أقلام وأراء

الأربعاء 20 مارس 2024 9:51 صباحًا - بتوقيت القدس

كي لا تسود "عقيدة الصدمة"

تقوم "عقيدة الصدمة"على مبدأ إستخدام قوة ساحقة تتجاوز المألوف لمفاجأة الخصم وشل قدراته فكرياً ومادياً ليسهل تنفيذ أجندات خفية يصعب تسويقها في الوضع العادي. ببساطة بدأت هذه الفكرة في منتصف القرن العشرين كأداة علاج نفسي للمرضى بواسطة الصدمات الكهربائية والعزل لمحو ذاكرتهم بهدف إعادة تشكيلها ومدواتها، لكن للأسف تم تحويلها لاحقاً إلى وسيلة قهر للشعوب تعتمد القوة المدمرة لإعادة تشكيل وعي الناس وكسر إرادتهم وإِخضاعهم.


وما تشهده المحافظات الجنوبية هذه الأيام يتقاطع الى حد كبير مع قواعد هذه العقيدة المرعبة، بدليل أن اسرائيل إعتمدت سياسة التدمير الشامل، واقترفت المجازر التي تجاوزت الخيال، وإستهدفت الأطفال والنساء، وفرضت الحصار الظالم على المدنيين، ودمرت المساجد والكنائس والمؤسسات التعليمية والصحية والإعلامية والاجتماعية، وحتى المخابز والمصانع، لتلغي كل مقومات الحياة، كوسيلة لخلق حالة من الفوضى والتشتت يغيب معها الشعور بالزمان والمكان وتتعطل الذاكرة ويتبدل الوعي، ويصعب التمييز بين الواقع والخيال.


ولا غرابة، بعد الوصول لهذه الدرجة، أن يعمل الاحتلال الاسرائيلي على إستغلال هذه الصدمة المروعة التي خلقها، لشيطنة ضحاياه ونزع الإنسانية عنهم، وإظهار عجزهم عن إدارة شؤونهم، ليحرفهم عن مجرد التفكير بأهدافهم العليا، حتى يتم تمرير مشاريع مبيتة، تسهل ضرب الحركة الوطنية وتدمر المنظومة القائمة، لإستبدالها بخيارات هزيلة تخدم مصالح الاحتلال، وصولاً إلى الهدف الأكبر المتمثل بنزع الشرعية الدولية عـن القضية الفلسطينية وطمس الرواية التاريخية، وخلط الأوراق لقطع الطريق على أي مشروع يلبي الحقوق السياسية للشعب الفلسطيني، ويفضي إلى قيام دولة فلسطينية مستقلة ذات سيادة وفق الشرعية الدولية، وهذا إنعكس بوضوح في تصريحات المسؤولين الاسرائيليين، الذين كشفوا عن خططهم المُبيّتة لفرض واقع جديد بإعادة تشكيل حياة الفلسطنيين في غزة، ولخلق وعي وذاكرة جديدة يتم رسمها على "صفحات بيضاء" جديدة، بما في ذلك إعادة كتابة المناهج التعليمية.


وهذا الطرح تجلى أيضاً في تصريحات رئيس وزراء الاحتلال بنيامين نتنياهو الذي أكد فيها على رفضه القاطع لتولي السلطة الوطنية الفلسطينية إدارة شؤون قطاع غزة، بحجة أنها تعلم أبناءها الإرهاب وكراهية إسرائيل، علماً أن السبب الحقيقي وراء ذلك هو كونها تمتلك الشرعية الدولية ورفضه لحل الدولتين.


 وفي هذا السياق، توسعت دائرة الإشاعات والروايات الكاذبة التي تطلقها ماكينة الإعلام الاسرائيلية ضد المناضلين والقيادات الوطنية، بهدف نشر الإحباط وتقويض الثقة وقتل الأمل، وإعاقة تحقيق أي إنجاز وطني ملموس، كما إنعكس ذلك مؤخراً في نشر أخبار مزيفة، مثلاً حول، جهود اللواء ماجد فرج (أبو بشار)، الرامية إلى وقف العدوان على شعبنا في غزة، والتخفيف من معاناة المدنيين، وحماية المشروع الوطني، وكلي ثقة بأن مثل هذه الإشاعات المغرضة والأخبار المفبركة لن تنطلي على العقول الواعية، ولن تنال من سمعة من يملك تاريخاً نضالياً مشهوداً، عرفناه عن قرب، مناضلاً ملتزماً بقضايا شعبه، وفياً لمبادئه وقيمه الوطنية، ومدافعاً شرساً عن المشروع الوطني وعن وحدة الشعب والأرض.


خلاصة الأمر، مطلوب تضافر الجهود بين أقطاب الفكر والسياسة والإرشاد الاجتماعي والنفسي لتثقيف الأفراد وتوعية المجتمع بطرق التعامل مع مثل هذه الإشاعات وتبديدها للتقليل من مخاطرها، صوناً للمجتمع من الفتن والتحديات، وحفاظاً على المشروع الوطني بجوهره الوحدوي والتحرري. كما يتعين أخذ الحيطة والحذر وعدم ترك المجال مفتوحا لدعاية الاحتلال الظالمة، كي لا يمرر خلسة أجندة "عقيدة الصدمة" في ظل ظروف بالغة الدقة والتعقيد، يعاني فيها شعبنا من مختلف صنوف العذاب والقتل والحصار والتجويع، كما يتعين العمل على كل المستويات لدعم أهلنا في المحافظات الجنوبية حاضراً ومستقبلاً، مع التأكيد على الثقة الراسخة بقدرة شعبنا على تجاوز المحطات الحرجة، والخروج منها أكثر إصراراً على نيل حقوقه، وأشد تمسكاً بأهدافه الوطنية والإنسانية، وأكثر وعياً وثباتاً وحزماً في الوفاء بالمسؤولية الوطنية، كما أثبت ويثبت على الدوام.

دلالات

شارك برأيك

كي لا تسود "عقيدة الصدمة"

النشرة الإخبارية

كن الأول في معرفة أهم الأخبار العاجلة فور حدوثها.

ابق على اطلاع على آخر الأخبار، واشترك في خدمة الأخبار العاجلة التي تصل إلى بريدك الإلكتروني يومياً.

بتسجيلك، فأنت توافق على الشروط والأحكام الخاصة بنا وسياسة الخصوصية.