النكبة الفلسطينية، (نروي لنذكر)، ونذكر لنبقى

في كل عام، حين تعود ذكرى النكبة الفلسطينية، لا تعود معها الذاكرة فقط، بل تعود معها الحقيقة، كاملة غير منقوصة، كأنها حدث يقع الآن، لا كأنه مضى منذ عقود. ليست النكبة تاريخاً يُستدعى، بل واقعاً يُعاش، وجرحاً مفتوحاً لم يُمنح حتى حق الالتئام. نروي لنذكر، لا لأن الذاكرة تخوننا، بل لأن العالم يتقن النسيان، ولأن الرواية إن لم تُحكَ، تُسرق، وإن لم تُوثق، تُحرّف.
بدأت النكبة كفعل اقتلاع جماعي، لم يكن نتيجة عرضية لحرب، بل كان، وفق كثير من الدراسات القانونية والتاريخية، نتيجة سياسات منظمة هدفت إلى تفريغ الأرض من أهلها الأصليين. أكثر من سبعمئة ألف فلسطيني هُجّروا قسراً من قراهم ومدنهم، مئات القرى دُمّرت، والهوية نفسها أصبحت هدفاً. ومنذ ذلك الحين، لم تتوقف النكبة، بل تحولت إلى عملية مستمرة، تتخذ أشكالاً متعددة، من الاستيطان إلى الحصار، ومن التهجير إلى القتل المباشر.
من الناحية القانونية، فإن ما حدث ويحدث يمثل خرقاً مركباً لمنظومة القانون الدولي. مبدأ عدم جواز الاستيلاء على الأراضي بالقوة، وهو أحد أعمدة النظام الدولي بعد الحرب العالمية الثانية، تم تجاوزه بشكل صارخ. وقد أكدت الأمم المتحدة، في قرارات متكررة، على حقوق الشعب الفلسطيني، وعلى رأسها القرار 194 الذي ينص بوضوح على حق اللاجئين في العودة والتعويض. غير أن هذا القرار، كغيره، بقي حبراً على ورق، في ظل غياب آليات تنفيذ فعالة، وفي ظل نظام دولي تحكمه موازين القوى أكثر مما تحكمه العدالة.
إن الإشكالية القانونية لا تكمن في غياب النصوص، بل في غياب الإرادة. فالقانون الدولي الإنساني، واتفاقيات جنيف، تحظر التهجير القسري، وتجرم استهداف المدنيين، وتمنع العقوبات الجماعية. ومع ذلك، فإن هذه القواعد تُنتهك بشكل متكرر في قطاع غزة، وفي الضفة الغربية، دون أن يقابلها ردع حقيقي. هذا التناقض بين النص والتطبيق يطرح تساؤلات عميقة حول مصداقية النظام القانوني الدولي، وحول مدى قدرته على حماية الشعوب الواقعة تحت الاحتلال.
وعلى الصعيد الإنساني، فإن النكبة ليست مجرد أرقام، بل هي حكايات بشرية متراكمة، من الألم والفقدان والصمود. هي الأم التي ما زالت تحتفظ بمفتاح بيتها الذي هُجّرت منه، والجد الذي يروي لأحفاده أسماء القرى التي مُسحت من الخرائط، والطفل الذي يولد في مخيم لا يعرف من الوطن إلا اسمه. إنها حالة إنسانية ممتدة، حيث يتحول اللجوء من وضع مؤقت إلى واقع دائم، وتصبح المعاناة جزءاً من الحياة اليومية.
ولا يمكن فصل النكبة عن سلسلة المجازر التي رافقتها واستمرت بعدها، من دير ياسين إلى الطنطورة، وصولاً إلى ما نشهده اليوم من دمار واسع وسقوط عشرات آلاف الضحايا من المدنيين. هذه الأحداث، وفق معايير القانون الدولي، تندرج ضمن الانتهاكات الجسيمة، بل إن بعضها يرقى إلى مستوى جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية. ومع ذلك، فإن غياب المساءلة الفعلية يكرس ثقافة الإفلات من العقاب، ويشجع على تكرار الانتهاكات.
لكن، وسط هذا المشهد القاسي، تبرز رواية أخرى، رواية الصمود. فالشعب الفلسطيني، رغم كل ما تعرض له، لم ينكسر, لم تتحول النكبة إلى نهاية، بل إلى بداية لمسار طويل من المقاومة، بأشكالها المختلفة،العسكرية, السياسية، والثقافية، والشعبية. الهوية لم تُمحَ، بل تعززت، والذاكرة لم تُطمس، بل أصبحت أكثر حضوراً.
إن الصمود هنا ليس مجرد بقاء، بل هو فعل إرادة. هو الإصرار على الحياة في وجه الموت، وعلى البناء في وجه الهدم، وعلى التمسك بالحق في وجه محاولات الإنكار. وهو أيضاً تعبير عن وعي عميق بأن الحقوق، مهما طال الزمن، لا تسقط، وأن العدالة، وإن تأخرت، ليست مستحيلة.
وفي هذا السياق، يكتسب الأمل بعداً خاصاً. ليس أملاً ساذجاً، بل أملاً يستند إلى حقائق قانونية وتاريخية، وإلى تحولات تدريجية في الوعي العالمي. فالقضية الفلسطينية، رغم كل محاولات التهميش، ما زالت حاضرة في الضمير الإنساني، وما زالت قادرة على تحريك الشعوب، وإعادة طرح الأسئلة الكبرى حول العدالة والحرية وحقوق الإنسان.
نروي لنذكر، لأن الذكرى ليست مجرد استعادة للماضي، بل هي فعل مقاومة في حد ذاته. نذكر لنحفظ الحق، ولنمنع طمسه، ولنؤكد أن الرواية الفلسطينية ليست رواية ضحية فقط، بل رواية شعب حي، قادر على الاستمرار، وعلى إعادة صياغة مستقبله.
وفي يوم النكبة، لا يكون الحزن مجرد شعور، بل موقف. موقف يقول إن ما حدث لم يكن قدراً، وإن ما يحدث ليس حتمياً. موقف يرفض التطبيع مع الظلم، ويرفض تحويل المأساة إلى أمر واقع. موقف يجدد العهد بأن الأرض، بما تحمله من تاريخ وهوية، ليست مجرد مساحة جغرافية، بل هي حق أصيل، لا يُمنح ولا يُسلب، بل يُستعاد.
وهكذا، تبقى النكبة، بكل ما تحمله من ألم، أيضاً مصدراً للقوة. لأنها تذكّر بأن الشعوب التي تروي قصتها، وتتمسك بحقها، لا تختفي. وأن التاريخ، مهما طال، لا يمكن أن يُكتب من طرف واحد. وأن العدالة، وإن غابت اليوم، تبقى ممكنة غداً، طالما هناك من يروي، ومن يذكر، ومن يصر على أن يكون.

128 مشاهدة
0 تعليق
جمال عبيد

بقلم

جمال عبيد

اقرأ المزيد من مشاركات هذا الكاتب

عرض الملف

شارك برأيك

النكبة الفلسطينية، (نروي لنذكر)، ونذكر لنبقى