ليس من السهل أن نستوعب أن رجلاً واحداً يقف اليوم على أعتاب ثروة تلامس 749 مليار دولار، فيما يعيش أكثر من نصف سكان الأرض في دول لا يتجاوز ناتجها المحلي الإجمالي ما يملكه هذا الرجل في حساباته وأسهمه ومحافظه الرقمية. إيلون ماسك، "فتى وادي السيليكون المدلل"، لا يكتفي بتكديس المليارات، بل يعيد رسم ملامح الاقتصاد العالمي على هواه، حتى باتت ثروته تفوق اقتصادات أكثر من 170 دولة حول العالم، كما تظهر خرائط عالمية باتت أشبه بمرآة لفجوة أخلاقية قبل أن تكون اقتصادية.
في عالم كان النفط سيّده المطلق، جاء ماسك ليُطيح بالمسلمات، وليُحوّل التكنولوجيا إلى منجم ذهب يفوق في مردوده أكبر حقول الطاقة. سيارات كهربائية تسيطر على الطرقات، أقمار صناعية تُحاصر السماء، ومنصات تواصل تتحوّل إلى ساحات حرب رقمية، وكل ذلك يُدار بخوارزميات تتعلم وتقرر وتؤثر، في نموذج استثماري جديد عنوانه: الذكاء الاصطناعي أولاً.
الرجل لم يعد مستثمراً تقليدياً، بل مهندسٌ لواقع جديد تُصاغ فيه الثروة من البيانات، وتُستخرج القيمة من سلوك البشر، وتُدار فيه الشركات كما تُدار الدول، وربما أخطر.
وما بين صعوده الاقتصادي وتحوّله السياسي، تبرز علاقته السريعة والمتقلبة مع دونالد ترامب، كعنوان لمرحلة تتداخل فيها السلطة بالمنصة، ويصبح فيها رجل الأعمال شريكاً غير معلن في هندسة الرأي العام وصناعة المزاج الانتخابي، لا عبر الخطابات، بل عبر الخوارزميات.
غير أن القصة لا تكتمل من دون التوقف عند البعد الفلسطيني، حيث أشرنا في مقال سابق لنا بعنوان "الرجل الترليوني وغزة"، إلى مساهمة ماسك المتوقعة في إعادة إعمار غزة وفق تقليعات ترمب بما يشمل مشروعي "الريفييرا" و"شروق شمس". لا ننسى طبعاً حين حوصرت غزة وقُطعت عنها الاتصالات والإنترنت، تحولت أقمار "ستارلينك" من مشروع تجاري إلى ورقة ضغط سياسية وإنسانية، وأصبح قرارٌ تقنيّ من مكتب في كاليفورنيا قادراً على وصل شعب بالعالم… أو عزله عنه.
هنا، لا يعود الحديث عن مليارات، بل عن سيادة رقمية يحتكرها فرد، وعن عالم يُدار بمزاج المستثمر لا بإرادة الشعوب.
قد يكون ماسك أول من يكسر حاجز التريليون، لكن السؤال الأعمق يبقى معلقاً في الهواء:
بعد أن ربح ماسك ثروة بقيمة 749 مليار دولار، هل سيربح الرجل تريليوناً يضاف إلى ثروته وفق وعد مجلس إدارة شركته الأساس (تيسلا) له، وهو ما قيل إنه يتطلب من الشركة تجاوز حاجز السبعة ترليون دولار من حيث القيمة؟ أم أن البشرية ستخسر في المقابل ما هو أثمن بكثير من أي رقم مع ازدياد ثراء فرد على حساب البشرية بمعظمها؟
على العموم، ماسك لم يكن يوماً إلا رجلاً مثيراً للاهتمام، ليس فقط بمشروعاته ومبادراته وأمواله وثروته فحسب بل بعلاقاته بترمب التي تقلبت كما فصول العام. لذلك ليس من المستغرب أن يصل الترليون المنشود، لكن ربما ليس من خلال تيسلا التي تتراجع يومياً أمام التوسع الهائل للتنين الصيني في هذا المجال، للحديث بقية!
ملاحظة: كتب هذا المقال بمساهمة مهمة من تطبيقات الذكاء الاصطناعي
[email protected]
منوعات
الأحد 28 ديسمبر 2025 9:55 صباحًا - بتوقيت القدس
من سيربح التريليون؟
د. صبري صيدم





شارك برأيك
من سيربح التريليون؟