عربي ودولي

الثّلاثاء 21 يوليو 2026 9:48 صباحًا - بتوقيت القدس

دوافع أمنية وجيوسياسية تنهي قطيعة الـ 14 شهراً بين الجزائر ومالي

أكد خبراء ومحللون سياسيون أن استئناف العلاقات الدبلوماسية بين الجزائر ومالي، بعد قطيعة استمرت نحو 14 شهراً، لم يكن مجرد إجراء بروتوكولي، بل جاء استجابة لضغوط أمنية وجيوسياسية متزايدة. وأوضح المتابعون أن التطورات الميدانية المتسارعة في شمال مالي فرضت على الطرفين إعادة تفعيل قنوات التواصل المباشرة لضمان مصالحهما الحيوية.

وكانت الجزائر ومالي قد أعلنتا في العاشر من يوليو الجاري عن عودة السفراء إلى ممارسة مهامهم واستئناف الرحلات الجوية بين البلدين. وتأتي هذه الخطوة لتنهي أزمة دبلوماسية حادة اندلعت في أبريل من العام الماضي، حين قررت الجزائر إغلاق مجالها الجوي أمام الطيران المالي رداً على ما وصفته باختراقات متكررة لسيادتها الجوية.

ويرى الباحث في الشؤون الجيوستراتيجية، غازي معلى أن التصعيد العسكري الأخير في المناطق الشمالية لمالي كان المحرك الأساسي للجزائر لاستعادة حضورها الرسمي في باماكو. واعتبر أن غياب القنوات الرسمية كان يحد من قدرة الجزائر على التأثير في المشهد الأمني الحدودي، خاصة مع تصاعد هجمات الحركات الانفصالية والجماعات المسلحة.

وأشار معلى إلى أن عودة السفراء لا تعني بالضرورة طي صفحة الخلافات بشكل نهائي، إذ لا تزال هناك ملفات شائكة عالقة بين العاصمتين. ومن أبرز هذه الملفات الدعوى القضائية التي رفعتها مالي بشأن إسقاط طائرة مسيرة، بالإضافة إلى حالة من عدم الثقة تجاه المواقف السياسية المتبادلة من الجماعات المسلحة في المنطقة.

من الناحية الاقتصادية، تبرز حاجة المجلس العسكري الحاكم في باماكو إلى الجزائر كشريان حياة لوجستي وتجاري لا غنى عنه. فباعتبار مالي دولة حبيسة لا تطل على بحار، فإنها تعتمد بشكل كبير على الحدود الجزائرية لتأمين إمدادات السلع الأساسية وحركة النقل البري والجوي التي تضررت خلال فترة القطيعة.

وفي سياق متصل، يرى أستاذ العلوم السياسية عمار سيغة أن التراجع الميداني للجيش المالي في مواجهة الجماعات المسلحة دفع باماكو لمراجعة حساباتها. ورغم الدعم العسكري الروسي الذي تتلقاه مالي، إلا أن الواقع الميداني أثبت صعوبة تحقيق الاستقرار في الشمال دون التنسيق مع الجانب الجزائري الذي يمتلك خبرة طويلة في هذا الملف.

وأضاف سيغة أن الجزائر تمتلك نفوذاً تاريخياً وعلاقات ممتدة مع مختلف الأطراف الفاعلة في الأزمة المالية، وهو ما يجعل دورها محورياً في أي مسار سياسي مستقبلي. ويرى أن باماكو أدركت أخيراً أن تجاوز الدور الجزائري قد يؤدي إلى مزيد من الانفلات الأمني الذي قد يهدد استقرار العاصمة نفسها.

من جانبه، لفت كمال بن يونس، مدير مؤسسة ابن رشد للدراسات الاستراتيجية، إلى أن الأزمة في مالي لم تعد شأناً داخلياً بل تحولت إلى ساحة تنافس دولي. وتتقاطع في هذه المنطقة مصالح قوى كبرى مثل روسيا وفرنسا وتركيا، مما دفع الجزائر للتحرك السريع لحماية أمنها القومي ومنع تهميش دورها الإقليمي في دول الساحل.

وأوضح بن يونس أن الجزائر تسعى حالياً للاستثمار في إعادة بناء علاقاتها مع جيرانها الجنوبيين، وتحديداً مالي والنيجر، لمواجهة النفوذ المتزايد لقوى دولية أخرى. ويعكس هذا التوجه رغبة جزائرية في استعادة زمام المبادرة في منطقة الساحل التي تعتبر العمق الاستراتيجي الأول للأمن الجزائري.

ويتوقع مراقبون أن تمهد هذه العودة الدبلوماسية الطريق لإحياء المسار السياسي الذي تعطل منذ إعلان المجلس العسكري في مالي إنهاء اتفاق السلام الموقع في الجزائر عام 2015. وقد تتبنى الجزائر مقاربة جديدة تراعي المتغيرات الميدانية الحالية مع الحفاظ على جوهر اتفاق المصالحة الوطنية.

وعلى الرغم من التفاؤل الحذر، يشدد الخبراء على أن مسار العلاقات سيظل محكوماً بمدى قدرة الطرفين على تجاوز الشكوك المتبادلة. فالمجلس العسكري في مالي لا يزال يبدي تحفظات بشأن علاقة الجزائر ببعض الحركات الشمالية، بينما تراقب الجزائر بحذر التحالفات العسكرية الجديدة لباماكو.

إن استئناف الرحلات الجوية يمثل خطوة عملية لتخفيف الضغط الاقتصادي على الشعب المالي وتسهيل حركة الأفراد والتجارة البينية. وهذه الخطوة اللوجستية تعتبر تمهيداً ضرورياً لأي تفاهمات سياسية أو أمنية أعمق قد تشهدها المرحلة المقبلة بين البلدين الجارين.

تاريخياً، لعبت الجزائر دور الوسيط النزيه في أزمات مالي المتلاحقة، وتوج ذلك باتفاق 2015 الذي نص على دمج الانفصاليين في الجيش ومنح أقاليم الشمال حكماً ذاتياً. ورغم إعلان باماكو إنهاء هذا الاتفاق مطلع العام الجاري، إلا أن الواقع يفرض العودة إلى طاولة الحوار برعاية إقليمية.

في الختام، يظل التقارب الجزائري المالي الحالي زواج ضرورة فرضته الجغرافيا والتهديدات الأمنية المشتركة أكثر من كونه توافقاً سياسياً كاملاً. وستكشف الشهور القادمة مدى قدرة الدبلوماسية على تحويل هذا الانفراج المؤقت إلى استقرار مستدام يحمي حدود البلدين من مخاطر الإرهاب والانفصال.

دلالات

شارك برأيك

دوافع أمنية وجيوسياسية تنهي قطيعة الـ 14 شهراً بين الجزائر ومالي

النشرة الإخبارية

كن الأول في معرفة أهم الأخبار العاجلة فور حدوثها.

ابق على اطلاع على آخر الأخبار، واشترك في خدمة الأخبار العاجلة التي تصل إلى بريدك الإلكتروني يومياً.

بتسجيلك، فأنت توافق على الشروط والأحكام الخاصة بنا وسياسة الخصوصية.