تشهد الأراضي الزراعية الخصبة في المملكة المغربية تحولاً جذرياً في هوية قواها العاملة، حيث باتت الشاحنات التي تنقل المهاجرين من دول أفريقيا جنوب الصحراء مشهداً مألوفاً بمحاذاة الصوبات البلاستيكية. هؤلاء العمال، الذين جاء أغلبهم من دول غرب أفريقيا الناطقة بالفرنسية، وجدوا في المزارع المغربية ملاذاً مؤقتاً أو دائماً بعد أن كانت خططهم الأصلية تقتصر على العبور نحو القارة الأوروبية.
ويعكس هذا التوجه الجديد الدور المتغير للمغرب في خارطة الهجرة الدولية، إذ لم تعد المملكة مجرد محطة ترانزيت، بل تحولت إلى وجهة نهائية للكثيرين. وتساهم فرص العمل المتاحة في القطاع الزراعي، بالتزامن مع تشديد الرقابة الحدودية، في استقرار هؤلاء المهاجرين وانخراطهم في الدورة الاقتصادية المحلية، خاصة في ظل النقص الحاد في الأيدي العاملة الوطنية.
وتبرز منطقة سوس ماسة، وتحديداً سهول اشتوكة جنوب مدينة أغادير، كمركز ثقل لهذا التحول، حيث تضم أكثر من 24 ألف هكتار من الصوبات الزراعية. وتنتج هذه المنطقة ما يزيد عن أربعة أخماس صادرات المغرب من الفواكه والخضروات التي تغذي الأسواق الأوروبية والأفريقية، مما ساهم في رفع قيمة الصادرات الزراعية إلى 4.5 مليار دولار خلال العام المنصرم.
ويروي مهاجرون، مثل الشاب عبد الفتاح أليو القادم من توغو، كيف انتهى بهم المطاف في بلدة آيت عميرة الريفية بحثاً عن لقمة العيش بعد محاولات فاشلة للوصول إلى الجيوب الإسبانية شمالاً. ويؤكد أليو أن العمل في مزارع الطماطم يمنحه كرامة تغنيه عن التسول في الشوارع، رغم الصعوبات المعيشية التي يواجهها في توفير احتياجاته الأساسية.
ويعزو مسؤولون ومزارعون هذا النقص في العمالة المحلية إلى تغيرات هيكلية في المجتمع المغربي، حيث أدت سنوات الجفاف المتتالية إلى نزوح جماعي للشباب من القرى نحو المدن الكبرى. وينجذب الشباب المغربي بشكل متزايد إلى قطاعي البناء والخدمات التي توفر فرصاً مهنية بعيدة عن مشقة العمل الزراعي التقليدي الذي فقد ملايين الوظائف خلال العقدين الماضيين.
وتشير الإحصاءات الرسمية إلى تراجع حاد في نسبة المغاربة المشتغلين بالزراعة، حيث انخفضت من 50% قبل عشرين عاماً إلى نحو 25% فقط في الوقت الراهن. هذا التراجع دفع المزارعين للبحث عن بدائل لضمان استمرارية الإنتاج، خاصة في المحاصيل التي تتطلب عناية يدوية مكثفة مثل التوت الأزرق والفراولة الموجهة للتصدير.
وفي ظل هذه المعادلة، يبرز التفاوت في الأجور كأحد العوامل المؤثرة، حيث يفضل العمال المغاربة الباقون في القطاع نظام 'العمل بالقطعة' الذي قد يرفع دخلهم اليومي إلى 500 درهم. وفي المقابل، يتقاضى المهاجرون أجوراً أقل بكثير، مما يجعلهم خياراً اقتصادياً حيوياً للمزارع التي تكافح للحفاظ على تنافسيتها في الأسواق الدولية.
لولا العمالة القادمة من دول جنوب الصحراء الكبرى، لاضطر عدد كبير من المزارع المغربية إلى الإغلاق أو خفض الإنتاج بشكل حاد.
وحذر رشيد بنعلي، رئيس الكونفدرالية المغربية للفلاحة والتنمية القروية، من أن المغرب فقد ميزة 'العمالة الرخيصة' التي كان يتمتع بها سابقاً. وأوضح أن النقص الهيكلي في العمالة المؤهلة وغير المؤهلة بات يهدد القدرة التنافسية للقطاع الزراعي، مشيراً إلى صعوبة إعادة المهاجرين الداخليين إلى الريف بمجرد اعتيادهم على نمط الحياة الحضرية.
من جانبه، دعا عبد العزيز المعناوي، رئيس جمعية اشتوكة للمنتجين الفلاحيين، إلى تسهيل الإجراءات القانونية لتوظيف المهاجرين بشكل رسمي لضمان استقرار القطاع. وأكد أن العديد من المزارع كانت ستواجه خطر الإغلاق المحتم لولا التدفق المستمر للعمالة من دول جنوب الصحراء التي سدت الفراغ الذي تركه الشباب المغربي.
وتتزامن هذه الأزمة مع ضغوط ديموغرافية واقتصادية إضافية، حيث انخفض معدل الخصوبة في المغرب إلى مستويات تثير القلق بشأن مستقبل القوى العاملة. ومع اقتراب موعد استضافة كأس العالم 2030، من المتوقع أن تبتلع مشاريع البنية التحتية الضخمة المزيد من العمالة الريفية نحو ورش البناء في المدن المستضيفة.
وتشير التقديرات إلى أن المغرب سيضخ نحو 190 مليار درهم في مشاريع الطرق والملاعب والمطارات خلال السنوات الأربع المقبلة، وهو ما يمثل 12% من الناتج المحلي الإجمالي. هذا الإنفاق الضخم سيعزز من وتيرة الهجرة الداخلية، مما يجعل الاعتماد على المهاجرين الأجانب في الزراعة ضرورة استراتيجية لا مفر منها.
وفي بلدة آيت عميرة، التي تضاعف سكانها أربع مرات ليصل إلى 113 ألف نسمة، يظهر أثر هذا التحول بوضوح في الأحياء التي يقطنها المهاجرون. هناك، يتجمع العمال عند الفجر في ساحات تعرف بـ 'الموقف' بانتظار شاحنات المزارع، في مشهد يجسد الاندماج التدريجي لهؤلاء الوافدين في النسيج الاجتماعي والاقتصادي للمنطقة.
ويقدم السنغالي أليون ديالو نموذجاً للاستقرار، حيث يعمل في المزارع المغربية منذ عام 2008، وباتت ابنته تتحدث الأمازيغية والعربية بطلاقة في المدارس المحلية. وبالنسبة لديالو، لم يعد المغرب مجرد محطة في طريق الهجرة، بل أصبح وطناً بديلاً يوفر له ولأسرته سبل العيش والاستقرار بعيداً عن مخاطر ركوب البحر نحو أوروبا.
ورغم قصص الاستقرار، لا يزال البعض يرى في العمل الزراعي وسيلة لجمع المال اللازم لإتمام رحلة الهجرة نحو الشمال في المستقبل. فبينما يخطط البعض للبقاء، يظل حلم 'الفردوس الأوروبي' يراود آخرين ممن يدخرون من أجورهم الزهيدة لشراء معدات السفر وتأمين تواصلهم مع عائلاتهم في بلدانهم الأصلية.





שתף את דעתך
مزارع المغرب تستعين بمهاجري غرب أفريقيا لمواجهة أزمة نقص العمالة الريفية