تتجدد بين الحين والآخر الدعوات إلى الحوار الوطني الفلسطيني وإجراء انتخابات شاملة للمجلس الوطني باعتبارها مدخلاً لتجديد الشرعيات واستعادة الوحدة الوطنية وتعزيز الشراكة السياسية. ورغم أهمية هذه العناوين من حيث المبدأ، فإن المشكلة لم تعد تكمن في غياب الدعوات أو نقص المبادرات، بل في تكرار الخطاب ذاته والأدوات ذاتها التي أثبتت عجزها عن معالجة جذور الأزمة الوطنية والسياسية الفلسطينية.
فالبيانات التي تدعو إلى الحوار والانتخابات تبدو في كثير من الأحيان أقرب إلى إدارة الأزمة منها إلى تقديم مشروع حقيقي للخروج منها. فمنذ سنوات طويلة شهدت الساحة الفلسطينية عشرات جولات الحوار والاتفاقات والتفاهمات التي رفعت الشعارات نفسها المتعلقة بالوحدة الوطنية والشراكة الديمقراطية وإصلاح المؤسسات، إلا أن النتائج بقيت محدودة، وبقي الانقسام قائماً، واستمرت حالة الجمود السياسي والمؤسسي دون تغيير جوهري. ولذلك فإن الدعوة إلى حوار جديد دون مراجعة نقدية لأسباب فشل الحوارات السابقة، ودون تقديم ضمانات ملزمة لتنفيذ ما يتم الاتفاق عليه، تثير تساؤلات مشروعة حول جدية المسار المطروح وقدرته على إحداث تحول حقيقي.
كما أن التركيز على الانتخابات باعتبارها الحل السحري للأزمة يتجاهل حقيقة أن الانتخابات ليست هدفاً بحد ذاتها، وإنما وسيلة ضمن عملية إصلاح سياسي شاملة. فإجراء الانتخابات ضمن البنية التنظيمية والسياسية القائمة قد يؤدي إلى إعادة إنتاج المشهد نفسه بوجوه جديدة، بينما تبقى آليات اتخاذ القرار واحتكار النفوذ والتأثير على حالها. فالمطلوب ليس فقط تجديد الأشخاص، وإنما تجديد المنظومة السياسية نفسها، وإعادة بناء مؤسساتها على أسس ديمقراطية حديثة تقوم على المساءلة والشفافية والتداول الحقيقي للسلطة.
وتزداد هذه الإشكالية وضوحاً عندما تغيب الجداول الزمنية الملزمة والآليات التنفيذية الواضحة. فالحديث عن استمرار النقاشات والبحث في الآليات والمسارات يفتح الباب أمام المزيد من التأجيل والتسويف، خصوصاً في ظل التجارب السابقة التي شهدت اتفاقات كثيرة لم تر النور. كما أن تحميل الاحتلال الإسرائيلي وحده مسؤولية تعطيل العملية الديمقراطية، رغم صحة وجود عقبات موضوعية يفرضها الاحتلال، لا يعفي القوى الفلسطينية من مسؤوليتها عن الإخفاقات الداخلية وعن غياب الإرادة السياسية اللازمة لإنجاز الإصلاحات المطلوبة.
إن مواجهة المخاطر الوجودية التي يتعرض لها الشعب الفلسطيني تتطلب أكثر من مجرد تكرار الشعارات التقليدية. فهي تستدعي إطلاق عملية إصلاح وطني شاملة تبدأ بالاعتراف بأن الأزمة الحالية هي أزمة بنية سياسية وآليات حكم وتمثيل، وليست فقط أزمة انتخابات مؤجلة أو حوار معطل. ومن هنا تبرز الحاجة إلى تشكيل هيئة وطنية انتقالية مستقلة تحظى بثقة مختلف القوى السياسية والمجتمعية، تتولى الإشراف على عملية الإصلاح وإدارة المرحلة الانتقالية وصولاً إلى الانتخابات.
كما أن نجاح أي عملية انتخابية يتطلب وضع جدول زمني واضح وملزم يعلن للرأي العام، بحيث تصبح المواعيد والاستحقاقات جزءاً من التزام وطني لا يخضع للمزاج السياسي أو الحسابات الفصائلية الضيقة. وإلى جانب ذلك لا بد من تطوير النظام الانتخابي بما يضمن تمثيلاً أوسع للشباب والمرأة والمستقلين ومكونات الشتات الفلسطيني، حتى لا تبقى العملية السياسية حكراً على القوى التقليدية التي هيمنت على المشهد لعقود طويلة.
ولا يقل أهمية عن ذلك إنشاء آليات رقابة ومساءلة مستقلة تضمن تنفيذ ما يتم الاتفاق عليه، وتمنع تحويل الحوار الوطني إلى مجرد منصة لإدارة الخلافات دون حلول عملية. فالثقة المفقودة بين مكونات النظام السياسي لا يمكن استعادتها إلا من خلال التزامات واضحة وإجراءات قابلة للقياس والتنفيذ.
إن القضية الفلسطينية تمر بمرحلة تاريخية بالغة الخطورة، في ظل مشاريع الضم والاستيطان والتهجير ومحاولات تصفية الحقوق الوطنية. ولذلك فإن الحاجة اليوم ليست إلى إعادة تدوير الأدوات القديمة أو إنتاج الخطاب التقليدي بصيغ جديدة، بل إلى رؤية وطنية شاملة تعيد بناء المؤسسات على أسس ديمقراطية حقيقية، وتؤسس لشراكة وطنية فعلية، وتفتح المجال أمام أجيال جديدة للمشاركة في صنع القرار. فالتحدي الحقيقي لا يكمن في إجراء انتخابات جديدة فحسب، وإنما في بناء نظام سياسي قادر على تمثيل الشعب الفلسطيني بكفاءة وفاعلية، وتحويل الوحدة الوطنية من شعار سياسي متكرر إلى واقع مؤسسي مستدام.





شارك برأيك
الانتخابات الفلسطينية بين تجديد الشرعية وإعادة إنتاج الأزمة