أقلام وأراء

الخميس 30 أكتوبر 2025 8:48 صباحًا - بتوقيت القدس

نحو قوة حفظ أمن وسلام فلسطينية .. رؤية واقعية ومسؤولة

مقدمة

تمرّ غزة اليوم بمرحلة دقيقة تتطلّب وضوح الرؤية وحسن الإدارة أكثر من أي وقت مضى. فبعد حرب مدمّرة خلّفت آلاف الشهداء والجرحى، وتسببت بانهيار مؤسسات الدولة والمجتمع، لم يعد السؤال: من يملك السلاح؟ بل من يملك القدرة على إعادة بناء الأمن الإنساني والسياسي والاجتماعي؟

إننا أمام خيارين لا ثالث لهما:

إمّا أن نسمح بعودة الفوضى وتعدد الجهات المسلحة تحت مسميات مختلفة،

وإمّا أن نبادر نحن الفلسطينيين إلى تأسيس قوة حفظ أمن وسلام وطنية، مدنية الطابع، مهنية التدريب، تُشرف عليها مؤسسات فلسطينية، وتعمل بالتعاون مع مصر والأردن وشركائنا العرب والدوليين.

أولاً: الهدف من القوة

الغاية ليست عسكرة غزة من جديد، بل حماية المدنيين، وضمان الأمن الداخلي، وتأمين وصول المساعدات وإعادة الإعمار.

إن قوة حفظ الأمن والسلام المنشودة يجب أن تعمل تحت مظلة وطنية فلسطينية واضحة، وتكون مهمتها مؤقتة، انتقالية، وبحدود تفويض محدد بالزمن والاختصاص.

ثانياً: الدور الإقليمي المصري– الأردني

تتحمّل كلٌّ من مصر والأردن مسؤولية إقليمية وأخوية في هذا المشروع التاريخي.

فقد بدأت الدولتان فعليًا بتجهيز قوات بوليسية متخصّصة، تتكوّن من وحدات مدرّبة على حفظ النظام المدني، ومكافحة الجريمة، وتأمين المعابر والممرات الإنسانية.

وسيكون لهذه الوحدات دورٌ تكامليٌّ مع الجهاز الأمني الفلسطيني في غزة، الذي يضمّ اليوم نحو 17,000 ضابط وعنصر أمن، تمثل نواة مؤسساتية يمكن البناء عليها بدلاً من استبدالها.

هذه الشراكة الإقليمية ليست تدخّلًا في الشأن الداخلي، بل جسر عبور نحو استقرار فلسطيني خالص، يضمن سيادة القرار، ويحمي غزة من أي وصاية أمنية أو إدارة خارجية.

ثالثاً: فلسفة الأمن التي نريدها

نحن لا نبحث عن أمنٍ بالقوة، بل عن أمنٍ بالثقة.

نريد أجهزة تحفظ كرامة المواطن قبل أن تفرض سلطتها عليه.

نريد ضابط شرطة فلسطينيًّا يخدم شعبه، لا يخشاه المواطن.

ونريد أن تُبنى هذه المنظومة بأيدٍ فلسطينية، تُدرَّب وتُؤهَّل بدعم عربي ودولي مسؤول، لا أن تُفرض من الخارج.

رابعاً: أسس بناء القوة المقترحة

1. الشرعية الوطنية: تعمل تحت مظلة الرئاسة الفلسطينية ومجلس الأمن القومي، وبالتنسيق مع الحكومة الشرعية.

2. الدعم الفني العربي: تتولى مصر والأردن التدريب والإشراف الفني واللوجستي، دون ولاية قتالية أو إدارة ميدانية.

3. الدمج التدريجي: يُعاد هيكلة الجهاز القائم في غزة (17,000 عنصر) وفق معايير مهنية وحقوقية، ودمجهم ضمن القيادة الفلسطينية الرسمية.

4. الإشراف الدولي المحدود: بإشراف أممي أو أوروبي في مراحل محددة من التدريب والمتابعة، لضمان الشفافية والالتزام بالمعايير.

5. مدة زمنية محددة: التفويض لا يتجاوز ثلاث سنوات، يتم خلالها نقل الصلاحيات تدريجيًا إلى أجهزة فلسطينية مؤهّلة بالكامل.

خامساً: المراحل التنفيذية

- المرحلة الأولى (0–3 أشهر): تقييم الوضع الأمني الميداني، حصر القوى العاملة الحالية، تحديد الاحتياجات العاجلة، ونشر وحدات حماية إنسانية في المعابر ومراكز الإغاثة.

- المرحلة الثانية (3–12 شهرًا): بدء برامج التدريب والتأهيل، بإشراف مشترك فلسطيني–مصري–أردني، وتشمل ضبط الحدود، التحقيق، إدارة المرور، والشرطة المجتمعية.

- المرحلة الثالثة (السنة الثانية): دمج الكوادر المدربة ضمن قيادة فلسطينية موحدة، وتوسيع نطاق الشرطة المدنية داخل المدن والمخيمات.

- المرحلة الرابعة (السنة الثالثة): استكمال نقل الصلاحيات الكاملة للقيادة الفلسطينية، وخروج تدريجي للوحدات الداعمة مع بقاء آلية متابعة ومراقبة.

سادساً: الضمانات المطلوبة

- اتفاق سياسي ثلاثي: فلسطين – مصر – الأردن، بضمانة عربية وأممية.

- تمويل مخصص ومستقل: من الدول العربية المانحة، وصناديق الإعمار، لضمان الاستمرارية.

- مراقبة حقوقية دولية: تضمن التزام القوة بالقانون الإنساني، ومنع أي تجاوزات.

- خطة إعلامية مشتركة: لشرح أهداف القوة للمواطنين، وتعزيز ثقتهم بها، لأن الأمن لا يُفرض، بل يُبنى بالمصداقية.

سابعاً: النتائج المتوقعة

- استعادة الأمن الداخلي واستقرار الحياة اليومية.

- تمهيد الطريق أمام عودة الإدارة المدنية والمؤسسات الحكومية.

- تسريع عملية الإعمار من خلال بيئة مستقرة وآمنة.

- خلق نموذج عربي ناجح لإدارة مرحلة ما بعد النزاع، بقيادة فلسطينية ورعاية إقليمية.

خاتمة

إن غزة لا تحتاج إلى مزيد من البنادق، بل إلى مزيد من الضمانات.

لا تحتاج إلى قوات احتلال جديدة، بل إلى قوة حفظ أمن وسلام وطنية تستمد شرعيتها من الشعب، وتستند إلى دعم إقليمي وأممي عادل.

مصر والأردن ليستا ضيفتين على هذه الأرض، بل شقيقتان تحملان خبرة وواجبًا تاريخيًا.

و17,000 ضابط أمني فلسطيني ينتظرون أن يُعاد لهم دورهم، لا أن يُستبدلوا.

من هنا، تبدأ مرحلة بناء الأمن الحقيقي،

ومن غزة تبدأ مهمة السلام الفلسطيني التي طال انتظارها.

دلالات

شارك برأيك

نحو قوة حفظ أمن وسلام فلسطينية .. رؤية واقعية ومسؤولة

النشرة الإخبارية

كن الأول في معرفة أهم الأخبار العاجلة فور حدوثها.

ابق على اطلاع على آخر الأخبار، واشترك في خدمة الأخبار العاجلة التي تصل إلى بريدك الإلكتروني يومياً.

بتسجيلك، فأنت توافق على الشروط والأحكام الخاصة بنا وسياسة الخصوصية.