استهداف الرموز وتشويه الوعي: كيف تُدار حملات التشكيك بعد المؤتمر الثامن؟

 استهداف الرموز وتشويه الوعي: كيف تُدار حملات التشكيك بعد المؤتمر الثامن؟

بقلم :د. عمر السلخي/ اقليم سلفيت
المعركة لم تعد تنظيمية فقط… بل إعلامية ونفسية

بعد كل استحقاق تنظيمي كبير داخل حركة فتح، تظهر حالة من الجدل والاختلاف، وهذا أمر طبيعي في أي حركة جماهيرية واسعة.
لكن ما يحدث بعد المؤتمر الثامن يتجاوز أحيانًا حدود النقد الطبيعي، ليدخل في إطار حملات منظمة تستهدف الرموز والقيادات وصورة الحركة نفسها، عبر أدوات إعلامية وصفحات وحسابات وهمية تعمل وفق منطق “تشويه الوعي” وضرب الثقة الداخلية.
المشكلة ليست في وجود النقد، بل في كيفية توظيفه وتحويله إلى مادة تحريض وتشكيك وتفكيك معنوي للحركة.

استهداف الرموز… أداة قديمة في الحروب الحديثة

في العلوم السياسية والإعلامية، تقوم “نظرية استهداف الرموز” على فكرة بسيطة وخطيرة:
عندما يصعب إسقاط الفكرة أو التنظيم بشكل مباشر، يتم استهداف الرموز والشخصيات القيادية والتاريخية والتنظيمية المرتبطة به، بهدف إضعاف ثقة الجمهور بالحركة نفسها.
ولهذا نشاهد بعد الانتخابات حملات تسخر من أعضاء اللجنة المركزية أو المجلس الثوري، ليس من باب النقد السياسي، بل بهدف التقليل من القيمة المعنوية للقيادة، وإظهار الحركة وكأنها تعيش حالة انهيار أو صراع داخلي دائم.
ويتم ذلك غالبًا عبر:
منشورات ساخرة.
مقاطع مجتزأة.
عناوين مضللة.
اقتباسات غير دقيقة.
تصميمات هجومية.
تضخيم الأخطاء أو التصريحات الفردية.
والهدف النهائي ليس “الإصلاح”، بل ضرب صورة الحركة في الوعي الجمعي.

الحسابات الوهمية… مصانع للرأي العام الموجّه

أخطر ما في المشهد الحالي هو انتشار صفحات وحسابات وهمية تدّعي الحرص على فتح، بينما تمارس بشكل يومي خطابًا يضرب الحركة من الداخل.
هذه الحسابات تعتمد على:
أسماء غير حقيقية.
صور مزيفة أو مسروقة.
إدارة مجهولة.
نشر سريع ومنسق للمحتوى السلبي.
تضخيم أي خلاف داخلي وتحويله إلى أزمة عامة.
وفي كثير من الأحيان، تقوم هذه الصفحات بنشر “تصريحات” أو “تسريبات” على لسان إخوة وأخوات لم يحالفهم الحظ في انتخابات اللجنة المركزية أو المجلس الثوري، دون التأكد من دقة الكلام أو سياقه الكامل.
ثم تبدأ عملية إعادة التدوير والتضخيم، حتى يظهر الأمر وكأن الحركة تعيش حالة تمرد أو انهيار داخلي، بينما الحقيقة قد تكون مجرد رأي شخصي أو ملاحظة تنظيمية عابرة.

كيف يتم توظيف النقد المشروع لتشويه الحركة؟

لا أحد ينكر أن بعض الانتقادات التي خرجت بعد المؤتمر تحمل نقاطًا تستحق النقاش والمراجعة، وهذا حق طبيعي لأي كادر فتحاوي.
لكن الخطورة تكمن في تحويل هذا النقد من:
مراجعة داخلية
إلى
مادة إعلامية هجومية مفتوحة.
وهنا تبدأ بعض الصفحات في:
اجتزاء الكلام.
إخراج التصريحات من سياقها.
استخدام لغة عاطفية وغاضبة.
تعميم الأخطاء الفردية على الحركة كلها.
تصوير أي اختلاف على أنه انقسام كارثي.
وبالتالي يصبح النقد، الذي يفترض أن يكون أداة تصحيح، وسيلة تستخدم لتشويه صورة حركة فتح أمام جمهورها وأمام الرأي العام الفلسطيني.
بين حرية الرأي والانضباط التنظيمي
فتح تاريخيًا حركة قامت على الحوار والنقاش والتعددية الداخلية، ولم تكن يومًا حركة الصوت الواحد.
ومن حق أي كادر أن ينتقد أو يعترض أو يطالب بالمراجعة.
لكن في المقابل، هناك فرق كبير بين:
النقد المسؤول الذي يهدف للإصلاح، وبين:
الخطاب الذي يتحول إلى حالة تشكيك وإساءة وتكسير معنوي.
فالخلافات التنظيمية حين تنتقل إلى فضاء “السوشال ميديا” بشكل منفلت، تصبح مادة جاهزة للخصوم والمتربصين، الذين لا يبحثون عن إصلاح فتح، بل عن إضعافها.

لماذا يتم التركيز على فتح تحديدًا؟

لأن حركة فتح ليست مجرد تنظيم سياسي عادي، بل العمود الفقري للمشروع الوطني الفلسطيني تاريخيًا، وأي إضعاف لصورتها أو مكانتها ينعكس على الحالة الوطنية الفلسطينية عمومًا.
لذلك فإن استهداف فتح إعلاميًا ومعنويًا يخدم أطرافًا كثيرة:
الاحتلال.
خصوم المشروع الوطني.
الصفحات الباحثة عن الإثارة والتفاعل.
بعض الجهات التي تستثمر في الانقسام والفوضى.
الوعي مسؤولية وطنية
المطلوب اليوم ليس إلغاء النقد، بل ترشيده وحمايته من التوظيف السلبي.
والمطلوب أيضًا من الكادر الفتحاوي والجمهور الوطني:
التحقق من المصادر.
عدم الانجرار خلف الحسابات الوهمية.
التمييز بين النقد البنّاء وحملات التشويه.
حماية صورة الحركة دون تقديس الأشخاص.
فالمرحلة التي تمر بها فلسطين أخطر من أن تتحول فيها مواقع التواصل إلى ساحات جلد ذاتي أو تصفية حسابات داخلية.

فتح تحتاج إلى النقد… لا إلى الهدم

الحركات الكبيرة تتطور بالنقد والمراجعة، لكن الهجوم المنظم على الرموز والقيادات وتحويل كل خلاف إلى أزمة علنية لا يخدم الإصلاح، بل يخدم إضعاف الحركة.
واليوم، أكثر ما تحتاجه حركة فتح هو:
الوعي،
والانضباط،
والنقاش المسؤول،
والقدرة على التفريق بين من يريد الإصلاح، ومن يريد التشويه.
لأن نجاح فتح في تجاوز أزماتها الداخلية، واستعادة ثقة جمهورها، يعني بالضرورة تعزيز صمود المشروع الوطني الفلسطيني كله.

16 مشاهدة
0 تعليق
د.م. عمر السلخي

بقلم

د.م. عمر السلخي

اقرأ المزيد من مشاركات هذا الكاتب

عرض الملف

شارك برأيك

استهداف الرموز وتشويه الوعي: كيف تُدار حملات التشكيك بعد المؤتمر الثامن؟