تحليل

الجمعة 17 أبريل 2026 8:12 مساءً - بتوقيت القدس

ترمب يحتفي بفتح هرمز… تهدئة بحرية مشروطة ورسائل متناقضة تعمّق ضبابية المشهد الإقليمي

رسالة واشنطن




واشنطن – سعيد عريقات -17/4/2026


في تطور لافت يعكس هشاشة التوازنات في الشرق الأوسط، احتفى الرئيس الأميركي دونالد ترمب بإعلان إيران فتح مضيق هرمز أمام الملاحة التجارية، معتبراً الخطوة مؤشراً إيجابياً على إمكان خفض التوتر في واحدة من أكثر الممرات البحرية حساسية في العالم. وكتب ترامب، عبر منصته "تروث سوشال"، بأسلوبه المعتاد المطبوع بالأحرف الكبيرة، أن إيران أعلنت أن المضيق "مفتوح بالكامل وجاهز للعبور الكامل"، في رسالة حاول من خلالها إظهار أن الضغوط الأميركية أثمرت تراجعاً إيرانياً.


وجاء الموقف الأميركي بعد إعلان وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي أن طهران ستسمح بمرور آمن للسفن التي تنسّق مع الجمهورية الإسلامية، وذلك طوال الفترة المتبقية من وقف إطلاق النار القائم بين إسرائيل ولبنان. وربطت طهران هذه الخطوة مباشرة بأجواء التهدئة الإقليمية، في إشارة إلى أن أمن الملاحة بات جزءاً من معادلة سياسية أوسع تتجاوز حدود الخليج.


ويُعد مضيق هرمز شرياناً رئيسياً للتجارة العالمية، إذ تمر عبره نسبة مؤثرة من صادرات النفط والغاز. لذلك، انعكس الإعلان الإيراني سريعاً على الأسواق الدولية، حيث ارتفعت مؤشرات الأسهم، فيما تراجعت أسعار النفط وسط توقعات بانخفاض احتمالات تعطّل الإمدادات. غير أن هذا الارتياح بقي حذراً، إذ لا تزال المخاوف قائمة بشأن الألغام البحرية والمخاطر الأمنية الكامنة في الممر المائي.


ورغم ترحيبه بالخطوة الإيرانية، شدد ترمب على أن الحصار الأميركي المفروض على الموانئ الإيرانية سيبقى "سارياً بالكامل" إلى حين التوصل إلى اتفاق سلام شامل. وأضاف أن المفاوضات "يجب أن تسير بسرعة"، في محاولة للجمع بين خطاب الترحيب من جهة، والإبقاء على أدوات الضغط القصوى من جهة أخرى.


هذا التناقض بدا أكثر وضوحاً مع نفي ترمب تقارير تحدثت عن بحث صفقة بين واشنطن وطهران تقضي بتسليم إيران مخزونها من اليورانيوم عالي التخصيب مقابل الإفراج عن 20 مليار دولار من الأصول الإيرانية المجمدة. وقال إن الولايات المتحدة ستحصل على "كل الغبار النووي" الناتج عن قاذفات B2 الأميركية، مؤكداً أن "لا أموال ستتبادل بأي شكل". ويكشف هذا الرد حساسية الإدارة الأميركية تجاه أي انطباع بأنها تقدم تنازلات مالية لطهران.


في موازاة ذلك، سعى ترمب إلى فصل مسار التهدئة مع إيران عن اتفاق وقف إطلاق النار بين إسرائيل ولبنان، نافياً أن يكون أحدهما مشروطاً بالآخر. لكنه عاد ليؤكد أن الولايات المتحدة ستتعامل "بشكل مناسب" مع ملف حزب الله، مضيفاً أن إسرائيل لن تقصف لبنان بعد الآن لأنها “ممنوعة من قبل الولايات المتحدة”. وهي صيغة توحي بأن واشنطن تريد الظهور بوصفها الجهة الضابطة لإيقاع الحرب والسلم في المنطقة.


ميدانياً، بدا وقف إطلاق النار بين إسرائيل ولبنان صامداً نسبياً، مع عودة مدنيين إلى قرى مدمّرة في الجنوب اللبناني، بينما أعلنت إسرائيل أنها لن تسحب قواتها في الوقت الراهن. وفي المقابل، أعلن حزب الله أنه ما زال "يضع إصبعه على الزناد"، ما يعني أن الهدوء الحالي يبقى قابلاً للانفجار في أي لحظة.


أما الكلفة البشرية للتصعيد الأخير، فكانت باهظة. إذ أعلنت جهات إيرانية مقتل أكثر من 3300 شخص منذ بدء الضربات الأميركية - الإسرائيلية في أواخر شباط، فيما تجاوز عدد القتلى في لبنان 2100، إضافة إلى قتلى في دول الخليج وإسرائيل، فضلاً عن خسائر في صفوف القوات الأميركية. وهي أرقام تؤكد أن أي حديث عن تهدئة لا يلغي حجم الدمار الذي خلّفته المواجهة.


وتكشف تصريحات ترمب مرة جديدة أن السياسة الأميركية في الشرق الأوسط تقوم على الجمع بين العصا والاحتفاء بنتائجها في آن واحد. فواشنطن ترحب بفتح هرمز، لكنها تتمسك بالحصار، وتدعو إلى السلام بينما تواصل استخدام القوة الاقتصادية والعسكرية. هذا النهج قد يحقق مكاسب إعلامية سريعة، لكنه نادراً ما يصنع استقراراً دائماً، لأنه يدفع الخصوم إلى التكيّف التكتيكي لا إلى التسوية الحقيقية، ويجعل كل تهدئة مؤقتة ومشروطة بانفجار جديد.


اللافت أن الإدارة الأميركية تحاول تسويق نفسها كضامن لوقف النار في لبنان، فيما كانت شريكاً أساسياً في البيئة التي قادت إلى التصعيد. فحين تقول واشنطن إنها "منعت" إسرائيل من القصف، فهي تعترف ضمناً بقدرتها السابقة على التأثير، ما يثير سؤالاً بديهياً: لماذا لم تستخدم هذا النفوذ قبل اتساع الدمار وسقوط آلاف الضحايا؟ هذا التناقض يضعف صدقية الخطاب الأميركي أمام الرأي العام الإقليمي.


اقتصادياً، يكشف تفاعل الأسواق مع إعلان فتح هرمز مدى هشاشة النظام العالمي أمام أزمات المنطقة. فقرار سياسي واحد في الخليج قادر على رفع الأسهم وخفض النفط خلال ساعات. ومع ذلك، لا تزال القوى الكبرى تتعامل مع أمن الممرات البحرية بمنطق إدارة الأزمات لا حل أسبابها. ومن دون معالجة جذور الصراع، سيبقى الاقتصاد العالمي رهينة تغريدة من واشنطن، أو تصريح من طهران، أو شرارة من جنوب لبنان.

دلالات

شارك برأيك

ترمب يحتفي بفتح هرمز… تهدئة بحرية مشروطة ورسائل متناقضة تعمّق ضبابية المشهد الإقليمي

النشرة الإخبارية

كن الأول في معرفة أهم الأخبار العاجلة فور حدوثها.

ابق على اطلاع على آخر الأخبار، واشترك في خدمة الأخبار العاجلة التي تصل إلى بريدك الإلكتروني يومياً.

بتسجيلك، فأنت توافق على الشروط والأحكام الخاصة بنا وسياسة الخصوصية.