لم تستوعب والدة الطفلة حكمة نوفل بعد الصدمة الكبرى حين باغتتها الممرضة في غرفة الولادة، قائلةً: "طفلتك انولدت بتشوه خلقي"، فهي التي لم يسبق لها أن أنجبت طفلاً بهذه الحالة وسط حرب أبادت كل شيء.
في العالم أجمع تلد الأمهات أطفالهن بخلقة تامة، أما في غزة المحتلة، تحمل الأم في أحشائها طفلاً وتخوض حروباً تعيش فصولها واحدة تلو الأخرى لوحدها، وتستنشق من غبارها وتخرج من تحت أنقاضها حية، فهذا ليس بالشيء الطبيعي.
في التاسع عشر من أغسطس/العام الجاري، ولدت حكمة بتشوهات خلقية بلا عينان ولا أنف ولا فم، ووفق تصنيف الأطباء فهي مصابة بـ"الشفة الأرنبية".
وعن الحمل وسط رحلات النزوح والمجاعة والقصف المتواصل، تصف والدتها ذلك: "أشبه بالموت البطيء"، ففي النزوح اضطرت للمشي مسافات كبيرة تحت أصوات الرصاص والمدافع، مضيفةً: "كنت أقع وأنهض من شدة الخوف".
أما المجاعة، فهذه النكبة الكبرى التي عاشتها بكل حذافيرها، فهي من كانت تنام ليالٍ طويلة وصوت معدتها يُقرع، متمنيةً كسرة خبز تُعيلها للنهوض. وفق قولها.
لم تدرك والدة حكمة أن معركتها في الركض بين أزقة المستشفيات ستكون عبثاً، خاصةً بعد انهيار المنظومة الصحية وانعدام العلاج والأجهزة الطبية اللازمة لفحصها.
تقول: "منذ ولادتها وأنا أجوب المستشفيات، باحثةً عن علاج أو عملية جراحية لإنقاذ حياتها، لكن حتى الحضانة لم أجد لها مكاناً لكثرة الأطفال الخدج".
استخرج الأطباء لحكمة تحويلة طبية عاجلة، لإجلائها من قطاع غزة لتلقي العلاج بالخارج، لكن الاحتلال تعمد تأخير ذلك، لقتل المرضى ببطء.
تجلس والدة حكمة في خيمة النزوح وتسرد المعاناة التي واجهتها: "لم تكن أدويتها متوفرة، ومن المفترض أن تبدأ إجراء عمليات من عمر الثلاثة أشهر حتى 18 عاماً، لكن الأطباء المختصين بذلك غير متواجدين بغزة".
حكم الاحتلال على حكمة بالموت البطيء، فلا علاج متوفر لينتشلها من مرضها ولا معبر يفتح أمامها لينقذ حياتها.
في السابع عشر من أكتوبر، أصيبت حكمة بانتكاسة كبرى شلت طفولتها التي لم تهنأ لعيشها، بدءًا من الجفاف الشديد والاختناق الشديد وليس انتهاءً بارتفاع درجات الحرارة.
تستذكر والدتها ذلك اليوم باكيةً: "كل شيء حدث بشكل مفاجئ، لم تعد حكمة تعطي أي ردة فعل، كل التحاليل التي أجريتها مرتفعة ومناعتها ضعيفة جداً".
في ممرات مستشفى شهداء الأقصى، كانت تجلس والدتها وفي حضنها حكمة بلا سرير أو حتى كرسي طبي، وهناك مكثت حكمة 24 ساعة في غيبوبة كاملة.
أما اللحظة الأخيرة، فكانت حين أطعمتها والدتها الحليب عبر الأنبوبة الممتدة من حلقها حتى معدتها، تصف ذلك اليوم والدموع على وجنتيها: "شهقت الشقهة الأخيرة ولم أكن أدرك أنها تفارق الحياة، ركضت بها للطبيب ونقلها للعناية المركزة".
بدأ الطبيب بإجراء اسعافات أولية داخل غرفة العناية، وبعدها بدقائق خرج وأخبر والدتها قائلاَ: "عظم الله أجركم...الطفلة توفت"، حتى انهارت بالبكاء.
لم تسعفها الدموع لسرد المزيد حتى أنهت حديثها قائلةً: "أتمنى فتح المعبر لإجلاء كل المرضى حتى لا يتجرع أحد الحسرة على فلذة كبده".
حال والدة حكمة لا يختلف كثيراً عن والدة الطفل أمير الكيلاني المصاب بالشلل الدماغي، إذ ترى طفلها يموت أمام عينيها يومياً دون أن تستطيع فعل شيء.
في غرفة داخل مدرسة إيواء بمخيم النصيرات وسط قطاع غزة، يمكث أمير بلا بيئة صحية أو حتى مقومات حياة، تقول والدته: "اكتشفت أن أمير يعاني من تشنجات وارتخاء بالعضلات ولديه شلل بالدماغ حين ذهبت لتطعيمه إبرة الأربعة أشهر". تصف لحظتها: "بكيت حينها كثيراً، فلا يوجد أقسى من أن يولد طفلك الأول مريضاً".
قبل ولادة أمير، قصفت الطائرات الإسرائيلية المدرسة النازحة بها والدته، وغبار الصواريخ ملأ أرجاء الغرفة، لم تحتمل استنشاقه حتى أغمي عليها.
تضيف: "حين فحص الطبيب أمير، أخبرني بأن استنشاق الصواريخ والفسفور له الدور الأكبر في ولادة طفل هكذا".
رحلة قاسية شقتها والدته بين أزقة المستشفيات، باحثةً عن بصيص شفاء وأمل ينقذ فرحتها الأولى من الموت البطيء.
تروي: "25 يوماً مكث أمير في المستشفى بلا علاج ولا دواء، وطوال الوقت يبكي متألماً، ناهيك وأن وزنه 3 كيلو فقط في عمر سبعة أشهر ومن المفترض أن يكون 11 كيلو".
كل الأدوية التي كان يحتاجها أمير غير متوفرة لا بالمشافي ولا بالصيدليات، عجز الأطباء عن إعطائه بديل آخر فكل ما كان متوفر استهلك خلال عامين الحرب.
شهرين ونصف وأمير على حافة الموت ينتظر كباقي الأطفال المرضى تحويلة سفره لتلقي العلاج للخارج، تختتم والدته حديثها متمنيةً: "أتمنى أن يتم إجلاء ابني لأراه بصحة جيدة".
من جانبه، أكد رئيس قسم الأطفال في مستشفى شهداء الأقصى الطبيب هاني الفليت، أنه منذ بداية الحرب تضاعفت أعداد المولودون بتشوهات خلقية، خاصةً أمراض القلب والشفة الأرنبية، مشيراً إلى أنه لا يوجد إحصائية دقيقة لذلك.
وقال الفليت: "إن عدم تلقي الأم الحامل الفيتامينات والأدوية اللازمة أحد أكبر الأسباب التي تسهم بإنجاب أطفال مشوهين، ناهيك أيضاَ عن الغذاء الصحي والمياه الصالحة للشرب".
ونوه إلى أن المجاعة وتكدس النازحين في المخيمات والسموم التي يلقيها جيش الاحتلال، كل ذلك له التأثير السلبي الأكبر في إصابة الطفل بتشوه خلقي.
وأضاف: "يحتاج هؤلاء الأطفال لأدوية وعلاجات خاصة بهم، إلى جانب حاجتهم الكبيرة لأجهزة التنفس الصناعي، وكل ذلك منذ بدء الحرب معدوم من المستشفيات"، منوهاً إلى أنهم فقدوا الكثير من الحالات التي كان من الممكن إنقاذها بسبب انعدام العلاج.
وأشار الفليت إلى أن الاحتلال الإسرائيلي لعب دوراً كبيراً في تأخير تحويلات الأطفال المرضى، لافتاً إلى أن 6 آلاف طفل مريض بحاجة للسفر للخارج لتلقي العلاج.
وختم رئيس قسم الأطفال حديثه مطالباً جميع المؤسسات الطبية والحقوقية بفك الحصار الإسرائيلي عن المنظومة الصحية والسماح للمرضى بالسفر لتلقي علاجهم.











شارك برأيك
الاحتلال تعمد تأخير تحويلاتهم الطبية.. مولودون بـ"تشوهات خلقية" بلا علاج والموت له رأي آخر!