تشهد إسرائيل لحظة غير مسبوقة من القلق والارتباك، تبدو أعمق بكثير من تداعيات حرب أو أزمة سياسية عابرة. فالمشهد الإسرائيلي اليوم يعكس بداية تحوّل بنيوي في البيئة الدولية التي رافقت ولادة الدولة العبرية عام 1948 وحمتها طوال العقود السبعة الماضية. هذه البيئة—التي جمعت بين الهيمنة الأميركية، والدعم الغربي المطلق، وغياب التوازنات الدولية—بدأت تتراجع، مما يضع إسرائيل أمام أسئلة وجودية لم تواجهها منذ تأسيسها.
منذ اللحظة الأولى لقيامها، استفادت إسرائيل من نظام دولي استعماري الطابع، ومن حرب باردة جعلتها أداة إستراتيجية في يد الغرب. ولم يكن الاعتراف الدولي بها مجرد شرعية سياسية، بل جزءاً من منظومة دولية منحتها تفوقاً دائماً في السلاح، والدعم المالي، والغطاء الدبلوماسي. ومع انهيار الاتحاد السوفياتي، تضاعف هذا التفوق في ظل عالم أحادي القطب تقوده واشنطن، التي اعتبرت إسرائيل امتداداً استراتيجياً لمصالحها في الشرق الأوسط.
غير أن هذا النظام العالمي يشهد اليوم تحولات دراماتيكية. فالتعددية القطبية تتوسع، والدول الصاعدة تفرض حضوراً مستقلاً، والغرب لم يعد قادراً على توحيد مواقفه أو فرض رؤيته على العالم كما كان يفعل خلال القرن الماضي. هذا التحول ينعكس مباشرة على إسرائيل، التي وجدت نفسها خلال السنوات الأخيرة في مواجهة بيئة دولية أقل استعداداً لمنحها امتيازات غير مشروطة. فحتى حين تستمر الولايات المتحدة في دعمها العسكري والسياسي، فإن قدرتها على حماية إسرائيل من الضغوط السياسية والقانونية تتراجع، سواء في المؤسسات الدولية أو على مستوى الرأي العام العالمي.
التحول الأخطر يتمثل في تدهور شرعية إسرائيل دولياً. فالسردية التي بنت عليها حضورها السياسي—كونها "الديمقراطية الوحيدة" و"الضحية الدائمة"—فقدت الكثير من تأثيرها، خاصة بعد مشاهد الدمار والقتل في غزة منذ عام 2023. وللمرة الأولى، تواجه إسرائيل خطاباً عالمياً يصفها علناً بأنها نظام فصل عنصري، فيما خرجت الملايين في العواصم الكبرى رفضاً للحرب ودعماً للفلسطينيين، ما يعكس شقاً عميقاً في العلاقة بين الشعوب الغربية وحكوماتها المؤيدة لتل أبيب. وهذا الانهيار في القوة الناعمة يشكل مصدر قلق عميق للمؤسسة السياسية الإسرائيلية التي لطالما اعتبرت نفسها محصنة في الساحة الأخلاقية الدولية.
على المستوى الداخلي، تبدو إسرائيل اليوم محكومة بتناقضات حادة تكشف هشاشة المشروع الاستيطاني نفسه. فالجيش—الذي مثّل تاريخياً رمز القوة والإجماع الوطني—دخل في أزمة ثقة غير مسبوقة نتيجة الفشل الاستخباراتي الكبير، وعدم القدرة على حسم حرب غزة رغم التفوق العسكري المطلق. وإلى جانب ذلك، تتعمق الأزمة السياسية الداخلية مع صعود اليمين الديني المتطرف، وانقسام المجتمع حول هوية الدولة بين من يريدها دولة قومية علمانية ومن يسعى لمأسستها وفقاً للتصورات التوراتية. هذا الانقسام البنيوي يضعف قدرة إسرائيل على بناء إجماع داخلي في لحظة تحتاج فيها إلى أعلى مستويات الاستقرار.
اقتصادياً، تعيش إسرائيل واحدة من أصعب مراحلها منذ عقود، مع هروب الاستثمارات من قطاع التكنولوجيا الحيوي، وتراجع الثقة بالأسواق، وارتفاع كلفة الحرب إلى مستويات تهدد قدرة الدولة على تمويل عملياتها العسكرية والاجتماعية. ويترافق ذلك مع تآكل صورة "الدولة المزدهرة" التي كانت تحملها إسرائيل كجزء من سرديتها العالمية.
وعلى الصعيد الدولي، يتزامن تراجع الهيمنة الأميركية مع صعود الجنوب العالمي كفاعل سياسي مؤثر. دولٌ كانت مهمّشة لعقود أصبحت اليوم تمتلك قدرة على تشكيل خطاب عالمي مغاير. جنوب أفريقيا قادت إجراءات قانونية ضد إسرائيل أمام محكمة العدل الدولية بتهم الإبادة، فيما اعترفت دول أوروبية بدولة فلسطين رغم الضغوط الأميركية. وترافق ذلك مع موجة مقاطعة عالمية آخذة بالاتساع، تصيب الاقتصاد الإسرائيلي وتضعف حضوره الصناعي والأكاديمي.
أمام هذه التحولات، يظهر القلق الإسرائيلي الحالي كخوف من الزمن لا من الخصوم. فالدولة العبرية تدرك أن المشروع الذي وُلد في لحظة استعمارية، ونما في ظل نظام دولي أحادي القطب، يفقد اليوم أحد أهم مصادر قوته: شبكة الحماية الدولية. ولذلك يبدو الخطاب السياسي الإسرائيلي أكثر انفعالاً، وأكثر ميلاً نحو العنف المفرط، وأكثر توجهاً لمهاجمة المؤسسات الحقوقية والإعلامية، في محاولة لوقف تدهور شرعيتها العالمية.
يمكن القول إن إسرائيل تعيش لحظة انكشاف تاريخي. فالبيئة الدولية التي حملتها لعقود تتفكك، والشرعية التي كانت تعتبرها أمراً مسلماً به تتآكل، والقدرة الأميركية على توفير مظلة مطلقة للحماية تتراجع. وبين صعود القوى الدولية الجديدة، واتساع حركة التضامن العالمي مع الفلسطينيين، واهتزاز الداخل الإسرائيلي، يبدو أن المشروع الذي أنشئ عام 1948 يدخل مرحلة تراجع بنيوي لا يمكن إخفاؤه، مهما حاولت القوة العسكرية تعويضه.





شارك برأيك
القلق الإسرائيلي وانحسار النظام الدولي الذي أنشأها عام 1948