من جديد يعود الرئيس الأمريكي دونالد ترمب إلى تقليعة توقيع الأوامر التنفيذية، فيما يبدو كأنها سلسلة لا تنتهي أبداً من تلك الأوامر التي يحاول من خلالها أن يوقف عجلة الحياة التشريعية ويفرض سطوته الكلية على كامل العمل الحكومي، ليجدد هذه المرة تقييد قدرة الولايات على تنظيم الذكاء الاصطناعي بشكل مستقل، وهو ما فتح مؤخراً نقاشاً واسعاً في الأوساط السياسية والتقنية والقانونية داخل الولايات المتحدة وخارجها.
ويطرح القرار، الذي يهدف إلى فرض إطار تنظيمي اتحادي موحد لهذا القطاع المتسارع، أسئلة جوهرية حول التوازن بين الابتكار والحماية، وبين السلطة الفيدرالية وحقوق الولايات، وهو ما يخلق حالة متكررة من تنازع واضح على السلطات، هل هي من صلاحيات الرئيس أمن من صلاحيات حكام الولايات؟
وتتذرع الإدارة الأمريكية عبر هذا الأمر وغيره من الأوامر الأخرى، بالقناعة الكامنة بأن تعدد القوانين بين الولايات إنما يخلق حالة من التشظي التنظيمي، والذي قد يعيق بدوره تطور صناعة الذكاء الاصطناعي ويضعف قدرة الشركات الأمريكية على المنافسة عالميًا حسب زعمها.
ويقول مكتب ترمب بهذا الشأن بأن شركات التقانة ، خاصة الناشئة منها، إنما تجد نفسها أمام عشرات الأطر القانونية المختلفة، وهو ما يزيد من الكلفة ويبطئ الابتكار حسب زعمه. أما مؤيدو القرار، فيصرون على أن وجود قواعد اتحادية موحدة يوفر بيئة أكثر استقرارًا للاستثمار، ويسمح بتطوير حلول تقنية على نطاق وطني دون عوائق قانونية متباينة.
كما يرى أنصار هذا النهج أن الذكاء الاصطناعي بطبيعته يتجاوز حدود الولايات، سواء في ما يتعلق بتدفق البيانات أو بالمنصات الرقمية العابرة للمناطق. وبالتالي، فإن التعامل معه من خلال سياسات محلية مجزأة قد يكون غير فعال، بل وقد يخلق ثغرات تنظيمية. ويضاف إلى ذلك البعد الجيوسياسي، حيث تعتبر واشنطن أن الحفاظ على الريادة في الذكاء الاصطناعي مسألة استراتيجية في ظل المنافسة المتصاعدة مع قوى دولية أخرى.
في المقابل، يواجه القرار انتقادات حادة من أطراف متعددة، إذ يعتبر عدد من المسؤولين المحليين والخبراء القانونيين أن تقييد دور الولايات إنما يمس بمبدأ الفيدرالية الذي يشكل أحد أعمدة النظام السياسي الأمريكي. ويرون أن الولايات كانت تاريخيًا مختبرًا للتشريعات الجديدة، خاصة في مجالات حماية المستهلك والخصوصية، وأن تقليص هذا الدور قد يؤدي إلى إبطاء الاستجابة للمخاطر والتحديات الفعلية التي يفرضها الذكاء الاصطناعي على المجتمعات المحلية.
لكن إصرار ترمب على هذا النهج وما يرتبط به من مركزة واضحة لمقومات القوة في يديه، إنما يفرض مخاوف إضافية تتعلق بحماية الحقوق المدنية، إذ تشير بعض الأصوات إلى أن التنظيم الفيدرالي المقترح لا يزال عامًا، ولا يتضمن ضمانات كافية لمعالجة قضايا مثل التحيز الخوارزمي، أو إساءة استخدام البيانات، أو توظيف الذكاء الاصطناعي في المراقبة أو في تطوير وسائط التجسس والتسليح. من هذا المنطلق، يرى منتقدو القرار أن حرمان الولايات من سن قوانين محلية أكثر صرامة قد يترك فجوات تشريعية تمس المواطنين بشكل مباشر وتؤثر على النهج المحدد مسبقاً.
كما أن الاعتماد على الأوامر التنفيذية بدلاً من تشريعات يصدرها الكونغرس إنما يفتح الباب أمام جدل قانوني محتمل، وقد يجعل هذه السياسة عرضة للتغيير مع أي إدارة جديدة. هذا الغموض القانوني قد يضعف الهدف المعلن بالاستقرار، ويؤدي إلى موجة من الطعون القضائية بين الحكومة الفيدرالية والولايات.
محصلة القرار إنما يعكس دكتاتورية ترمب وعشقه للسلطة المطلقة إضافة إلى رغبته الواضحة في تعقيد العلاقة بين التكنولوجيا والسياسة في عصر الذكاء الاصطناعي. فالسعي إلى دعم الابتكار وتسريع النمو الاقتصادي يقابله قلق مشروع بشأن الحوكمة والحقوق والمسؤولية.
وبين هذين المسارين، تبدو الولايات المتحدة أمام اختبار حقيقي لقدرتها على صياغة نموذج تنظيمي متوازن، لا يخنق التطور، ولا يترك المجتمع دون حماية في مواجهة واحدة من أكثر التقنيات تأثيرًا في المستقبل القريب.
إن آثار محورة هذا القطاع المتسارع في قبضة الرئيس سوف لن يطول اكتشاف نتائجه، فإما أن تستمر الولايات المتحدة في النهوض بعالم الذكاء الاصطناعي أو تجد نفسها خلف الأمم في هذا المضمار، وفي زمن قياسي لن يزيد عن عام أو اثنين، للحديث بقية!
ملاحظة: يتضمن هذا المقال مساهمات من قبل بعض تطبيقات الذكاء الاصطناعي.
[email protected]
منوعات
الأحد 14 ديسمبر 2025 9:50 صباحًا - بتوقيت القدس
في قبضة الرئيس!
د. صبري صيدم





شارك برأيك
في قبضة الرئيس!