عربي ودولي

الجمعة 17 أبريل 2026 5:57 مساءً - بتوقيت القدس

حسابات بكين المعقدة: لماذا تتجنب الصين الضغط على إيران رغم أزمة الطاقة؟

تواجه القيادة الصينية ضغوطاً دولية متصاعدة لدفعها نحو استخدام ثقلها الاقتصادي والسياسي للتأثير على طهران، خاصة مع استمرار تداعيات الحرب على أسواق الطاقة العالمية. وتأتي هذه المطالب في وقت تفرض فيه الولايات المتحدة حصاراً مشدداً على الموانئ الإيرانية، سعياً لإجبار طهران على قبول شروط تنهي الأزمة الراهنة.

وعلى الرغم من هذه الضغوط، تشير المعطيات إلى أن بكين لا تملك الرغبة الكافية للضغط على شريكتها الاستراتيجية في الشرق الأوسط. وخلال لقاءات دبلوماسية رفيعة المستوى في بيجين، اكتفى الرئيس الصيني شي جين بينغ بالدعوة إلى احترام القانون الدولي، واصفاً الانتهاكات الحاصلة بأنها عودة إلى 'قانون الغاب'.

طرحت الصين خطة عمل من أربع نقاط لحل الأزمة، لكنها بقيت في إطار المبادئ العامة التي تركز على السيادة الوطنية. ويعكس هذا التوجه رغبة بكين في تجنب التورط المفرط في الصراع، رغم القلق المتزايد من تأثيرات الحرب على استقرار نموها الاقتصادي الداخلي.

أفادت مصادر مطلعة بأن الصين ترفض الاستجابة لدعوات طهران بتقديم ضمانات أمنية صريحة، كما تمتنع عن استخدام نفوذها كأكبر شريك تجاري لإيران لفرض المطالب الأمريكية. ويرى خبراء صينيون أن مطالبة بكين بالضغط على إيران تنم عن سوء فهم عميق لثوابت السياسة الخارجية الصينية.

تتبنى الصين مبدأ عدم التدخل في شؤون الدول الأخرى، وتسعى لتقديم نفسها كقائدة عالمية وفق نموذج يختلف عن الهيمنة الأمريكية. وبينما تعتمد واشنطن على شبكة واسعة من التحالفات الدفاعية، لا ترتبط بكين بمعاهدة دفاع مشترك إلا مع كوريا الشمالية، وتخشى الانجرار لحروب مكلفة.

يرى القادة الصينيون أن التدخلات العسكرية الأمريكية في الشرق الأوسط كانت سبباً رئيسياً في تراجع القوة الأمريكية العالمية. ومن هذا المنطلق، يفضل صانع القرار في بيجين الابتعاد عن انتهاج مسار مشابه قد يقوض القوة الاقتصادية والعسكرية للبلاد على المدى الطويل.

ومع ذلك، فإن استمرار الصراع يضع المصالح الصينية في دائرة الخطر، خاصة وأن مضيق هرمز يعد شرياناً حيوياً لإمدادات الطاقة. وتستورد الصين نحو ثلث احتياجاتها من النفط الخام من منطقة الخليج، مما يجعل أي اضطراب في الملاحة تهديداً مباشراً لأمنها القومي.

أكدت مصادر دبلوماسية أن بكين بدأت بالفعل في استخدام احتياطياتها النفطية الاستراتيجية لتخفيف أثر ارتفاع الأسعار، لكن هذه المخزونات ليست حلاً دائماً. فالصين لا تحبذ العيش تحت ظلال حرب قد تؤدي إلى انخفاض الطلب العالمي على صادراتها الصناعية.

كثف المسؤولون الصينيون تحركاتهم الدبلوماسية مؤخراً، حيث دعا وزير الخارجية وانغ يي إلى الحفاظ على زخم وقف إطلاق النار المؤقت. وفي اتصالات مع الجانب الإيراني، شددت بكين على ضرورة ضمان حرية الملاحة في الممرات الدولية الحيوية لتجنب شلل التجارة العالمية.

من زاوية أخرى، ترى بعض التحليلات أن انشغال الولايات المتحدة في الشرق الأوسط يخدم مصالح بكين الاستراتيجية في مناطق أخرى. فهذا الانخراط يقلل من التركيز الأمريكي على منطقة المحيطين الهندي والهادئ، ويخفف الضغط عن ملفات حساسة مثل تايوان وبحر الصين الجنوبي.

تستغل الصين العمليات العسكرية الأمريكية لتسويق نفسها كدولة مسالمة تدافع عن الاستقرار العالمي بعيداً عن لغة التهديد. وقد أدى السخط الدولي من بعض السياسات الأمريكية إلى توجه دول عديدة نحو الصين كشريك اقتصادي وسياسي أكثر قابلية للتنبؤ به.

رغم الإشادات الإيرانية بدور الصين في محادثات السلام، إلا أن بكين تلتزم الحذر الشديد في تبني أي نجاح دبلوماسي. ويشير هذا التهرب إلى تخوف صيني من فشل الاتفاقات الهشة، مما قد يعرض سمعتها الدولية للاهتزاز في حال انهيار المفاوضات.

تفتقر الصين حالياً إلى القوة العسكرية اللازمة لفرض إرادتها في الشرق الأوسط، حيث لا تمتلك شبكة قواعد خارجية تضاهي الوجود الأمريكي. ورغم وجود قطع بحرية صينية في خليج عدن، إلا أن مهامها تقتصر على مكافحة القرصنة ولا تمتد لحماية السفن في النزاعات الإقليمية.

في نهاية المطاف، تجد بكين نفسها مقيدة بأولويات متضاربة تشمل إدارة تداعيات أزمة الطاقة وترميم العلاقة مع واشنطن. وتتمثل استراتيجيتها الحالية في السعي لوقف إطلاق النار بأسرع وقت، مع تعظيم دورها كوسيط غير مباشر لتعزيز مصداقيتها الدولية دون تحمل تبعات الفشل.

دلالات

شارك برأيك

حسابات بكين المعقدة: لماذا تتجنب الصين الضغط على إيران رغم أزمة الطاقة؟

النشرة الإخبارية

كن الأول في معرفة أهم الأخبار العاجلة فور حدوثها.

ابق على اطلاع على آخر الأخبار، واشترك في خدمة الأخبار العاجلة التي تصل إلى بريدك الإلكتروني يومياً.

بتسجيلك، فأنت توافق على الشروط والأحكام الخاصة بنا وسياسة الخصوصية.