واشنطن – سعيد عريقات -10/4/2026
تحليل إخباري
في توقيت يتسم بحساسية ميدانية متصاعدة، تعكس الدعوة التي أعلنت عنها وزارة الخارجية الأميركية لاستضافة اجتماع الأسبوع المقبل بشأن آفاق وقف إطلاق النار بين إسرائيل ولبنان، محاولة متجددة لإعادة تنشيط المسار الدبلوماسي، ولو من موقع احتواء التداعيات أكثر من فرض مسار تسوية حاسم. فبحسب مسؤول أميركي، في تصريح عبر البريد الإلكتروني تلقى مكتب جريدة “القدس” في واشنطن نسخة عنه، فإن الاجتماع المرتقب يأتي في ظل إدراك متزايد داخل واشنطن بأن استمرار التصعيد قد يفتح الباب أمام انزلاق إقليمي أوسع يصعب ضبطه لاحقاً.
غير أن هذا الحراك الدبلوماسي يتزامن مع واقع ميداني شديد القسوة في لبنان، حيث تجاوز عدد القتلى 300 شخصاً، والجرحى 1100 ، معظمهم من المدنيين، وسط دمار واسع طال الضاحية الجنوبية لبيروت ومناطق في الجنوب، وتمارس فيه قوات الاحتلال الإسرائيلية تطهير عرقي في الجنوب اللبناني بعد تدمير الجسور . ويعكس هذا التصعيد تحولاً نوعياً في طبيعة العمليات العسكرية الإسرائيلية الوحشية، سواء من حيث كثافتها أو اتساع نطاقها الجغرافي، ما يضاعف من الضغوط الإنسانية ويضع أي مسار تفاوضي تحت اختبار مبكر.
في هذا السياق، تبرز في واشنطن مؤشرات على تباين في المقاربة الأميركية–الإسرائيلية حيال حدود التهدئة. فبينما يتمسك رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو بموقفه الرافض لربط الساحة اللبنانية بأي اتفاق لوقف إطلاق النار تم التوصل إليه مع إيران، مبرراً ذلك بأن لبنان خارج نطاق التفاهم، كشفت معطيات حديثة عن محاولة أميركية لضبط هذا التصعيد. إذ نشر الرئيس الأميركي دونالد ترمب تغريدة على منصة "تروث سوشال" أكد فيها أنه أجرى اتصالاً مع نتنياهو، طالبه خلاله بـ“التخفيف من حدة الهجمات على لبنان”، في إشارة تعكس قلقاً متزايداً داخل الإدارة الأميركية من اتساع رقعة المواجهة.
هذا الموقف العلني من ترمب يسلط الضوء على مفارقة لافتة: فمن جهة، كانت هناك مؤشرات سابقة على منح واشنطن ما يشبه "الضوء الأخضر المحدود" لإسرائيل لمواصلة عملياتها، لكن من جهة أخرى، يبدو أن تسارع وتيرة التصعيد وحجم الخسائر البشرية دفعا البيت الأبيض إلى محاولة كبح اندفاعة تل أبيب، ولو عبر رسائل سياسية مباشرة. ويطرح ذلك تساؤلات حول مدى قدرة واشنطن على ترجمة هذه الدعوات إلى ضغط فعلي يغير سلوك إسرائيل على الأرض.
في المقابل، يواصل نتنياهو انتهاج مسار مزدوج يجمع بين التصعيد العسكري والانفتاح الحذر على التفاوض، إذ أعلن أنه أصدر توجيهاته لبدء مفاوضات مباشرة مع لبنان "في أقرب وقت ممكن". ويعكس هذا الطرح استراتيجية تقوم على استخدام الضغط الميداني لتحسين شروط التفاوض، في وقت أشاد فيه بدعوة رئيس الوزراء اللبناني نواف سلام إلى نزع السلاح من بيروت، معتبراً أنها قد تشكل مدخلاً لأي تسوية مستقبلية، رغم التعقيدات السياسية الداخلية التي تحيط بهذا الملف.
بالتوازي، لا ينفصل هذا المسار عن حراك إقليمي أوسع، حيث تتجه الأنظار إلى المحادثات المرتقبة بين الولايات المتحدة وإيران في إسلام أباد، برئاسة نائب الرئيس الأميركي جي دي فانس. وتُنظر إلى هذه المحادثات باعتبارها اختباراً لقدرة الطرفين على احتواء التوتر، وربما التمهيد لتفاهمات أوسع تنعكس على ساحات أخرى، من بينها لبنان.
مع ذلك، يظل التحدي الأساسي أمام التحرك الأميركي متمثلاً في الفجوة بين الخطاب الدبلوماسي والواقع الميداني. فالدعوة إلى استضافة مفاوضات، رغم أهميتها، لا تبدو كافية في ظل غياب مؤشرات حاسمة على استعداد واشنطن لاستخدام أدوات ضغط فعالة على إسرائيل. وهو ما يضعف صورة الولايات المتحدة كوسيط نزيه، ويعزز الانطباع بأن تحركها يهدف أساساً إلى منع توسع الأزمة، لا إلى معالجتها جذرياً.
في المقابل، تنطوي الاستراتيجية الإسرائيلية القائمة على فرض وقائع ميدانية جديدة على مخاطر متزايدة، إذ قد تؤدي إلى تصلب المواقف اللبنانية، وربما إلى توسيع نطاق المواجهة بدلاً من احتوائها. فالتصعيد، وإن كان يُستخدم كأداة تفاوضية، قد يتحول سريعاً إلى عامل تقويض لأي مسار سياسي إذا ما تجاوز حدود السيطرة.
أما داخلياً في لبنان، فإن إدراج مسألة نزع السلاح في سياق تفاوضي يجري تحت ضغط عسكري يفتح باباً لتعقيدات إضافية، نظراً لما يرتبط به هذا الملف من توازنات سياسية دقيقة وأسئلة سيادية شائكة، ما قد يعيق التوصل إلى توافق وطني حوله في المدى القريب.
في المحصلة، تبدو فرص نجاح أي مسار تفاوضي رهينة بتوافر ثلاثة عناصر متلازمة: إرادة سياسية حقيقية لدى الأطراف، وضغط دولي فعّال تقوده واشنطن، وإطار أوسع يعالج جذور الأزمة لا مظاهرها فقط. وفي غياب ذلك، قد تبقى التحركات الدبلوماسية، بما فيها الاجتماع المرتقب في واشنطن، مجرد محاولات لإدارة الأزمة، لا حلها.





شارك برأيك
ترمب يطلب من نتنياهو تخفيف الهجمات على لبنان وسط تصعيد عسكري وتحرك دبلوماسي أميركي جديد