فلسطين

السّبت 13 ديسمبر 2025 11:12 صباحًا - بتوقيت القدس

مأساة الشتاء في غزة: السيول تجتاح خيام النازحين والبرد ينهش أجساد الأطفال بلا رحمة

يعيش قطاع غزة اليوم فصلاً جديداً من فصول المعاناة، حيث يتسلل البرد القارس إلى عظام الأطفال الذين تغوص أقدامهم الصغيرة في الوحل والمياه المتجمعة حول خيامهم المتهالكة. المشهد يدمي القلوب؛ أغطية مبللة بالكامل، وملابس تلتصق بالأجساد المرتجفة، وعيون حائرة تبحث عن مصدر للدفء فلا تجده. سيمفونية الألم تعزفها صرخات الصغار وبكاء الأمهات العاجزات، ومحاولات الرجال اليائسة لإفراغ المياه من المأوى المؤقت، في مأساة إنسانية يبدو أن العالم قد صم آذانه عنها.

الطين اللزج يحاصر كل شيء، والمياه تتدفق بلا هوادة لتغمر ما تبقى من مقتنيات. تتداخل أصوات الرياح العاتية مع أنين الأطفال، بينما تترنح الخيام وكأنها توشك على السقوط فوق رؤوس ساكنيها. لا يوجد سقف يحمي ولا جدار يصد الريح؛ يحاول الأهالي التشبث بما تبقى لديهم، يصارعون لإعداد وجبة طعام بسيطة أو إشعال نار خافتة وسط الصقيع، لكن المياه تطفئ كل محاولة وتغطي كل زاوية.

وبينما يكتفي العالم بالمراقبة عن بعد، وربما كتابة التقارير وإصدار بيانات القلق، تظل الأيادي مغلولة عن تقديم العون الحقيقي لهؤلاء الأطفال الذين يرتجفون تحت خيام لا تقي مطراً ولا برداً. الوجع هنا حقيقي وملموس، ولا أحد يمسح دمعة المكلومين أو يخفف من وطأة الكارثة.

لم تتوقف فصول العذاب لسكان القطاع حتى مع الحديث عن هدوء نسبي؛ فالأيام الأخيرة كشفت أن النازحين لا يملكون حماية حتى من تقلبات الطبيعة. الأمطار الغزيرة والعواصف عرت هشاشة الخيام التي لجأ إليها المواطنون بعد أن دمر الاحتلال منازلهم، لتضاف نكبة الأحوال الجوية إلى سجل طويل من الكوارث التي لا تنتهي.

مئات الآلاف من المدنيين يواجهون الموت البطيء في ظروف غير آدمية، بلا مأوى ملائم. ومع تعرض خيامهم للتمزق والانهيار بفعل السيول، تتضاءل فرص النجاة يوماً بعد يوم. التقارير الصادرة عن المؤسسات الدولية تؤكد أن الآلاف معرضون لخطر الغرق والمرض، وأن ما يتوفر من مساعدات لا يغطي حتى الحد الأدنى من الاحتياجات الإنسانية، وسط عجز دولي فاضح عن توفير آليات حماية للمدنيين أو تأمين الغذاء والمأوى.

داخل مخيمات النزوح، يخوض السكان معركة يومية بأدوات بدائية لتصريف مياه الأمطار، بينما يقف الأطفال عزلاً في مواجهة البرد القارس والمياه الجارية بلا غطاء أو ملاذ آمن. لا وقود للتدفئة، ولا حطب، ولا حتى خيام مقاومة للمطر. القصص المأساوية تتكرر في كل خيمة، من عائلات تصارع للبقاء، إلى رجال يخوضون في البرك والوحل لتأمين لقمة العيش لأطفالهم.

ورغم وجود بعض الجهود الإنسانية، إلا أنها تقف عاجزة أمام هول الكارثة. تحذيرات الأمم المتحدة والمنظمات الإغاثية تتعالى مطالبة بتدخل عاجل، لكن الواقع على الأرض يشير إلى غياب الاستجابة الفعلية وانعدام الحماية الكافية للنازحين.

وفي شهادة حية على حجم المعاناة، يقول المواطن محمود أبو يامن، وهو نازح في مدينة غزة، مشيراً إلى خيمته التي اجتاحتها المياه: "لقد أغرق المطر كل تفاصيل حياتنا. المياه اقتحمت الخيمة، والبطانيات تشبعت بالماء، وتحولت الأرضية إلى مستنقع من الطين. حاولنا جاهدين حماية أطفالنا، لكن غزارة الأمطار لم تتوقف، وأصبح كل شيء رطباً وبارداً".

ويضيف أبو يامن بقلب يعتصره الألم: "قضينا الليل بطوله ونحن نغرف المياه بأيدينا، نحاول إنقاذ ما يمكن إنقاذه، ولم نعرف طعم النوم. الأطفال كانوا يرتجفون من شدة البرد، حاولنا تدفئتهم بما تيسر، لكن الرطوبة طالت كل شيء، والبرد يزداد قسوة وفتكاً مع مرور الساعات".

وتابع واصفاً حالة الرعب: "نعيش هاجساً دائماً بأن تنهار الخيمة فوق رؤوسنا. نحاول الصمود، لكن الأمطار والسيول تجعل الحياة مستحيلة. كل مقومات الحياة مفقودة هنا، ونحن بحاجة ماسة للدفء والمأوى الآمن".

وختم حديثه بنبرة يأس تعكس واقع الحال: "هذا هو مصيرنا الآن، بلا مأوى، بلا طعام كافٍ، وبلا أي حماية لصغارنا. نتشبث بالأمل، لكن كل منخفض جوي يضاعف مأساتنا، والعالم لا يسمع استغاثتنا ولا يمد يداً لانتشالنا من هذا الجحيم".

الجدير بالذكر أن الغالبية العظمى من النازحين في قطاع غزة يعتمدون على خيام مهترئة كمأوى وحيد. وقد كشفت بيانات المكتب الإعلامي الحكومي في غزة أواخر سبتمبر الماضي أن نحو 93% من هذه الخيام لم تعد صالحة للاستخدام الآدمي، وهو ما يعادل 125 ألف خيمة من أصل 135 ألفاً، مما ينذر بكارثة إنسانية محققة.

ويأتي هذا المنخفض الجوي ليفاقم الأوضاع المأساوية التي يعيشها النازحون، في ظل نقص حاد في أبسط مقومات الحياة، وصعوبة بالغة في الحصول على الاحتياجات الأساسية، وتدهور الخدمات الحيوية نتيجة الحصار الإسرائيلي الخانق والمستمر على القطاع.

دلالات

شارك برأيك

مأساة الشتاء في غزة: السيول تجتاح خيام النازحين والبرد ينهش أجساد الأطفال بلا رحمة

النشرة الإخبارية

كن الأول في معرفة أهم الأخبار العاجلة فور حدوثها.

ابق على اطلاع على آخر الأخبار، واشترك في خدمة الأخبار العاجلة التي تصل إلى بريدك الإلكتروني يومياً.

بتسجيلك، فأنت توافق على الشروط والأحكام الخاصة بنا وسياسة الخصوصية.