريطة العلاقات الدولية
الدول التي تعترف قد تواجه تغيير في علاقاتها مع إسرائيل، لكن أيضًا تكسب مكاسب في العلاقات مع الدول العربية، الإسلامية، وحركات التضامن العالمية.
ويمكن أن يُسهم هذا في إضعاف النفوذ الإسرائيلي أو الأميركي في بعض المجالات، خاصة إذا ازداد عدد الدول التي تعترف.
إذًا قد يكون "يوم الاثنين" لحظة مفصلية تتخذ فيها عدة دول قرارات متزامنة للاعتراف، مما يزيد الأثر والتأثير، "يكبّر الصوت" ويزيد من الزخم السياسي والدبلوماسي تجاه فلسطين.
الاعتراف لا يعني قرب قيام الدولة:
على الرغم من كل الحديث عن إقامة دولة فلسطينية، والنوايا المُعلنة من قِبل قوى كبرى للاعتراف بدولة فلسطين يوم الاثنين في نيويورك، فإن من غير المرجح أن تظهر مثل هذه الدولة في أي وقت قريب.
ورغم الضجيج الدبلوماسي المتزايد بشأن الاعتراف بدولة فلسطينية (خاصة مع التطورات الأخيرة في الأمم المتحدة وقيام بعض الدول الأوروبية بالاعتراف بها) فإن إقامة دولة فلسطينية مستقلة وقابلة للحياة يظل أمرًا غير مرجّح في المستقبل القريب، وذلك للأسباب التالية:
أولا، عدم السيطرة على الأراضي: الضفة الغربية مقسّمة بين مناطق تخضع للسلطة الفلسطينية، ومستوطنات إسرائيلية، ومناطق تخضع للسيطرة العسكرية الإسرائيلية. ويسيطر على قطاع غزة حركة حماس، وهي خصم سياسي للسلطة الفلسطينية وتُصنّف كمنظمة إرهابية من قِبل العديد من الدول الغربية، وتشن إسرائيل علي القطاع المحاصر حرب إبادة جماعية، دمرت أكثر من 90% من القطاع.
ولا توجد قيادة فلسطينية موحدة تحكم كل الأراضي — وهو شرط أساسي لقيام دولة حقيقية.
ثانيا، موقف إسرائيل: الحكومة الإسرائيلية اليمينية المتطرفة الحالية (كما كل الحكومات الإسرائيلية السابقة)، تعارض بشدة أي اعتراف أحادي بدولة فلسطينية. وتدعي أن مثل هذه الخطوات تتجاوز المفاوضات وتُكافئ ما تعتبره "رفضاً للتفاوض" أو حتى "الإرهاب" علما بأن الفلسطينيين فاوضوا إسرائيل منذ شهر تشرين الثاني عام 1991 دون جدوى، بل على العكس تضاعف الاستيطان في الضفة الغربية المحتلة مرات عدة.
كما تحتفظ إسرائيل بالسيطرة على الحدود والمعابر والمجال الجوي، مما يجعل تحقيق السيادة، حتى الجزئية، أمرا مستحيلاً.
ثالثا، السياسة الدولية ودور الولايات المتحدة : على الرغم من أن دولًا مثل إسبانيا وأيرلندا والنرويج قد اعترفت بدولة فلسطين، إلا أن دولًا كبرى مثل الولايات المتحدة والمملكة المتحدة وألمانيا لم تفعل ذلك.
وتمتلك الولايات المتحدة حق النقض (الفيتو) في مجلس الأمن، مما يمنع عضوية فلسطين الكاملة في الأمم المتحدة (كما ذكر أعلاه).
وبدون دعم دولي واسع، وخاصة من الولايات المتحدة، يبقى الاعتراف رمزيًا أكثر من كونه عمليًا.
رابعا، الانقسام الفلسطيني الداخلي: الانقسام بين حماس والسلطة الفلسطينية مستمر منذ أكثر من 15 عامًا. ولم تُجرَ انتخابات فلسطينية وطنية منذ عام 2006.
كما أن الفساد وغياب المؤسسات الفاعلة وافتقار الثقة بين الفصائل يُضعفان أي احتمال لتشكيل حكومة فعالة.
خامسا، حرب الإبادة الإسرائيلية المستمرة على غزة، وبعد مرور عامين (تقريبا) 25، لا تزال حرب إسرائيل على غزة قائمة، بل تزداد وحشية وإجراما ، مدمرة ما تبقى من البنية التحتية في غزة. ولا يمكن قيام دولة في ظل منطقة تُعدّ ساحة حرب وتخضع للحصار أو الاحتلال.