أصدر رئيس الوزراء العراقي، علي الزيدي، توجيهات مباشرة وصارمة للجهات الرقابية والسلطات المختصة بإنفاذ القانون، للبدء فوراً في مراجعة وتحقيق شامل لكافة العقود التي أبرمتها الوزارات والمؤسسات الحكومية خلال فترة الحكومة السابقة برئاسة محمد شياع السوداني. وتهدف هذه الخطوة إلى التأكد من سلامة هذه العقود قانونياً ومدى مراعاتها للمصلحة العامة، تمهيداً لتشخيص أي تقصير أو إضرار متعمد بالمال العام.
وشدد الزيدي في توجيهاته على ضرورة كشف المستفيدين الحقيقيين من تلك العقود الذين حققوا مكاسب غير مشروعة على حساب الدولة، مطالباً برفع نتائج هذه التحقيقات إلى الجهات القضائية المختصة بأقصى سرعة ممكنة. وتأتي هذه التحركات في إطار سعي الحكومة الجديدة لترسيخ مبدأ المحاسبة وتقديم المتورطين في ملفات الفساد إلى العدالة دون استثناء.
من جانبها، استجابت هيئة النزاهة الاتحادية لهذه التوجيهات بإعلانها عن تأليف فرق عمل تخصصية رفيعة المستوى لتولي مهام التدقيق والتحقيق الميداني في بغداد والمحافظات كافة. وأكدت الهيئة أن هذه الفرق ستعمل تحت إشراف مباشر من رئاستها لضمان الشفافية والسرعة في مراجعة العقود الحكومية المهمة التي تحوم حولها شبهات فساد أو إجحاف بحق الدولة.
وفي سياق متصل بجهود مكافحة الفساد، أعلنت هيئة النزاهة عن نجاحها في إحباط واحدة من أكبر عمليات الاحتيال المالي في تاريخ البلاد، والتي كانت تستهدف الاستيلاء على تريليون ونصف تريليون دينار عراقي، ما يعادل أكثر من مليار دولار أمريكي. وأوضحت الهيئة أن العملية كانت تستهدف مصرفي الرافدين والرشيد الحكوميين من خلال مستندات وصكوك مزورة.
وتمكنت الفرق الرقابية من ضبط ثلاثة متهمين متلبسين وبحوزتهم سبعة صكوك مزورة، بالإضافة إلى أصل عقد بيع وديعة وهمي بقيمة 612 مليار دينار عراقي مسجل باسم أحد المتورطين. وأقرت المجموعة المعتقلة خلال التحقيقات الأولية بمحاولتها تمرير هذه المعاملات المالية الضخمة بصورة مخالفة للقوانين والأنظمة المصرفية المعمول بها.
وأشارت مصادر رقابية إلى أن التنسيق العالي مع إدارة مصرف الرافدين كان له الأثر الحاسم في كشف زيف الصكوك قبل صرفها، حيث تبين عدم وجود أرصدة أو حسابات حقيقية تغطي هذه المبالغ الفلكية. وقد تم تنظيم محضر ضبط أصولي وإحالة المتهمين إلى قاضي محكمة تحقيق الكرخ الثانية المختصة بقضايا النزاهة لاستكمال الإجراءات القانونية بحقهم.
وعلى الصعيد البرلماني، دخل المشرعون العراقيون على خط الأزمة، حيث كشف النائب محمد الخفاجي عن قائمة تضم 12 عقداً استثمارياً وصفها بأنها 'مستنقع للفساد'. وطالب الخفاجي الحكومة بتدقيق هذه العقود كدفعة أولى، مؤكداً أنها تسببت في ضياع تريليونات الدنانير على خزينة الدولة العراقية خلال السنوات الماضية.
وجهنا الجهات الرقابية بمباشرة الإجراءات التحقيقية في العقود السابقة للتحقق من مطابقتها للقوانين وحماية المال العام من الهدر.
وشملت العقود التي أشار إليها النائب ملفات حساسة تتعلق بفحص المركبات الإلكتروني، واستثمارات دوائر المرور والجوازات، بالإضافة إلى مشروع البطاقة الوطنية الذي وصفه بأنه يمثل خطراً أمنياً واقتصادياً. كما انتقد بشدة إدارة المستشفيات الحكومية وعقود المطورين العقاريين في محافظة كربلاء، معتبراً إياها وسيلة لسرقة أموال المواطنين والدولة.
ولم تقتصر اتهامات الفساد على قطاع واحد، بل امتدت لتشمل عقود شركة التأمين مع وزارة الداخلية، وتجهيز مفردات البطاقة التموينية بوزارة التجارة، ومنصة الغاز العائمة التابعة لوزارة الكهرباء. ويرى مراقبون أن هذه الملفات تمثل اختباراً حقيقياً لإرادة الحكومة الجديدة في تفكيك شبكات المصالح المرتبطة بشخصيات نافذة.
من جانبه، أصدر مصرف الرافدين بياناً ثمن فيه يقظة ملاكاته التي أسهمت في إحباط محاولة الاحتيال الكبرى، معتبراً أن هذا النجاح هو ثمرة لتطوير أنظمة الرقابة الداخلية والامتثال. وأكد المصرف أن اعتماد المنهجيات الحديثة في رصد مؤشرات الاشتباه مكنه من التعامل مع محاولة التزوير بسرعة ومهنية عالية قبل وقوع الكارثة المالية.
وأضاف المصرف أن التحديث المؤسسي المستمر أصبح الأداة الأكثر فاعلية لحماية أموال الدولة وحقوق المودعين، مشدداً على التزامه بمكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب. وأشار البيان إلى أن المتهمين تم استدراجهم وضبطهم بالجرم المشهود داخل أروقة الإدارة العامة للمصرف، مما يعكس قوة التنسيق مع الأجهزة القضائية والرقابية.
ويواجه العراق تحديات جسيمة في ملف مكافحة الفساد، حيث تصنفه المنظمات الدولية باستمرار ضمن الدول الأكثر تأثراً بهذه الآفة. وتظل معضلة استعادة الأموال المهربة إلى الخارج وملاحقة المطلوبين الفارين من أكبر العقبات التي تواجه القضاء العراقي، خاصة في ظل الحماية التي توفرها بعض القوى السياسية للمتورطين.
ويرى محللون سياسيون أن تحرك الزيدي لفتح ملفات سلفه قد يفتح الباب أمام صراعات سياسية محتدمة، لكنه في الوقت ذاته يبعث برسالة طمأنة للشارع العراقي والمجتمع الدولي. فالمطالب الشعبية تتركز منذ سنوات على ضرورة استرداد الأموال المنهوبة وتحسين الخدمات الأساسية التي تضررت بفعل صفقات الفساد المشبوهة.
وفي ختام الإجراءات الأولية، ينتظر الشارع العراقي ما ستسفر عنه تحقيقات فرق العمل التخصصية، وسط آمال بأن تؤدي هذه الحملة إلى تغيير حقيقي في بنية الإدارة الحكومية. وتظل الأنظار متجهة نحو القضاء العراقي ليرى مدى قدرته على حسم هذه القضايا الكبرى بعيداً عن الضغوطات السياسية التي طالما عرقلت مسار العدالة في البلاد.





שתף את דעתך
العراق: الزيدي يفتح ملفات عقود حكومة السوداني وإحباط سرقة مليار دولار من بنوك حكومية