تحليل

الثّلاثاء 14 أبريل 2026 5:56 صباحًا - بتوقيت القدس

تصعيد خطاب ترمب يبدّد آفاق التسوية مع إيران ويضع المنطقة على حافة مواجهة مفتوحة


واشنطن – سعيد عريقات – 13/4/2026

 بدت آمال التوصل إلى انفراج دبلوماسي سريع في الأزمة بين الولايات المتحدة وإيران تتلاشى، مع التصريحات الحادة التي أدلى بها الرئيس الأميركي دونالد ترمب خلال مؤتمر صحفي عُقد على عجل في البيت الأبيض، الاثنين، في لحظة سياسية مشحونة تختلط فيها الحسابات الداخلية بالرهانات الجيوسياسية.

ففي حديثه للصحفيين، شدد ترمب على أن إيران "لن تمتلك سلاحاً نووياً أبداً”، في موقف يعكس تصلباً متزايداً في المقاربة الأميركية، ويؤشر إلى تضاؤل هامش المناورة الدبلوماسية. وجاءت تصريحاته بعد لحظات من مشهد غير تقليدي داخل البيت الأبيض، حيث تسلّم وجبة من "ماكدونالدز" عبر خدمة "دورداش DoorDash"، احتفالاً بإقرار قانون ضريبي جديد يعفي الإكراميات من الضرائب—وهو مشهد عكس التداخل بين الرمزية السياسية والاستعراض الإعلامي في إدارة الملف.

لكن خلف هذه الصورة، كان الخطاب أكثر حدة ووضوحاً. إذ قال ترامب: "إذا لم يوافقوا، فلن تكون هناك صفقة… وسنستعيد المواد النووية، إما منهم أو بالقوة"، في إشارة صريحة إلى أن الخيار العسكري لا يزال مطروحاً على الطاولة، بل وقد يكون أقرب مما كان عليه في أي وقت مضى.

وتزامنت هذه التصريحات مع بدء سريان الحصار الذي فرضته الإدارة الأميركية على مضيق هرمز  ، أحد أهم الشرايين الحيوية لتجارة النفط العالمية، ما يثير مخاوف متزايدة من اضطرابات واسعة في أسواق الطاقة وسلاسل الإمداد الدولية. كما وصف ترامب إيران بأنها "تبتز العالم"، متهماً إياها بالسعي إلى فرض مكاسب عبر التهديد والضغط.

وفي تصعيد إضافي، ذهب الرئيس الأميركي إلى حد القول إن طهران تسعى إلى امتلاك سلاح نووي "لإبادة العالم"، وهو توصيف يرفع سقف الخطاب السياسي إلى مستويات غير مسبوقة، ويعكس توجهاً نحو تأطير الصراع في سياق وجودي، لا مجرد خلاف استراتيجي قابل للتفاوض.

وعند سؤاله عن احتمال توجيه "إنذار نهائي" لإيران، امتنع ترامب عن تقديم إجابة مباشرة، مكتفياً بالقول إن "الأمر لن يكون ساراً"، ما ترك الباب مفتوحاً أمام سيناريوهات متعددة، تتراوح بين تصعيد تدريجي وضربة عسكرية مفاجئة.

 في موازاة ذلك، كشفت تقارير صحفية، من بينها ما نشره موقع أكسيوس Axios، عن تفاصيل المفاوضات التي جرت مؤخراً في باكستان، حيث طلبت الولايات المتحدة من إيران تعليق تخصيب اليورانيوم لمدة تصل إلى 20 عاماً، وهو مطلب وصفه مراقبون بأنه يتجاوز بكثير الخطوط الحمراء التي سبق أن حددتها طهران.

وبحسب المصادر، ردت إيران باقتراح إطار زمني أقصر بكثير، لا يتجاوز "عدداً أحادياً من السنوات"، في محاولة للحفاظ على الحد الأدنى من سيادتها النووية، مع إبداء استعدادها لخفض مستويات التخصيب تحت إشراف دولي.

كما طالبت واشنطن بأن تقوم إيران بإخراج كامل مخزونها من اليورانيوم عالي التخصيب خارج البلاد، وهو شرط تعتبره طهران مساساً جوهرياً بقدراتها الاستراتيجية. وتبقى هذه النقطة، إلى جانب مدة القيود المفروضة على البرنامج النووي، من أبرز العقبات التي تعرقل التوصل إلى اتفاق.

وبينما تتسع فجوة الخلافات، يبدو أن المسار التفاوضي يواجه خطر الانهيار، خاصة في ظل التصعيد الخطابي والسياسات الميدانية المتزامنة، ما يعزز المخاوف من انزلاق الوضع نحو مواجهة مفتوحة قد تتجاوز حدود المنطقة.

وتعكس تصريحات ترمب تحوّلاً واضحاً من الدبلوماسية القسرية إلى سياسة حافة الهاوية، حيث يُستخدم التهديد العسكري كأداة رئيسية بدلاً من كونه ورقة ضغط أخيرة. هذا النهج لا يضعف فقط فرص التوصل إلى اتفاق، بل يعزز أيضاً موقف التيارات المتشددة داخل إيران، التي طالما حذرت من عدم موثوقية الولايات المتحدة كشريك تفاوضي. وفي ظل غياب قنوات تواصل مستقرة، يصبح خطر سوء التقدير الاستراتيجي أكبر، ما قد يؤدي إلى تصعيد غير محسوب. كما أن ربط الملف النووي بخطاب وجودي يزيد من تعقيد الأزمة ويقلص فرص الحلول الوسط.

المطالب الأميركية، كما وردت في التسريبات، تعكس سقفاً تفاوضياً مرتفعاً يصعب تحقيقه عملياً، خاصة في ما يتعلق بمدة تعليق التخصيب وإخراج المواد النووية. هذه الشروط قد تُفسَّر في طهران ليس كمحاولة لضبط البرنامج النووي، بل كمسعى لتفكيكه بالكامل، وهو ما يتعارض مع مفهوم السيادة الوطنية. وفي هذا السياق، تبدو المفاوضات أقرب إلى فرض إملاءات منها إلى عملية تفاوضية متكافئة، ما يقلل من فرص نجاحها ويزيد من احتمالات الانهيار. كما أن غياب حوافز اقتصادية ملموسة يضعف من جاذبية أي اتفاق محتمل.

قرار فرض حصار على مضيق هرمز يضيف بُعداً خطيراً للأزمة، إذ ينقلها من إطار سياسي-دبلوماسي إلى مستوى يؤثر مباشرة على الاقتصاد العالمي. هذا الإجراء قد يدفع قوى دولية أخرى، مثل الصين والاتحاد الأوروبي، إلى التدخل لحماية مصالحها، ما يفتح الباب أمام تدويل أوسع للأزمة. كما أن أي اضطراب في تدفق النفط سيؤدي إلى ارتفاع الأسعار، ما ينعكس سلباً على الاقتصاد العالمي الهش أصلاً. وفي ظل هذا التصعيد، يصبح من الصعب فصل المسار النووي عن التوترات الإقليمية، ما يعقّد المشهد ويزيد من احتمالات الانفجار.

دلالات

شارك برأيك

تصعيد خطاب ترمب يبدّد آفاق التسوية مع إيران ويضع المنطقة على حافة مواجهة مفتوحة

النشرة الإخبارية

كن الأول في معرفة أهم الأخبار العاجلة فور حدوثها.

ابق على اطلاع على آخر الأخبار، واشترك في خدمة الأخبار العاجلة التي تصل إلى بريدك الإلكتروني يومياً.

بتسجيلك، فأنت توافق على الشروط والأحكام الخاصة بنا وسياسة الخصوصية.