ו 17 אפר 2026 8:52 am - שעון ירושלים

سجن التسميات: “تجربة روزنهان”

في خريف عام 1969، وقف رجلٌ في مقتبل العمر أمام مكتب الاستقبال في إحدى مستشفيات الأمراض النفسية الأمريكية. كان يبدو هادئاً، لكنه ادعى أمراً واحداً غريباً: “أسمع أصواتاً خافتة تقول: فارغ، أجوف، طنين”. في غضون دقائق، فُتحت له الأبواب، وأُلبس ثياب المرضى، وأُغلق عليه الباب.


لم يكن هذا الرجل مريضاً قط. كان عالم النفس في جامعة ستانفورد، ديفيد روزنهان، الذي قرر مع سبعة من زملائه الأصحاء التسلل إلى 12 مصحة نفسية لاختبار قدرة الأطباء على التمييز بين العقل والجنون . بمجرد دخولهم، توقفوا تماماً عن ادعاء أي أعراض، وتصرفوا بطبيعتهم المعتادة. لكن المفاجأة الصادمة كانت أن أحداً من الطاقم الطبي لم يكتشف زيفهم. بل إن كل تصرف طبيعي قاموا به — كتدوين الملاحظات أو الشعور بالملل — فُسّر على أنه عرضٌ من أعراض “الفصام”


لقد تحولت “التسمية” (Label) التي أُطلقت عليهم في يومهم الأول إلى عدسةٍ مشوهة، لم يعد الأطباء يرونهم إلا من خلالها.


هذه التجربة، التي عُرفت لاحقاً بـ “أن تكون عاقلاً في أماكن المجانين”، زلزلت أركان الطب النفسي لكن، لطالما توقفت أمام هذه التجربة متسائلة: ألا نمارس نحن — في بيوتنا ومدارسنا ومؤسساتنا التربوية — “تجربة روزنهان” كل يوم دون أن نشعر؟


في عالم التربية والتعليم، نقع كثيراً في فخ “التصنيف” أو ما يُعرف في علم الاجتماع التربوي بـ “نظرية الوسم” (Labeling Theory) التي صاغها هوارد بيكر .نحن نصنف أبناءنا وطلابنا منذ نعومة أظفارهم هذا “ذكي” وذاك “بطيء التعلم”، هذا “مشاغب”، وتلك “خجولة”.


تماماً كما حدث مع روزنهان، بمجرد أن نُلصق بطاقةً على جبين طفل، فإننا نغير الطريقة التي نراه بها، والأسوأ من ذلك، نغير الطريقة التي يرى بها نفسه. الطالب الذي يُصنف مبكراً بأنه “ضعيف التحصيل”، ستُفسر كل عثرة له على أنها تأكيد لغبائه، ولن يُنظر إلى نجاحه العابر إلا كضربة حظ. وفي المقابل، الطالب “المتفوق” ستُغتفر زلاته وتُبرر.


هذا ما أثبته العالمان روزنثال وجاكوبسون في دراستهما الشهيرة حول “تأثير بيغماليون” (Pygmalion Effect) أو النبوءة ذاتية التحقق فقد أخبرا معلمين بأن مجموعة عشوائية من الطلاب هم “عباقرة واعدون”. النتيجة؟ في نهاية العام، ارتفع معدل ذكاء هؤلاء الطلاب فعلياً، ليس لأنهم كانوا أذكى، بل لأن توقعات المعلمين العالية منحتهم اهتماماً ودعماً استثنائيين .


تجربة روزنهان هي مرآة عميقة تكشف كيف تُشكّل المؤسسات إدراكنا للواقع، وكيف يمكن لـ “التسمية” أن تتحول إلى سجن لا مرئي يحبس صاحبه حتى بعد زوال السبب الذي أوجدها.


في الإدارة التربوية، نتعلم أن المدرسة ليست مجرد جدران ومناهج؛ إنها “مؤسسة” تمتلك سلطة خفية. الفيلسوف ميشيل فوكو أشار إلى أن المؤسسات (كالسجون والمصحات والمدارس) تستخدم “التصنيف” كأداة للضبط والسيطرة . عندما تقوم الإدارة المدرسية بفرز الطلاب في فصول حسب مستوياتهم الأكاديمية (Tracking)، فهي لا تسهل عملية التدريس فحسب، بل تخلق هرمية اجتماعية ونفسية قاسية.


المدير التربوي الناجح هو الذي يدرك خطورة هذه “السلطة المؤسسية”. الإدارة التربوية الحديثة لا تبحث عن قوالب جاهزة تضع فيها الطلاب والمعلمين، بل تسعى لخلق “ثقافة مدرسية” (School Culture) مرنة، تؤمن بأن الإنسان كائن متطور، لا يمكن اختزاله في درجة امتحان أو تقرير سلوكي .


في ثقافتنا العربية، للكلمة وزنٌ ثقيل. التنشئة الأسرية غالباً ما تعتمد على ألقاب نطلقها بعفوية على أبنائنا في التجمعات العائلية. نطلق على أحدهم “العنيد” وعلى الآخر “الكسول”. هذه الألقاب العائلية تتسرب إلى وعي الطفل، وتصبح هويته التي يدافع عنها، حتى وإن كانت سلبية.


إننا بحاجة إلى ثورة في وعينا التربوي. يجب أن نتعلم كيف نفصل بين “السلوك” و”الهوية”. إذا أخطأ الطفل، فالسلوك هو الخاطئ، وليس الطفل هو “السيئ”. تماماً كما كان مرضى روزنهان المزيفون أسوياء يمرون بظروف استثنائية، فإن طلابنا وأبناءنا يمرون بلحظات ضعف أو تشتت لا ينبغي أن تُتخذ كحكم نهائي على مستقبلهم.


رسالتي لكل معلم، ومدير مدرسة، وأب، وأم: احذروا من الكلمات التي تطلقونها، ومن التصنيفات التي تعتمدونها. لا تجعلوا من فصولكم وبيوتكم “أماكن للمجانين” يُحكم فيها على العاقل بالجنون لمجرد أنه لم يوافق القالب.


دعونا نمزق تلك البطاقات اللاصقة، وننظر إلى أبنائنا وطلابنا بعيون متجددة كل صباح. فالإنسان، بطبيعته، أكبر من أي تصنيف، وأرحب من أي تسمية.

תגים

שתף את דעתך

سجن التسميات: “تجربة روزنهان”

ניוזלטר

היה הראשון לדעת את החדשות החשובות ברגע שהן קורות.

הישאר מעודכן בחדשות האחרונות. הירשם לשירות החדשות הדחופות שמגיע לתיבת הדוא"ל שלך מדי יום.

בהרשמה, אתה מסכים לתנאי השימוש ולמדיניות פרטיות.