صورة بانورامية عن واقع السياحة الفلسطينية.. في الحقبة الأُردنية

القدس- "القدس" دوت كوم- تطورت السياحة الفلسطينية في العهد الأردني بين 1948 و1967 بشكل متدرج وثابت، وكانت تشكل الثقل الأساسي للمدخول القومي الأردني، خصوصاً في المدن السياحية الأشهر: القدس وبيت لحم وأريحا والخليل.

من الصعب في ذلك الوقت إحصاء عدد السياح الذين قدموا إلى الضفة الغربية بين عامي 1949 و1967، لأن جميع إحصاءات السياح شملت الأردن كاملاً آنذاك، الضفتين الغربية والشرقية، وبما يساوي قرابة 98٪ من عدد السياح القادمين إلى الأردن كانوا من الحجاج المسيحيين الذين يزورون القدس الشرقية -البلدة القديمة- بما في ذلك الأماكن المقدسة مثل القبر المقدس، وطريق درب الصليب، وجبل الزيتون والجثمانية وغيرها. كما زار السائحون المقدسات الإسلامية قبة الصخرة والمسجد الأقصى ومواقع إسلامية أُخرى في المدينة. وعدد قليل من السياح زاروا حائط البراق أو ما يسميه المحتلون الآن حائط المبكى أو الحائط الغربي.

طوني خشرم والسياح والمرافق السياحية..

ويشير طوني خشرم، رئيس جمعية السياحة الوافدة، إلى أنّ أعداد السياح العرب المسيحيين والمسلمين من الدول العربية بدأت في الازدياد بعد عام 1955 وحتى عام 1967. وكانت مدن بيت لحم وأريحا والخليل رئيسية أيضًا في برنامج الزيارة.

في حين ارتفع عدد السياح الوافدين إلى الأردن بشكل ملحوظ منذ عام 1950 وإلى بداية عام 1967، وبالأرقام على النحو التالي:

- 8647 سائحاً عام 1950.

- 84892 سائحاً عام 1955.

- 131699 سائحاً عام 1960.

- 501328 سائحاً عام 1965

- 616830 سائحاً عام 1966.

وقد زادت نسبة السياح العرب في البداية في عام 1955، وفي أوائل الستينيات حتى عام 1967، كانت أكثر من 50٪ من إجمالي عدد السائحين من الدول الأوروبية والأمريكية.

ويمكن تفسير الزيادة الطردية في عدد السياح العرب إلى الأردن، لأنّ غالبية هؤلاء السياح كانوا يدخلون البلد أثناء توجههم لأداء فريضة الحج في السعودية، وأيضاً أثناء عودتهم منها.

ويضيف خشرم الذي عمل على تجميع وتدقيق بعض المعطيات السياحية في تلك الفترة "شجعت الزيادة في الأعداد الحكومة الأردنية على جذب المستثمرين وتشريع القوانين المتعلقة ببناء الفنادق في الضفة الغربية، خاصة في القدس الشرقية وبيت لحم، وتم اعتماد قانون السياحة رقم 17 لسنة 1960 لتنظيم صناعة السياحة. وفي عام 1960، بلغ عدد الفنادق ودور الضيافة 73 فندقاً، وبحلول نهاية عام 1966 كان هناك 87 فندقاً ودار ضيافة".

فيما بلغ العدد الإجمالي للمرشدين السياحيين المرخصين في نهاية عام 1966 215 مرشداً، منهم 202 مرشداً يعملون في الضفة الغربية وفقاً لنظام الرقابة التنظيمية للدليل السياحي الأردني رقم 48 لعام 1966، واللغات التي يتحدثها المرشدون في تلك الفترة كانت في معظمها الإنجليزية والعربية، وأيضاً الإيطالية والفرنسية والإسبانية. القليل منهم كان يتحدث اللغة البرتغالية والألمانية.

وأصبح: "نظام متاجر التحف الشرقية" رقم 47 لعام 1966 ساري المفعول، حيث قامت وزارة السياحة والآثار الأردنية خلال عام 1967 بترخيص 161 متجراً للتحف الشرقية، منها 150 متجراً أو محلاً في الضفة الغربية، إضافة إلى 20 مصنعاً للحرف اليدوية والتحف الشرقية في بيت لحم والقدس والخليل وبيت ساحور، وتمّ اعتماد إنتاج كثير من أنواع الأعمال اليدوية. كلّ ذلك يشير إلى تطور قطاع السياحة في الضفة الغربية، التي كانت في ذلك الوقت جزءاً من المملكة الأردنية الهاشمية.

الدجاني.. نوعية مختلفة من السياح

واعتبر أبو الوليد الدجاني، مدير فندق إمبريال في باب الخليل، أنّ نوعية السياح الذين كانوا يزورون القدس والأماكن المقدسة كانت نوعية جيدة زمن الأردن، رغم أنّ أعدادهم كانت قليلة بعكس ما هو متوافر حالياً، أي قبل زمن جائحة كورونا، فأهل المدينة المقدسة كانوا يعتمدون في رزقهم على هذه الوفود السياحية ميسورة الحال التي تنفق بسخاء.

كما كان الأمن والأمان متوافرين في ذلك الحين، ما يعطي الانطباع بالهدوء والاستقرار والازدهار. ويقول دجاني: "كان المقدسي سفيراً للعالم بحسن المعاملة والأخلاق والخدمات، ويترك الانطباع الجيد في نفوس الزوار، ما يسهم في تدفق مزيد من أفواج السياح من العالم إلى الأراضي المقدسة عموماً".

وكان تنقل السياح الفرادى من مدينةٍ إلى أُخرى عادة بواسطة وسائل النقل العام. أما نقل المجموعات بين المدن، فكان بواسطة سيارات الأُجرة السياحية التي تحتوي على خمسة إلى ستة مقاعد، حيث لم تكن هناك حافلات سياحية مرخصة لغرض التجول.

وصل معظم الحجاج والسياح العرب من لبنان وسوريا والعراق ومصر والخليج العربي، بما في ذلك السعودية إلى الضفة الغربية عبر الأردن عن طريق البر أو مطار عمان الذي كانت سعته صغيرة نوعاً ما، والطريق المعبد بين عمان والقدس كان في جميع الأوقات مشغولاً، خاصة في موسم عيد الفصح وعيد الميلاد وعيد الأضحى والفطر.

واعتاد الكثير من الزوار الأوروبيين والأمريكيين السفر جواً إلى مطار تل أبيب والعبور إلى القدس الشرقية عبر بوابة ماندلباوم، وهي نقطة التفتيش بين إسرائيل والأردن في القدس شمال الطرف الغربي لمدينة القدس القديمة مباشرة على طول الخط الأخضر في ذلك الوقت. واعتاد آخرون القدوم والمغادرة عبر مطار القدس الدولي (مطار قلنديا) الذي توقف عن العمل بعد حرب عام 1967 عندما احتلت إسرائيل القدس الشرقية.

منذ عام 1959 حتى 1967 وبعد عيد الفصح مباشرة، كان قطاع السياحة في الضفة الغربية والقدس الشرقية مزدهراً للغاية، وتم بناء الكثير من الفنادق، وتم إنشاء العديد من مقدمي الخدمات السياحية وزيادة شركات تنظيم الرحلات ووكلاء السفر. بلغ عدد العاملين في قطاع السياحة بنهاية عام 1966 نحو 3850 موظفا وذلك في الفنادق والإرشاد المرخص ومحلات بيع التحف والمطاعم والمواقع السياحية والسائقين السياحيين والموظفين الحكوميين السياحيين وغيرهم من مقدمي الخدمات السياحية. وفي حينه أيضاً ظهرت في بيت لحم والقدس الشرقية مصالح تجارية صغيرة ومتوسطة ذات صلة بالصناعة السياحية.

كما أنشأت شركات الخطوط الجوية العالمية مكاتب تمثيلية لها في القدس الشرقية مثل: Alitalia وSAS وKLM و Air France و BOAC (الخطوط الجوية البريطانية) و TWA وPan American وشركات طيران عربية أُخرى على سبيل المثال Air Liban وSaudi Airlines وMisr Air.

أما قطاع غزة الذي كان تحت السيطرة المصرية، فقد تمتع بدرجة من الاستقلال كمنطقة فلسطينية في إطار الإدارة المصرية. كانت السياسات الاقتصادية في الخمسينيات والستينيات في قطاع الأعمال التجارية تحت تأثير كبار ملاكي الأراضي وكبار التجار. ولا توجد إحصاءات دقيقة عن حركة السياحة في قطاع غزة تحت الإدارة المصرية. لقد ساعد ميناء غزة في ذلك الوقت في تحويله إلى سوق لعدد متزايد من السياح المصريين- التجار، وكانت السياحة الدولية محدودة في تلك الفترة كما أكد البعض من الجيل القديم. وكانت هناك حركة سياحة محلية نشطة نسبياً داخل القطاع مقارنة بالسياحة الدولية.

تركت الأحداث والحرب التي مرت بها المنطقة عام 1967 أثراً مباشراً على السياحة الى الأردن، التي كانت الضفة الغربية في ذلك الوقت جزءاً منها. وشهد تراجعاً وانخفاضاً فورياً في حركة السياحة وانخفض معه الدخل السياحي.