تتصاعد المخاوف داخل الأوساط الإسرائيلية من تداعيات التغيرات الجيوسياسية المتسارعة في المنطقة، خاصة مع بروز مؤشرات على تشكل تحالفات جديدة قد تضر بمصالح الاحتلال الاستراتيجية. ويرى مراقبون أن التوجه الأمريكي الأخير لفتح قنوات تفاوض مع إيران بوساطة إقليمية يعكس تراجعاً في القدرة على الحسم العسكري، مما يدفع دول المنطقة للبحث عن ترتيبات أمنية مستقلة بعيداً عن المظلة الإسرائيلية.
وأشار إيلي فودا، الأستاذ في الجامعة العبرية وعضو ائتلاف الأمن الإقليمي، إلى أن الوساطة التي قادتها تركيا ومصر وباكستان لتعليق خطط الهجوم على المنشآت الإيرانية ليست مجرد حدث عابر. وأوضح فودا أن هذه التحركات تشير إلى نشوء ترتيب إقليمي جديد يقوم على المصالح المشتركة لهذه القوى، وهو ما يثير قلقاً عميقاً في تل أبيب بشأن مستقبل نفوذها في الشرق الأوسط.
وقد بدأت ملامح هذا التحول منذ قمة الرياض في نوفمبر 2023، التي أدت لتشكيل 'مجموعة الثماني' بهدف تنسيق المواقف تجاه الحرب في غزة. ورغم التغيرات في عضوية المجموعة بانضمام باكستان والإمارات، إلا أنها استمرت كمنصة سياسية تهدف لتعزيز الاستقرار الإقليمي بعيداً عن التصعيد العسكري الذي تنتهجه إسرائيل في المنطقة.
وأفادت مصادر بأن جولتي المواجهة العسكرية مع إيران في عامي 2025 و2026 ضاعفت من مخاوف الدول المجاورة من انهيار الاستقرار الاقتصادي والأمني، لا سيما خطر إغلاق مضيق هرمز. هذا القلق دفع 12 وزير خارجية من دول عربية وإسلامية للاجتماع في الرياض مؤخراً، حيث صدر بيان يرفض الطموحات التوسعية الإسرائيلية ويدين الهجمات التي تستهدف سيادة دول المنطقة.
وفي سياق متصل، ناقشت قوى كبرى مثل تركيا والسعودية ومصر وباكستان إمكانية إنشاء منصة أمنية مشتركة لتعزيز التعاون في الصناعات العسكرية ومواجهة التحديات الإقليمية. هذا التوجه نحو 'الاعتماد على الذات' أمنياً يمثل تحولاً جوهرياً قد يؤدي إلى تقليص الدور الإسرائيلي الذي كان يسوق نفسه كحليف أمني وحيد لبعض دول المنطقة.
الحرب الحالية عززت الفكرة السائدة في الشرق الأوسط بأن إيران وإسرائيل هما العاملان الأساسيان للفوضى الإقليمية.
وتشير التقارير إلى أن العلاقات الثنائية بين هذه الدول شهدت قفزات نوعية، مثل الاتفاقية الدفاعية بين السعودية وباكستان، والتقارب التركي المصري السعودي الذي توج بزيارات رفيعة المستوى في فبراير 2026. هذه التحالفات لا تهدف فقط لمواجهة النفوذ الإيراني، بل تسعى أيضاً للحد من الهيمنة الإسرائيلية التي باتت توصف في العواصم الإقليمية بأنها 'قوة متسلطة'.
ويرى المحللون أن الكتلة البشرية والعسكرية لهذه الدول، التي تضم نحو نصف مليار نسمة وتمتلك قدرات نووية ونفطية هائلة، تشكل ضغطاً هائلاً على إسرائيل. فباكستان بقوتها النووية، والسعودية بمكانتها الاقتصادية والدينية، وتركيا بقدراتها التصنيعية العسكرية، يمثلون معاً نادياً إسلامياً قادراً على فرض أجندة سياسية جديدة في المنطقة.
وعلى الرغم من صمود اتفاقيات التطبيع الحالية، إلا أن تدهور العلاقات مع دول 'السلام التقليدي' مثل مصر والأردن يضعف من جدوى أي توسع مستقبلي في هذا المسار. وتخشى إسرائيل من أن يؤدي ضعف إيران النسبي إلى بروز تركيا كقائد وحيد للمنطقة الإسلامية، وهي التي تتبنى مواقف حادة تجاه السياسات الإسرائيلية في الأراضي الفلسطينية المحتلة.
وخلصت التحليلات الإسرائيلية إلى أن المرحلة التي تلي الحرب ستشهد مطالبة دولية وإقليمية واسعة بحل القضية الفلسطينية كشرط أساسي للاستقرار. وسيكون هذا 'النادي العربي الإسلامي' الجديد هو المحرك الرئيسي لهذه الضغوط، مما قد يضع إسرائيل في مواجهة عزلة ديبلوماسية غير مسبوقة إذا استمرت في سياساتها اليمينية المتطرفة في الضفة وغزة.





شارك برأيك
تحذيرات إسرائيلية من تشكل 'نادٍ إقليمي' ينهي الهيمنة ويعزل الاحتلال