أقلام وأراء

الثّلاثاء 03 مارس 2026 5:18 مساءً - بتوقيت القدس

خروج تاكر كارلسون عن النص: هل يتصدع جدار 'تصنيع الإذعان' في الإعلام الأمريكي؟

يشهد المشهد الإعلامي الأمريكي تحولاً دراماتيكياً يشبه خروج بطل عن نص مسرحي أُعد بعناية في بلاتوهات هوليوود، حيث قرر الإعلامي تاكر كارلسون القفز من خشبة مسرح اليمين التقليدي ليشير إلى الثقوب الواضحة في الستارة التي تخفي المحركين الحقيقيين للسياسة الأمريكية. هذا الانشقاق لم يكن مجرد انتقال تقني من شاشة 'فوكس نيوز' إلى المنصات الرقمية، بل مثّل زلزالاً في الخطاب الذي حكم العقل الجمعي الأمريكي لعقود، وكشفاً لآليات الهيمنة التي لم تعد قادرة على مواراة عيوبها البنيوية.

لقد استعاد كارلسون في طروحاته الأخيرة الأدوات النقدية لنظرية 'تصنيع الإذعان' التي صاغها نعوم تشومسكي، مؤكداً أن الإعلام في النظم الديمقراطية لا يحتاج لرقابة عسكرية، بل يكفيه تضليل الحقيقة لتتواءم مع مصالح النخبة الحاكمة. وبدأ كارلسون يمارس دور كاشف الستار عن السردية الأمريكية المتعلقة بالحروب الأبدية، موضحاً أن الخطابات الموجهة للشعب حول قضايا مثل غزة وأوكرانيا هي منتجات صناعية تُطبخ في غرف المساهمين وأصحاب النفوذ، بعيداً عن صناديق الاقتراع.

ولم تعد تساؤلات كارلسون تدور حول الصياغات النمطية المتكررة في واشنطن بشأن 'حق إسرائيل في الدفاع عن نفسها'، بل انتقل إلى مربع التساؤل عن حق الولايات المتحدة في ألا تظل رهينة لمصالح أجنبية تستنزفها مالياً وأخلاقياً. وعندما يصف ما يحدث في غزة بأنه 'فظاعة' و'قتل جماعي'، فإنه ينطلق من رؤية معلق قلق يرى بلاده تُستنزف من أجل خرائط وتوسعات لا تخدم أمنها القومي المباشر، مما أدى لتصادم علني مع رموز سياسية مثل ليندسي غراهام وتيد كروز.

إطلالة كارلسون الأخيرة في برنامج 'الليوان' السعودي وضعت خطابه أمام جمهور عربي يمتلك حساسية عالية تجاه مفردات الصراع، مما أنتج تفاعلاً لافتاً تجاوز مرحلة الانبهار بالآخر. فالجمهور العربي لم يعد يكتفي بالتصفيق لمن ينصفه، بل بات يحلل توقيت ودوافع هذا الإنصاف، مدركاً أن كارلسون لا يتحدث بلسان العروبة، بل بلسان الأمريكي المخذول الذي اكتشف أن إمبراطوريته تُدار بعقلية 'الوكيل لا الأصيل'.

وقد برزت في التفاعل العربي ثلاثة أنماط؛ أولها ترحيب حذر يرى في هذا الانقسام الأمريكي فرصة لتحولات أوسع، وثانيها نقد واقعي يرى أن خطاب كارلسون محكوم بالمصلحة الأمريكية البحتة وليس بالعدالة المطلقة. أما النمط الثالث فقد جاء متشككاً، محذراً من صناعة أبطال مؤقتين في الإعلام الغربي بناءً على مواقف جزئية، مما يعكس وعياً جديداً يرفض استهلاك الخطاب الغربي كمرجعية عليا دون تفكيكه وإعادة تأطيره.

في نهاية المطاف، نجح كارلسون في تحويل قضية غزة إلى اختبار لحرية التعبير داخل الولايات المتحدة، حيث تبدو الديمقراطية التي تضيق ذرعاً بسؤال صحافي حول جدوى الانخراط في القتل وكأنها تفقد شرعيتها الأخلاقية. إن هذه الظاهرة تؤكد أن السرديات لم تعد تُصنع في المكاتب المركزية بواشنطن، بل باتت تُنتزع في فضاء البودكاست، حيث تُستخلص الحقيقة من بين ركام غزة لتصل إلى المشاهد في تكساس محملة بمرارة الاعتراف بتغير العالم.

دلالات

شارك برأيك

خروج تاكر كارلسون عن النص: هل يتصدع جدار 'تصنيع الإذعان' في الإعلام الأمريكي؟

النشرة الإخبارية

كن الأول في معرفة أهم الأخبار العاجلة فور حدوثها.

ابق على اطلاع على آخر الأخبار، واشترك في خدمة الأخبار العاجلة التي تصل إلى بريدك الإلكتروني يومياً.

بتسجيلك، فأنت توافق على الشروط والأحكام الخاصة بنا وسياسة الخصوصية.