قالها تشي جيفارا ذات يوم: "حتى خصومك انطقيهم بدقة، إياك أن تعطي الحثالة شرف أن يكونوا نِدّا لك". هذه العبارة الثورية لم تكن مجرد مقولة عابرة في زمن الثورة الكوبية، بل كانت تعبيرا مكثفا عن فلسفة الصراع بين من يمتلك المبادئ ومن لا يمتلك سوى القوة العمياء.
اليوم، وفي قلب المأساة الممتدة على أرض غزة، تعود كلمات جيفارا لتضيء المشهد من جديد: خصوم غزة ليسوا نِدّا لها، ولا يستحقون حتى شرف الندية؛ إنهم منظومة استعمارية متهالكة أخلاقيا، تترنح تحت وطأة أكاذيبها، وتستقوي بقوة السلاح وسط صمتٍ دولي مريب.
إبادة جماعية موثقة.. والعالم يتفرّج منذ عامين، يخضع قطاع غزة لحرب إبادة جماعية بكل المقاييس القانونية والسياسية والإنسانية. مئات آلاف الأطنان من القنابل والصواريخ أُلقيت على منطقة لا تتجاوز مساحتها 365 كيلومترا مربعا، يعيش فيها أكثر من 2.3 مليون إنسان.
مشاهد الدمار الشامل، والبيوت التي سويت بالأرض، والمستشفيات والمدارس التي تحولت إلى ركام، ليست مشاهد حرب تقليدية، بل مشاهد لسياسة مُمنهجة تستهدف تدمير الحياة ذاتها، وإلغاء وجود جماعي لشعب بأكمله.
ما يميز هذه الإبادة عن غيرها أنها تجري تحت أنظار العالم بأسره، لحظة بلحظة، بالصوت والصورة، في زمن الأقمار الصناعية والهواتف الذكية والشبكات العابرة للحدود.
ومع ذلك، فإن المجتمع الدولي، بمؤسساته ومنظماته ودوله الكبرى، لم يحرك ساكنا لوقف هذه الجريمة المستمرة، بل شارك كثيرون في تغذيتها ودعمها سياسيا وعسكريا.
مجلس الأمن الدولي أصدر قرارات تدعو إلى وقف إطلاق النار ورفع الحصار، ومحكمة العدل الدولية اعتبرت أن هناك مؤشرات معقولة على ارتكاب جريمة إبادة جماعية ضد الفلسطينيين في غزة.
ومع ذلك، واصلت إسرائيل حربها بكل ثقة، لأنها تعرف أن المظلة الأمريكية ستحميها من أي مساءلة، وأن صمت كثير من الأنظمة سيمنحها الوقت لتُمعن في القتل والتدمير.
أسطول الصمود.. أكثر من 40 سفينة تحمل ضمير العالم في مقابل هذا التواطؤ الدولي، برزت مبادرات إنسانية عالمية تعبّر عن الضمير الحي الذي لا يزال نابضا في شعوب العالم.
من بين هذه المبادرات، كان أسطول الصمود الذي حاول اختراق الحصار البحري المفروض على غزة منذ أكثر من 17 عاما. هذا الأسطول، المكوَّن من 42 سفينة، حمل على متنه أكثر من 400 ناشط ومتضامن من مختلف الجنسيات، جاؤوا لا يحملون سلاحا ولا أجندات سياسية، بل غذاء ودواء ورسائل تضامن إنساني.
هؤلاء المتضامنون أرادوا أن يذكّروا العالم بأن الحصار جريمة، وأن الصمت خيانة، وأن الإنسانية لا ينبغي أن تُقاس بموازين القوة بل بموازين الضمير.
لكن الرد الإسرائيلي كان نموذجا مكثفا للعقلية الاستعمارية: اعتراض عسكري في عرض البحر، ومصادرة السفن، واعتقال المتضامنين، ومصادرة المساعدات.
لم تتحرك أي قوة بحرية دولية لحماية حرية الملاحة، ولم يُفتح تحقيق دولي واحد في هذا الانتهاك السافر.
في المقابل، استمرت السفن الأمريكية والأوروبية بالتدفق إلى الموانئ الإسرائيلية محملة بأحدث الأسلحة، في مشهد يفضح ازدواجية المعايير بأوضح صورها: من يريد أن يطعم طفلا في غزة يُمنع ويُعتقل، ومن يريد أن يقتل طفلا يُفتح له البحر والسماء.
محور صهيو-أمريكي.. يفرض منطقه بالقوة ما يجري في غزة ليس مجرد حرب عابرة، بل هو حلقة مركزية في مشروع استعماري صهيو-أمريكي يهدف إلى إعادة تشكيل خريطة الشرق الأوسط وفق رؤية الهيمنة الكاملة.
الولايات المتحدة، بوصفها الراعي الأول للمشروع الصهيوني، لا تقدم لإسرائيل الدعم العسكري غير المحدود فحسب، بل توفر لها الغطاء السياسي في كل المحافل الدولية.
فهي التي تعرقل كل قرار في مجلس الأمن يمكن أن يحدّ من الإبادة، وهي التي تبرر الجرائم الإسرائيلية بلغة "الدفاع عن النفس"، وهي التي تبتز الدول الأخرى لجرّها إلى مربع الصمت أو الدعم.
من خلف واشنطن تقف عواصم أوروبية تتحدث عن حقوق الإنسان نهارا، وتوقع صفقات السلاح مع إسرائيل ليلا.
هذه العواصم التي أطلقت نظريات القانون الدولي وحقوق الإنسان بعد الحرب العالمية الثانية، تقف اليوم عارية أمام اختبار غزة، لتكشف أن كل القيم التي بشّرت بها لم تكن سوى أدوات انتقائية تُستخدم حيث تشاء المصالح، وتُسحب حيث توجد مقاومة حقيقية.
البعد القانوني.. جريمة إبادة مكتملة الأركان من زاوية القانون الدولي، فإن ما ترتكبه إسرائيل في غزة يرقى إلى جريمة إبادة جماعية وفقا لاتفاقية منع جريمة الإبادة والمعاقبة عليها لعام 1948.
جميع أركان الجريمة متوفرة: - النية المبيتة للتدمير: تصريحات قادة الاحتلال التي دعت علنا إلى "محو غزة من الوجود" أو "ترحيل سكانها إلى سيناء" تمثل دليلا واضحا على نية الإبادة.
- الأفعال المادية: القتل الجماعي، والتدمير واسع النطاق للمنازل والبنية التحتية المدنية، واستخدام التجويع كسلاح، ومنع المساعدات الإنسانية.
- الاستهداف الممنهج للمدنيين: بما في ذلك النساء والأطفال والمرضى، واستهداف المدارس والمستشفيات ومخيمات اللاجئين.
ومع ذلك، فإن محكمة الجنايات الدولية تتحرك ببطء شديد، بينما يظل مجلس الأمن مشلولا بفعل الفيتو الأمريكي.
هذه الوضعية كشفت هشاشة النظام الدولي القائم على "القانون"، وأظهرت أن القوة الفعلية لا تزال في يد من يملك أدوات الإكراه لا من يملك الحق.
التحركات القانونية والدبلوماسية.. بين الجدية والعرقلة رغم بطء العدالة الدولية، فإن التحركات القانونية لم تتوقف.
جنوب أفريقيا تقدمت بدعوى ضد إسرائيل أمام محكمة العدل الدولية، اتهمتها فيها بارتكاب جريمة الإبادة الجماعية، وقد قبلت المحكمة النظر في القضية وأصدرت قرارات مبدئية تطالب إسرائيل بوقف الأعمال التي يمكن أن تشكل إبادة.
هذه الخطوة فتحت الباب أمام دول أخرى لدعم المسار القانوني، وبدأت منظمات حقوقية عالمية توثيقا منهجيا للجرائم تمهيدا للمساءلة.