تحليل

السّبت 18 أبريل 2026 5:04 مساءً - بتوقيت القدس

هرمز بعد الضربات: كيف أربكت زوارق إيران الصغيرة التفوق البحري الأميركي

رسالة واشنطن




واشنطن – سعيد عريقات – 18/4/2026


نشرت صحيفة "نيويورك تايمز" يوم السبت تقريراً مطولاً تناول ما سمّته "أسطول البعوض" الإيراني، في إشارة إلى الزوارق السريعة الصغيرة التابعة للحرس الثوري، والتي ما زالت تمثل تهديداً فعلياً للملاحة في مضيق هرمز رغم الضربات الأميركية والإسرائيلية الواسعة التي أغرقت سفناً حربية إيرانية ودمرت أجزاء كبيرة من البنية البحرية التقليدية لطهران. ويكشف التقرير أن القوة الإيرانية لم تعد تعتمد على المواجهة البحرية الكلاسيكية، بل على حرب استنزاف منخفضة التكلفة وعالية الإرباك.


فعلى امتداد الساحل الخليجي، تنتشر زوارق صغيرة شديدة السرعة، قادرة على المناورة والاختباء والانقضاض السريع. وتُعد هذه الزوارق العمود الفقري للقوة البحرية التابعة للحرس الثوري، وهي مؤسسة منفصلة عن البحرية الإيرانية النظامية. وتستطيع هذه القطع الصغيرة إطلاق صواريخ وطائرات مسيّرة، أو العمل بالتنسيق مع منصات برية مموهة يصعب رصدها، ما يجعلها سلاحاً مثالياً لتعطيل حركة الشحن وإرباك الأساطيل الكبرى.


وبحسب التقرير، فإن إيران كانت قد توعدت بإبقاء المضيق مغلقاً حتى التوصل إلى وقف لإطلاق النار في لبنان. غير أن المسؤولين الإيرانيين أصدروا تصريحات متضاربة بشأن إعادة فتحه، قبل أن يعلن الجيش الإيراني يوم السبت أن الممر المائي “عاد إلى وضعه السابق” وبات “تحت الإدارة والسيطرة الصارمة للقوات المسلحة”. أما الرئيس الأميركي دونالد ترمب فسارع إلى الترحيب، معلناً أن أزمة هرمز "انتهت"، مع تأكيد استمرار الحصار البحري على الموانئ الإيرانية حتى بلوغ اتفاق سياسي أوسع.


لكن القراءة العسكرية لا تبدو بهذه البساطة. فخبراء البحار يشيرون إلى أن مهمة إغلاق المضيق أو تهديده لا تحتاج إلى أسطول ضخم، بل إلى عدد محدود من الزوارق المسيّرة أو الصواريخ الساحلية أو الألغام البحرية. ولذلك، ورغم إعلان واشنطن تدمير أكثر من 90 في المئة من البحرية الإيرانية النظامية، فإن الخطر الحقيقي لم يُستأصل بالكامل، لأن أدواته متناثرة وصعبة الإحصاء وسريعة التعويض.


وتعود جذور هذه العقيدة إلى ما بعد ثورة 1979، حين أنشأت الجمهورية الإسلامية الحرس الثوري موازياً للمؤسسة العسكرية التقليدية التي لم يثق بها النظام الجديد. وبعد الحرب العراقية الإيرانية، اقتنعت طهران بأن مواجهة الولايات المتحدة مباشرة انتحار عسكري، فاتجهت إلى بناء قوة لا تهزم الخصم، بل تستنزفه وتربك حساباته وتفرض عليه كلفة دائمة. ومن هنا وُلد نموذج الزوارق الصغيرة والغواصات القزمية والطائرات المسيّرة البحرية.


ويشير التقرير إلى أن السفن التجارية تبقى الحلقة الأضعف في هذا المشهد. فالسفن الحربية الأميركية تمتلك مدافع وأنظمة دفاع متقدمة، أما ناقلات النفط والسفن المدنية فتكاد تكون بلا حماية حقيقية أمام هجوم سريع أو مسيّرة رخيصة الثمن. لذلك تميل القطع الأميركية إلى مراقبة المنطقة من بحر عُمان أو بحر العرب، بعيداً عن الممر الضيق الذي يقلص هامش المناورة ويضاعف عنصر المفاجأة.


وتكشف أزمة هرمز مجدداً حدود القوة الأميركية التقليدية. فواشنطن قادرة على تدمير قواعد وسفن ومنشآت، لكنها أقل قدرة على إنهاء تهديدات غير متماثلة تعتمد على الانتشار والتمويه والكلفة المنخفضة. هذه معضلة عسكرية متكررة من أفغانستان إلى البحر الأحمر: التفوق الناري لا يضمن السيطرة السياسية أو الأمنية. فكلما استخدمت الولايات المتحدة قوتها الساحقة، دفعت خصومها إلى تطوير أدوات أرخص وأكثر مرونة، تجعل النصر العسكري المباشر أقرب إلى الوهم منه إلى الحقيقة.


أما ترمب، بإعلانه أن الأزمة "انتهت"، فيكرر نمطاً سياسياً يقوم على صناعة انتصارات إعلامية قبل نضوج الوقائع. فالممرات البحرية لا تُؤمَّن بتغريدة، ولا تتبدد المخاطر بإعلان سياسي. مثل هذه التصريحات قد تُرضي جمهوراً داخلياً، لكنها تربك الأسواق والحلفاء والمؤسسات العسكرية نفسها. وعندما يتبين لاحقاً استمرار الخطر، تتراجع صدقية واشنطن ويظهر الفارق بين الخطاب الشعبوي والحقائق الاستراتيجية الصلبة على الأرض وفي البحر.


الدرس الأوسع أن الشرق الأوسط بات رهينة ممرات مائية يمكن لقوى متوسطة أو حتى جماعات مسلحة تهديدها بكلفة محدودة. وهذا يعني أن النظام الأمني الذي قادته واشنطن لعقود لم يعد كافياً. فبدلاً من عسكرة الأزمات والحصار المتبادل، تحتاج المنطقة إلى ترتيبات أمن جماعي تشمل الخليج والبحر الأحمر معاً. من دون ذلك، ستبقى التجارة العالمية وأسعار الطاقة رهينة زوارق صغيرة تشعل أزمات كبيرة.

دلالات

شارك برأيك

هرمز بعد الضربات: كيف أربكت زوارق إيران الصغيرة التفوق البحري الأميركي

النشرة الإخبارية

كن الأول في معرفة أهم الأخبار العاجلة فور حدوثها.

ابق على اطلاع على آخر الأخبار، واشترك في خدمة الأخبار العاجلة التي تصل إلى بريدك الإلكتروني يومياً.

بتسجيلك، فأنت توافق على الشروط والأحكام الخاصة بنا وسياسة الخصوصية.