كشف تحقيق استقصائي حديث أجرته منظمة تحليل الأمن (CIG) عن تفاصيل مثيرة تتعلق بالصراع في السودان، حيث أكد تورط شبكة من المرتزقة الكولومبيين في تقديم دعم عسكري حاسم لقوات الدعم السريع. وأشار التحقيق إلى أن هذا الدعم، الذي حظي برعاية إماراتية، كان العامل المرجح الذي مكن المليشيا من السيطرة على مدينة الفاشر الإستراتيجية في إقليم دارفور العام الماضي.
وأوضحت المنظمة في تقريرها أن سقوط مدينة الفاشر يمثل أحد أكثر الفصول دموية في الحرب السودانية المستمرة، مما تسبب في أزمة إنسانية وصفت بأنها الأسوأ عالمياً. وقد أسفرت المعارك هناك عن مقتل عشرات الآلاف من المدنيين، فضلاً عن موجات نزوح قسري طالت الملايين الذين فروا من جحيم القصف والحصار.
وذكر جاستن لينش، مدير المنظمة أن وحدة التحقيقات الجنائية تابعت بدقة الأدلة التي تشير إلى مساعدة عسكرية إماراتية واسعة النطاق لقوات الدعم السريع. وأكد لينش أن هذا البحث يعد الأول من نوعه الذي يثبت بشكل قاطع تورط أبو ظبي المباشر عبر توفير المرتزقة والتقنيات العسكرية المتقدمة للمليشيا السودانية.
وبحسب التحقيق، فإن المرتزقة المتخصصين في تشغيل الطائرات بدون طيار انتقلوا من قواعد عسكرية داخل دولة الإمارات العربية المتحدة وصولاً إلى الأراضي السودانية. ورصد التقرير تحركات هؤلاء العناصر قبيل الهجوم النهائي على الفاشر، مشيراً إلى أنهم لعبوا دوراً محورياً في توجيه الضربات الجوية والاستطلاع لصالح قوات محمد حمدان دقلو.
واعتمد التحقيق على تقنيات تتبع رقمية متطورة تستخدم عادة في الأغراض التجارية وتخصيص الإعلانات، حيث تم تعقب أكثر من 50 هاتفاً محمولاً تعود لمرتزقة كولومبيين داخل السودان. وغطت عملية التتبع الفترة ما بين أبريل 2025 ويناير من العام نفسه، وتركزت في المناطق التي انطلقت منها الطائرات المسيرة التابعة للدعم السريع.
كما استندت النتائج إلى تحليل دقيق لبيانات تتبع الرحلات الجوية وصور الأقمار الصناعية عالية الدقة، بالإضافة إلى مقاطع فيديو تم تداولها على منصات التواصل الاجتماعي. ودمج المحققون هذه البيانات مع مقالات أكاديمية وتقارير ميدانية لتعزيز موثوقية الأدلة التي تربط المرتزقة بالعمليات العسكرية على الأرض.
وكشفت البيانات الرقمية عن مسار انتقال المرتزقة من كولومبيا إلى مطار زايد الدولي في أبو ظبي، ومن ثم إلى منشأة تدريب عسكرية إماراتية تقع في منطقة 'غياثي'. وأظهرت الهواتف التي تم تتبعها أنها كانت مهيأة باللغة الإسبانية، وهي اللغة الرسمية في كولومبيا، مما يؤكد هوية مستخدميها القادمين من أمريكا اللاتينية.
لم يكن حجم الفظائع والحصار في الفاشر ليحدث لولا عمليات الطائرات بدون طيار التي قدمها المرتزقة الكولومبيون.
ورصد التحقيق انتقال اثنين من تلك الهواتف إلى ولاية جنوب دارفور، وتحديداً إلى مدينة نيالا التي تعتبر العاصمة الفعلية لعمليات قوات الدعم السريع. وهناك، قام المستخدمون بتسجيل الدخول إلى شبكات واي فاي محلية حملت أسماء إسبانية صريحة مثل 'ANTIAEREO' و'AirDefense'، في إشارة واضحة لمهام الدفاع الجوي.
وتعتبر مدينة نيالا، وفقاً للتقرير، المركز الرئيسي لإدارة عمليات طائرات 'الدرون' التي يشغلها الكولومبيون لصالح المليشيا، حيث تم تحديد أكثر من 40 جهازاً ناطقاً بالإسبانية في تلك المنطقة. وتزامن هذا النشاط المكثف مع تصعيد العمليات العسكرية التي استهدفت المواقع الحكومية والمدنية في إقليم دارفور.
وفي حالة أخرى موثقة، تتبع المحققون هاتفاً انتقل من كولومبيا إلى نيالا ثم استقر في الفاشر خلال فترة الحصار التي استمرت 18 شهراً وانتهت بسقوط المدينة في أكتوبر الماضي. واتصل الجهاز في الفاشر بشبكة واي فاي أطلق عليها اسم 'Atacador'، وتعني المهاجم بالإسبانية، مما يربط المرتزقة مباشرة بالهجوم النهائي.
ورافق سقوط الفاشر ارتكاب فظائع جماعية وصفتها المحكمة الجنائية الدولية بأنها ترقى لجرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية. كما حذر محققو الأمم المتحدة من أن الانتهاكات التي وقعت في المدينة تحمل سمات واضحة لعمليات إبادة جماعية استهدفت مكونات عرقية محددة في الإقليم المضطرب.
وحملت منظمة (CIG) شبكة المرتزقة الإماراتية الكولومبية مسؤولية مشتركة عن هذه النتائج الكارثية، مؤكدة أن الحصار والفظائع لم تكن لتصل إلى هذا المستوى لولا الدعم التقني. وأشار لينش إلى أن المرتزقة ساهموا بشكل فعال في إطباق الحصار وتدمير خطوط الإمداد عن طريق القصف الجوي الدقيق بالمسيرات.
وعمل هؤلاء المرتزقة ضمن تشكيل عسكري أطلق عليه اسم 'لواء ذئاب الصحراء'، حيث تولوا مهاماً متنوعة شملت تدريب عناصر الدعم السريع وإدارة سلاح المدفعية. ويبرز هذا التعاون العابر للحدود حجم التعقيد في الأزمة السودانية وتحولها إلى ساحة لتصفية الحسابات الإقليمية باستخدام شركات أمنية خاصة.
من جانبه، كان الرئيس الكولومبي غوستافو بيترو قد وصف هؤلاء المرتزقة في تصريحات سابقة بـ 'أشباح الموت'، معتبراً أن تجنيدهم للقتال في حروب خارجية يمثل شكلاً من أشكال الاتجار بالبشر. وفي المقابل، تواصل الإمارات نفي هذه الاتهامات، مؤكدة التزامها بالحلول السلمية ورفضها للادعاءات التي تربطها بدعم أطراف النزاع في السودان.





שתף את דעתך
تحقيق دولي يكشف دور مرتزقة كولومبيين بدعم إماراتي في سقوط الفاشر السودانية