ד 22 אפר 2026 6:05 pm - שעון ירושלים

هندسة الحسم المؤجل: كيف تدار الحروب لمنع نهايتها؟

تطرح القراءات الاستراتيجية الحديثة تساؤلاً جوهرياً حول طبيعة الحروب المعاصرة التي لا تنتهي، حيث يبرز مفهوم 'الحسم المؤجل' كإطار لتفسير النزاعات التي تدخل طوراً بنيوياً يجعل استمرارها أكثر قابلية للإدارة من إنهائها. وفي هذه الحالة، لا يعود غياب الحسم مجرد نتيجة لعجز عسكري متبادل بين الأطراف المتصارعة، بل يتحول إلى وضعية استراتيجية يُعاد إنتاجها عمداً لحماية مصالح القوى الفاعلة.

يعرف 'الحسم المؤجل' بأنه حالة من الصراع المسلح النشط الذي يتم الحفاظ عليه ضمن نطاق ترددي محدد، بحيث تتدخل قوى خارجية لترميم جبهة الطرف الأضعف كلما اقترب من الانهيار الشامل. وتختلف هذه الحالة عن حرب الاستنزاف التقليدية أو الصراعات المجمدة، كونها تعتمد على مصلحة كامنة في إبقاء النيران مشتعلة دون السماح لها بتجاوز خطوط حمراء معينة.

تعتمد هندسة اللاحسم على آليات دقيقة تشبه صمامات الأمان، ومن أبرزها ضبط الإمداد العسكري الانتقائي الذي يضمن صمود الأطراف دون منحهم الكتلة الحرجة اللازمة لتحقيق نصر ناجز. كما تشمل هذه الآليات التدخل السياسي أو العسكري المباشر لترميم التوازن كلما مال لصالح طرف بصورة تهدد بإنهاء الحرب بشكل أحادي، مما يطيل أمد النزاع لعقود.

يتجاوز أثر هذه الهندسة الميدان العسكري ليصل إلى البنية الاجتماعية والسياسية للدول، حيث يتم استغلال استطالة أمد الحرب لخلق ما يمكن تسميته بفراغ المساءلة. ويبرر هذا الوضع الفشل التنموي المستمر وتعطيل القوانين والحقوق الأساسية بدعوى حالة الطوارئ المستدامة، مما يحول المجتمع من ضحية للنزاع إلى جزء من ماكينته الاقتصادية والسياسية.

تعد الحرب العراقية الإيرانية (1980-1988) النموذج التأسيسي لهذا المفهوم، خاصة بعد عام 1982 حين رُفع سقف الأهداف السياسية ليُعاد تدوير النزاع بقرار إرادي من القوى الدولية. وقد تجلت الهندسة آنذاك في منع انهيار أي من الطرفين عبر تزويد الجبهات بالمعلومات الاستخباراتية والتمويل كلما اقترب أحد القطبين من الحسم، مما حول العراق تحديداً إلى حالة ارتهان دائم.

في العصر الحديث، يبرز المختبر السوري كأوضح تجلي لسياسة الحسم المؤجل، حيث تم ضبط الصراع بدقة لضمان عدم سقوط النظام وفي الوقت ذاته منع انتصار المعارضة المسلحة. وقد أدى هذا التوازن المصطنع إلى تحويل الجغرافيا السورية إلى مناطق نفوذ مستقرة تتقاسمها القوى الإقليمية والدولية، مما خلق بيئة مثالية لنشوء طبقات مستفيدة من استمرار الوضع القائم.

نشأت في ظل هذه النزاعات الطويلة نخب أمنية ومالية جديدة تُعرف بـ'أثرياء الحرب'، والتي أصبحت الحرب بالنسبة لها هي البيئة الحيوية الوحيدة للاستمرار والنمو. بالنسبة لهذه الفئات، يمثل السلام أو الحسم العسكري تهديداً وجودياً لمصالحها، مما يدفعها للمساهمة في إعادة إنتاج مسببات الصراع كلما لاحت في الأفق بوادر تسوية سياسية شاملة.

يرد المحللون على القائلين بأن طول الحروب ناتج عن عجز تقني أو عسكري صرف، بالإشارة إلى عمليات إعادة التأهيل المتعمدة للأطراف المنهكة. فلو كان الأمر عجزاً طبيعياً لرأينا انهيارات تدريجية ونهائية، لكن الواقع يثبت وجود تدخلات خارجية لضخ الدماء في عروق الأطراف المتراجعة لضمان استمرار حالة التوازن السلبي في الميدان.

إن تلاقي مصالح الفاعلين المتعددين، وإن لم يكن باتفاق مسبق، يؤدي وظيفياً إلى استدامة النزاع، حيث تتقاطع أهداف القوى الكبرى في منع ظهور قوة إقليمية مهيمنة. هذا التلاقي يخلق حالة من 'تسييس الإخفاق'، حيث يصبح الفشل في تحقيق النصر أداة سياسية بحد ذاتها للسيطرة على الأطراف المحلية وإبقائها في حالة احتياج دائم للدعم الخارجي.

تؤدي هذه الوضعية إلى تحويل المجتمعات إلى رهائن للاستقرار الهش، حيث تُقايض الشعوب بحقوقها الأساسية مقابل البقاء بعيداً عن جحيم الانهيار الشامل. ويصبح القتال في هذه الحالة 'خياراً آمناً' للنظم السياسية التي تخشى استحقاقات السلام وما يتبعها من مطالب بالإصلاح السياسي والاقتصادي والمساءلة عن سنوات الدمار.

في الحالة السورية، تحولت الجغرافيا إلى مربعات أمنية ونفوذ دولي، حيث يبدو أن الجميع قد تكيف مع وضعية 'لا حرب ولا سلم' التي تضمن بقاء المصالح الاستراتيجية لكل طرف. هذا التكيف يعزز من فكرة أن اللاحسم هو الهدف النهائي بحد ذاته، وليس مجرد مرحلة انتقالية نحو حل سياسي شامل كما يُروج في المحافل الدولية.

إن الخطورة الحقيقية في استراتيجية الحسم المؤجل تكمن في جعل حالة اللاحسم تبدو طبيعية ومقبولة مع مرور الزمن، مما يقتل الأمل في التغيير الجذري. ويتحول السؤال من البحث عن سبل إنهاء الحرب إلى البحث عن سبل التعايش معها، وهو ما يخدم القوى التي تخشى أن يؤدي السلام إلى زعزعة توازنات القوة القائمة.

تشير الورقة التحليلية إلى أن السلام في كثير من الأحيان قد يكون أكثر خطورة على مصالح الكبار من استمرار الاستنزاف، خاصة إذا كان هذا السلام سيؤدي إلى استقلال القرار الوطني. لذا، تظل هندسة الحسم المؤجل هي الأداة المفضلة لإدارة الأزمات في المناطق الحيوية من العالم، لضمان بقاء هذه المناطق تحت السيطرة والارتهان المستمر.

ختاماً، يبقى مفهوم الحسم المؤجل مفتاحاً لفهم لماذا تستمر الحروب في الشرق الأوسط لفترات تتجاوز المنطق العسكري التقليدي. إنها عملية هندسية معقدة تهدف إلى إدارة الفراغ ومنع التغيير الحقيقي، مما يجعل من فهم هذه الآليات ضرورة ملحة لأي محاولة جادة لكسر حلقة الصراعات اللامتناهية في المنطقة.

תגים

שתף את דעתך

هندسة الحسم المؤجل: كيف تدار الحروب لمنع نهايتها؟

ניוזלטר

היה הראשון לדעת את החדשות החשובות ברגע שהן קורות.

הישאר מעודכן בחדשות האחרונות. הירשם לשירות החדשות הדחופות שמגיע לתיבת הדוא"ל שלך מדי יום.

בהרשמה, אתה מסכים לתנאי השימוש ולמדיניות פרטיות.