تشهد أروقة الجمعية الوطنية الفرنسية حالة من الانقسام الحاد تزامناً مع مناقشة مشروع قانون يهدف إلى تنظيم إعادة الممتلكات الثقافية إلى دولها الأصلية. وتتركز الخلافات بشكل جوهري حول قطع أثرية جزائرية ذات رمزية تاريخية كبرى، وفي مقدمتها مدفع 'بابا مرزوق' الشهير وسيوف تعود للأمير عبد القادر، حيث تطالب الجزائر باستعادتها كجزء من تسوية ملف الذاكرة.
وافتتحت وزيرة الثقافة الفرنسية، كاترين بيغار، الجلسة بالتأكيد على أن هذا المشروع التشريعي يمثل ضرورة أخلاقية وسياسية لتصحيح أخطاء الماضي. وأوضحت أن المبادرة تأتي تنفيذاً لالتزامات باريس بفتح صفحة جديدة مع الدول الإفريقية، خاصة تلك التي حُرمت من تراثها نتيجة عمليات استيلاء غير مشروعة خلال الفترات الاستعمارية.
في المقابل، قادت النائبة فلورانس جوبير، ممثلة حزب 'التجمع الوطني' اليميني المتطرف، جبهة الرفض القاطع لتسليم هذه المقتنيات. واعتبرت جوبير أن مدفع 'بابا مرزوق' الذي نُقل إلى فرنسا عام 1830 يمثل 'غنيمة حرب' سُفكت من أجلها دماء الجنود الفرنسيين، مشددة على أن هذه القطع أصبحت جزءاً لا يتجزأ من التاريخ العسكري لفرنسا.
من جهته، قدم النائب الاشتراكي بيار بريبيتِش رؤية مغايرة تحاول تفكيك الحجج القانونية لليمين، مشيراً إلى أن الوضع الحالي للمدفع يخرجه من التصنيف العسكري الصرف. وأوضح بريبيتِش أن إضافة 'الديك الفرنسي' فوق فوهة المدفع وتحويله إلى نصب تذكاري في مدينة بريست قد منحه صبغة ثقافية ورمزية تتجاوز وظيفته القتالية القديمة.
ودخلت النائبة فتيحة كلوة حاشي، ذات الأصول الجزائرية، على خط المواجهة للدفاع عن حق الجزائر في استعادة سيوف الأمير عبد القادر. وفندت حاشي ادعاءات الطابع العسكري لهذه السيوف، مؤكدة أنها صُنعت في فرنسا وقُدمت كهدية للأمير قبل أن يتم نهبها لاحقاً، وهي اليوم تُعرض خلف واجهات زجاجية في المتاحف كقطع فنية.
واستندت القوى السياسية المؤيدة للمشروع إلى توصيات اللجنة المشتركة للذاكرة التي تضم مؤرخين بارزين من البلدين، والذين دعوا صراحة إلى إعادة هذه المقتنيات لتهدئة العلاقات الثنائية. إلا أن نواب اليمين المتطرف سخروا من هذه المرجعية التاريخية، مما يعكس عمق الفجوة الأيديولوجية في التعامل مع ملف الاستعمار الفرنسي في شمال إفريقيا.
ويهدف مشروع القانون الجديد إلى وضع إطار قانوني دائم يسمح بإخراج الممتلكات الثقافية من الملكية العمومية الفرنسية في حالات محددة. ويشترط النص المقترح أن يكون الاستيلاء قد تم بين عامي 1815 و1972، وأن يثبت وقوع عمليات نهب أو مصادرة قسرية خلال تلك الحقبة، مما يفتح الباب قانونياً أمام المطالب الجزائرية.
بعض القطع المطالب بها هي غنائم حرب تم الحصول عليها بدماء الجنود الفرنسيين، وهي شواهد على التاريخ الفرنسي ولا يُفترض أن تُعاد.
ويعد مدفع 'بابا مرزوق' من أهم القطع التي تصر الجزائر على استرجاعها، نظراً لمكانته التاريخية كأحد أقوى المدافع التي حمت سواحل العاصمة في العهد العثماني. ومنذ استيلاء القوات الفرنسية عليه ونقله إلى ميناء بريست، ظل المدفع يمثل جرحاً في الذاكرة الوطنية الجزائرية ورمزاً لعمليات النهب التي طالت مقدرات البلاد.
وإلى جانب المدفع، يتضمن الملف الجزائري قائمة طويلة من المقتنيات الشخصية للأمير عبد القادر، بما في ذلك برنسه الخاص وأسلحة ووثائق تاريخية نادرة. وتتوزع هذه القطع حالياً بين متحف الجيش في باريس وعدة مؤسسات ثقافية فرنسية أخرى، حيث تعتبرها الجزائر جزءاً أصيلاً من هويتها الوطنية التي لا تقبل التفاوض.
كما تبرز قضية الأرشيف والمخطوطات كأحد المحاور الأساسية في هذا الجدال البرلماني المستمر، حيث تطالب الجزائر باستعادة وثائق تاريخية هامة هُربت خلال القرن التاسع عشر. ويرى مراقبون أن إقرار هذا القانون سيمثل تحولاً جذرياً في السياسة الفرنسية تجاه مستعمراتها السابقة، رغم المقاومة الشرسة من التيارات القومية.
وأكدت مصادر برلمانية أن اللجنة العلمية المقترح إنشاؤها ستكون هي الفيصل في تحديد طبيعة كل قطعة أثرية على حدة. ويهدف هذا الإجراء إلى تجنب التعميم وضمان أن تتم عمليات الإعادة بناءً على أبحاث تاريخية وقانونية دقيقة تثبت عدم شرعية الحيازة الفرنسية لهذه الممتلكات منذ البداية.
وتأتي هذه التحركات التشريعية في وقت تحاول فيه باريس والجزائر تجاوز أزمات دبلوماسية متكررة مرتبطة بملفات الذاكرة. ويرى الجانب الجزائري أن استعادة الرفات والمقتنيات التاريخية هي خطوة لا غنى عنها لتحقيق مصالحة حقيقية وشاملة، بعيداً عن المناورات السياسية الداخلية في فرنسا.
وفي ظل هذا الصراع، يبقى مصير مئات القطع الأثرية معلقاً بانتظار التصويت النهائي على مشروع القانون في الجمعية الوطنية. وإذا ما تم اعتماده، فإنه سيشكل سابقة قانونية تتيح لدول أخرى في القارة الإفريقية المطالبة بتراثها الموزع في المتاحف الأوروبية، مما يغير خارطة التراث العالمي.
ختاماً، يظل الجدل حول 'بابا مرزوق' وسيوف الأمير عبد القادر مرآة تعكس عدم قدرة النخبة السياسية الفرنسية على الاتفاق حول قراءة موحدة للتاريخ الاستعماري. فبينما يرى البعض في الإعادة فعلاً من أفعال العدالة التاريخية، يراه اليمين المتطرف تنازلاً عن 'أمجاد' وطنية يرفضون الاعتراف بكونها نتاج حقبة من القهر.





שתף את דעתך
انقسام في البرلمان الفرنسي حول إعادة 'مدفع بابا مرزوق' ومقتنيات الأمير عبد القادر للجزائر