يدخل العالم اليوم في حالة من الهدنة الهشة التي لا يمكن التنبؤ بمدى صمودها أمام رغبة المعتدين في نقضها. وفي هذا السياق، يبرز المفاوض الإيراني كلاعب يمتلك بأساً لا يقل عن المحارب في الميدان، حيث يسعى لتحقيق مكاسب ديبلوماسية قد تتجاوز ما تفرضه لغة السلاح، مما يضع المنطقة أمام تساؤلات كبرى حول شكل السلام المنشود.
إن تأجيل الحديث عن النصر والهزيمة يمنحنا فرصة للتأمل في الدروس التاريخية والسياسية التي ألقتها هذه الحرب على قارعة الطريق. فهذه المواجهة ليست مجرد حدث عابر، بل هي مادة دسمة للتحليل تقدم ألف درس لمن يرغب في فهم تعقيدات الصراع الوجودي في قلب الشرق الأوسط.
تظل البديهية الأولى التي يتفق عليها العقل العربي هي أنه لا استقرار ولا تنمية ولا أمل في غد مشرق بوجود الكيان الصهيوني مغروساً في جسد المنطقة. ومع ذلك، فإن هذا الاتفاق في التحليل لم يترجم حتى الآن إلى موقف سياسي أو عسكري موحد، مما يعكس فجوة عميقة بين تطلعات الشعوب وقرارات الأنظمة.
لقد كشفت الأحداث أن الكيان لم يشن حربه الحالية وليد الصدفة، بل هي نتاج تخطيط استمر لأكثر من أربعين عاماً. ورغم الإجماع الشعبي العربي والإسلامي، وجدت غزة نفسها تحارب وحيدة، وتبعتها جبهات أخرى في لبنان وإيران، في ظل غياب استراتيجية دفاعية مشتركة تواجه هذا التمدد العدواني.
من أبرز دروس هذه المرحلة هو انكسار هيبة الكيان وظهور هوانه أمام ضربات المقاومة، وهو ما يفتح الباب للتساؤل عن الموقف العربي الضائع. فلو ناصر العرب والمسلمون القوى المقاومة بصدق، لكان المشهد التاريخي قد تغير بالكامل ولتحققت نبوءات الخلاص بشكل أسرع.
لقد أثبتت المواجهات أن القوة الصهيو-أمريكية قابلة للهزيمة والاندحار، تماماً كما حدث في تجارب تاريخية سابقة. المعتدي الذي يمتلك أحدث الترسانات العسكرية أظهر جبناً واضحاً في المواجهات المباشرة، وبدأ حلفاؤه التقليديون في مراجعة حساباتهم بعد أن وجدوا أنفسهم بلا سند حقيقي.
المشهد الدولي يشهد تشكلاً جديداً، حيث بدأت تظهر قوى دولية لا تخشى نقد السياسات الأمريكية بل تسعى للتعاون ضد هيمنتها. هذا التحول يمنح الباحثين عن أحلاف جديدة منافذ للقوة والسلاح، بعيداً عن التبعية المطلقة التي فرضتها العقود الماضية.
الكيان الصهيوني قادر بغيره عاجز بنفسه، وقد أثبتت حرب الطوفان أن سلاحه أقل من عدوانيته وجيشه أجبن من مواجهة رجل لرجل.
الداخل الأمريكي نفسه لم يعد كما كان، حيث بدأ دافع الضرائب يدرك أن مصالحه ليست بالضرورة مرتبطة ببقاء الكيان الصهيوني. الأصوات التي تتعالى داخل الولايات المتحدة ترفض الموت من أجل طبقة سياسية فاسدة، مما يضعف الركيزة الأساسية التي يعتمد عليها الاحتلال في استمراره.
سقطت حجة الأنظمة التي كانت تبرر تقاعسها بالرأفة بشعوبها من ويلات الحرب، فقد أثبتت الشعوب استعدادها لدفع أثمان باهظة من أرواحها في سبيل الحرية. الانكشاف الشعبي والميداني أكد أن إرادة الانعتاق أقوى من حسابات الخبز اليومي التي حاولت السلطات الاختباء خلفها.
القناعة التي ترسخت في 'طوفان الأقصى' هي أن هذا الكيان قادر بغيره وعاجز بنفسه، فجيشه يفتقر للشجاعة في حروب المواجهة المباشرة. هذه الحقيقة تجعل من التهديدات المستمرة تجاه دول مثل سوريا ومصر وتركيا مجرد محاولات لتصدير الأزمات الداخلية والهروب من واقع الضعف العسكري.
الضفة الغربية تتعرض اليوم لعملية احتلال صامت عبر القضم اليومي للأراضي، وهو خطر يمتد ليشمل الأردن الذي قد يجد نفسه في دائرة الاستهداف قريباً. الكيان بطبيعته لا يمكنه العيش بسلام مع جيرانه، لأن أصله قائم على العدوان المستمر والوظيفة الاستعمارية التي زُرع من أجلها.
مسارات التطبيع التي سلكها بعض الجيران لم تنتج سوى امتهان للكرامة الوطنية وتبعية اقتصادية وسياسية بلا مقابل حقيقي. فالسلام مع كيان وظيفته الحرب هو وهم لم يحصد منه المطبعون سوى الخذلان وتآكل السيادة الداخلية أمام شعوبهم الرافضة لهذه المسارات.
إن ما يؤلم المواطن العربي هو أن هذه الحقائق واضحة وضوح الشمس، ومع ذلك لا تزال المواقف الرسمية تراوح مكانها. الألم يشتد عندما نرى أن كل حرب تذكرنا ببديهيات الصراع، لكنها لا تنتج موقفاً دفاعياً مشتركاً يحمي المنطقة من التغول الصهيوني المتواصل.
في الختام، لا نحتاج إلى ألف درس لنفهم طبيعة المرحلة، بل يكفينا درس واحد وهو أن هذا الكيان قابل للهزيمة والمحو التام. من يعي هذه الحقيقة ويعمل بمقتضاها هو من سيحجز مكانه في سجل المجد، أما المترددون فسيظلون على هامش التاريخ ينتظرون حرباً قادمة لا محالة.





שתף את דעתך
دروس المواجهة: هل اقتربت نهاية أسطورة الكيان الذي لا يُقهر؟