GENERAL

الإثنين 20 أبريل 2026 9:42 مساءً - بتوقيت القدس

معضلة الطاقة العالمية: لماذا يواجه العالم صعوبة في التخلي عن الوقود الأحفوري؟

رغم التوافق الدولي التاريخي الذي شهدته قمة المناخ (كوب-28) في عام 2023 بشأن ضرورة التحول بعيداً عن الوقود الأحفوري، إلا أن الواقع الميداني يشير إلى تباطؤ ملحوظ في تنفيذ هذه التعهدات. ويرى خبراء أن الفجوة لا تزال واسعة بين الطموحات المناخية والاحتياجات الاقتصادية الملحة لدول العالم.

تؤكد التقارير العلمية أن حرق الوقود الأحفوري يظل المسبب الأول لظاهرة الاحتباس الحراري، ومع ذلك، أثبتت الأزمات الجيوسياسية الأخيرة في منطقة الشرق الأوسط أن العالم لا يزال رهينة لـ 'الذهب الأسود'. وقد تجلى ذلك بوضوح عندما تسبب إغلاق مضيق هرمز في شلل شبه كامل لحركة التجارة وإمدادات الطاقة العالمية.

تفرض التوجهات السياسية الجديدة، لا سيما مع عودة دونالد ترامب إلى البيت الأبيض، تحديات إضافية أمام أجندة المناخ الدولية. فمن خلال شعار 'احفر يا عزيزي احفر'، تسعى الإدارة الأمريكية لتعزيز الإنتاج النفطي المحلي وتأمين مصادر الطاقة عبر سياسات خارجية حازمة تجاه دول منتجة مثل فنزويلا وإيران.

يرتبط استقرار الأسواق المالية العالمية ارتباطاً وثيقاً بأسعار النفط الخام، مما يجعل فكرة التخلي الفوري عنه مخاطرة غير محسوبة العواقب. وتعتمد اقتصادات كبرى وناشئة على الأصول الهيدروكربونية لتأمين ميزانياتها السنوية وضمان نموها الاقتصادي المستدام.

أوضح كلاوديو أنجيلو، منسق السياسات في مرصد المناخ البرازيلي أن التخلص المفاجئ من صناعة الوقود الأحفوري قد يجر العالم نحو كارثة اقتصادية غير مسبوقة. وأشار إلى أن هذا التحول يتطلب تدرجاً يحمي الهياكل المالية للدول التي تعتمد ميزانياتها بشكل كلي على عوائد النفط.

بالنسبة لدول مثل السعودية والعراق والكويت، يمثل النفط العمود الفقري للحياة الاقتصادية والاجتماعية، مما يجعل التحول السريع تحدياً وجودياً. وحتى في دول ذات اقتصادات متنوعة مثل البرازيل، فإن وقف صادرات الخام قد يؤدي إلى انهيارات مالية واضطرابات في ميزان المدفوعات.

يشير بيل هير، مدير معهد تحليلات المناخ، إلى أن دولاً غنية مثل الولايات المتحدة وأستراليا وكندا تمتلك كافة المقومات التقنية والمالية للانتقال نحو الطاقة الخضراء. ومع ذلك، يظل العائق الأكبر هو غياب الإرادة السياسية الكافية لمواجهة جماعات الضغط المرتبطة بقطاع الطاقة التقليدي.

مع صعود تيارات اليمين في عدة دول حول العالم، تراجعت قضية التغير المناخي في سلم الأولويات لصالح المصالح الاقتصادية قصيرة المدى. بل ذهب بعض القادة إلى التشكيك في الحقائق العلمية المتعلقة بالاحتباس الحراري، مفضلين العودة إلى نماذج اقتصادية قديمة تعتمد على الاستخراج المكثف للموارد.

تعد شركات النفط والغاز من أقوى جماعات الضغط تأثيراً على القرار السياسي العالمي، حيث نجحت على مدار عقود في تأخير التشريعات البيئية الصارمة. وكشفت مصادر أن شركات استشارية كبرى لعبت أدواراً مزدوجة لحماية مصالح عمالقة الطاقة خلال المفاوضات المناخية الدولية.

يتطلب الانتقال العادل للطاقة توفير دعم مالي ضخم للدول الفقيرة والنامية التي تعتمد على واردات الوقود لتسيير حياتها اليومية. وبدون نظام دولي يسهل تدفق الاستثمارات الخضراء نحو هذه الدول، سيبقى التحول بعيد المنال ومقتصراً على الدول المتقدمة فقط.

على الرغم من هذه التحديات، سجل عام 2025 طفرة غير مسبوقة في قدرات توليد الكهرباء من المصادر المتجددة، حيث وصلت إلى قرابة نصف القدرة العالمية. وتعكس هذه الأرقام، الصادرة عن الوكالة الدولية للطاقة المتجددة، تحولاً تدريجياً في بنية الطاقة العالمية رغم المقاومة الشديدة.

تبرز الصين كقائد عالمي في هذا المجال، حيث استثمرت بكثافة في تقنيات الرياح والطاقة الشمسية لتصبح المنتج الأول للغازات الدفيئة والحلول الخضراء في آن واحد. وقد ساهمت هذه القفزة التقنية في خفض تكاليف الطاقة النظيفة وجعلها منافساً حقيقياً للوقود التقليدي في الأسواق الدولية.

في جنوب آسيا، قدمت باكستان نموذجاً ملهماً بتحويل الطاقة الشمسية من مصدر ثانوي إلى ركيزة أساسية في شبكة الكهرباء الوطنية خلال سنوات قليلة. وساهم هذا التحول في تقليل الاعتماد على الواردات النفطية المكلفة وتوفير طاقة بأسعار معقولة للمواطنين في المناطق النائية.

ختاماً، يظل الصراع بين الضرورة البيئية والواقع الاقتصادي هو المحرك الأساسي لمستقبل الطاقة في القرن الحادي والعشرين. وبينما تتقدم التكنولوجيا بسرعة، يبقى القرار النهائي بيد القوى السياسية الكبرى ومدى قدرتها على صياغة نظام عالمي جديد يتجاوز عصر الهيدروكربون.

دلالات

شارك برأيك

معضلة الطاقة العالمية: لماذا يواجه العالم صعوبة في التخلي عن الوقود الأحفوري؟

النشرة الإخبارية

كن الأول في معرفة أهم الأخبار العاجلة فور حدوثها.

ابق على اطلاع على آخر الأخبار، واشترك في خدمة الأخبار العاجلة التي تصل إلى بريدك الإلكتروني يومياً.

بتسجيلك، فأنت توافق على الشروط والأحكام الخاصة بنا وسياسة الخصوصية.