يواصل الباحث والكاتب التونسي الدكتور عبد المجيد النجار تقديم سلسلة من القراءات النقدية والمعمقة في بنية الفقه السياسي الإسلامي، متسائلاً عن جدوى التمسك باجتهادات تاريخية لم تعد تلبي متطلبات الواقع المعاصر. ويهدف النجار من خلال هذه المراجعات إلى إعادة الاعتبار لمفهوم 'سلطان الأمة' وحقها الأصيل في اختيار من يمثلها، بعيداً عن مفاهيم الغلبة والقهر التي سادت في عصور متأخرة.
تتطرق المراجعات بشكل أساسي إلى مفهوم 'الشوكة'، وهي القوة العسكرية التي استُخدمت تاريخياً لتنصيب الحكام وفرض واقع سياسي جديد بعيداً عن إرادة الشعوب. ويرى الباحث أن هذه الآلية تحولت في مدونات فقهية كثيرة من حالة استثنائية لدرء الفتنة إلى قاعدة شرعية تشرعن ولاية المتغلب، مما أدى إلى إهدار دور الأمة في العقد السياسي.
ويشير النجار إلى أن إضفاء الصبغة الشرعية على 'ولاية القهر' لم يكن موجوداً في بواكر الفقه السياسي، مثل كتابات الماوردي، بل ظهر وتكرس لدى فقهاء متأخرين مثل الإمام النووي. وقد استند هؤلاء الفقهاء إلى ضرورة الحفاظ على وحدة المسلمين وانتظام شملهم، حتى لو كان الحاكم قد استولى على السلطة بجنوده دون بيعة أو استخلاف شرعي.
وتستعرض السلسلة جذور هذه المصادرة لحق الاختيار، مشيرة إلى روايات عن الإمام أحمد بن حنبل تفيد بأن الإمامة تثبت بالقهر والغلبة ولا تفتقر إلى العقد. ويرى النجار أن هذه الفتاوى كانت ظرفية أملتها تحديات الواقع السياسي آنذاك، لكنها تحولت مع مرور الزمن إلى تشريع دائم يفتقر إلى السند المتين من النصوص الشرعية أو ممارسات الخلافة الراشدة.
وبالعودة إلى نصوص الوحي، يؤكد الباحث أن القرآن الكريم جعل 'الشورى' مبدأً ملزماً في إدارة شؤون الأمة، كما في قوله تعالى 'وأمرهم شورى بينهم'. وهذا يعني أن تولية الحاكم، باعتبارها من أعظم أمور المسلمين، يجب أن تخضع لمبدأ المشاركة الشعبية والرضا العام، وليس للإكراه المادي أو العسكري.
كما يستدل النجار بآيات أخرى أسندت سلطان التنفيذ والتشريع للأمة ككل، مما يدل على أن الحاكم هو مجرد وكيل مفوض من قبلها لتنفيذ مرادها. ولا توجد في هذه النصوص أي إشارات تمنح 'أهل الحل والعقد' أو أصحاب القوة العسكرية حقاً حصرياً في تقرير مصير الأمة بمعزل عن إرادتها الجماعية الحرة.
وفي قراءة للسنة النبوية، يبرز موقف النبي صلى الله عليه وسلم في وفد هوازن حينما رفض اتخاذ قرار دون الرجوع لمجموع الناس عبر 'عرفائهم'. هذا السلوك النبوي يؤصل لضرورة استطلاع رأي القاعدة الشعبية في القضايا المصيرية، وهو ما سار عليه الخلفاء الراشدون في مواقف عديدة قبل أن تنحرف الممارسة السياسية لاحقاً.
إن التشريع لآلية الشوكة في عقد الإمامة يلغي حق الأمة في الاختيار، ويمنح هذا الحق للمتغلب، مما يفتح باباً للاستبداد يصعب سده.
ويناقش المقال مسألة 'ولاية العهد' التي شاعت في الفقه السياسي، موضحاً أن بعض الفقهاء المعاصرين مثل محمد سليم العوا وعبد الوهاب خلاف أعادوا تكييفها. ويرى هؤلاء أن عهد أبي بكر لعمر، أو عمر للستة، لم يكن عقداً ملزماً بحد ذاته، بل كان مجرد 'ترشيح' يطرح على الأمة لتقول فيه كلمتها الفصل عبر البيعة العامة.
ويحذر النجار من أن استمرار الاعتراف بـ 'الشوكة العسكرية' كطريق شرعي للحكم يفتح الباب واسعاً أمام الاستبداد والسطو على السلطة. إن تغليب ميزان القوة على ميزان الحق يجعل من الصراع العسكري وسيلة للوصول إلى الإمامة، وهو ما أدى تاريخياً إلى مفاسد وفتن كبرى فاقت بكثير تلك التي أراد الفقهاء تفاديها.
ويستذكر الباحث موقف الإمام علي بن أبي طالب رضي الله عنه، الذي أصر على أن يكون الحق والرضا الشعبي هما أساس الشرعية. ويرى أن بصيرة الإمام علي كانت تهدف لسد الطريق أمام الاستبداد المستقبلي، حتى لو أدى التمسك بهذا المبدأ إلى تحمل أضرار مؤقتة، لأن ضرر الاستبداد الدائم أعظم بكثير على كيان الأمة.
وفي سياق متصل، ينتقد النجار غياب فصول مستقلة للحريات العامة في الفقه السياسي الموروث، حيث اتجهت أغلب الأحكام نحو تقييد حرية الفكر والتعبير. ويستشهد بموقف إمام الحرمين الجويني الذي أصل لوجوب مقاومة أصحاب الآراء المخالفة بالسيف، وهو توجه ترك أثراً سلبياً عميقاً في الضمير الجمعي للمسلمين حتى يومنا هذا.
كما يدعو المقال إلى ضرورة تجديد الفقه المتعلق بـ 'المواطنة'، معتبراً أن التقسيمات التقليدية بين مؤمنين وأهل ذمة لم تعد تتناسب مع واقع الدولة الحديثة. ويشدد على أهمية استحداث أحكام تقوم على المساواة والعدل بين جميع أفراد المجتمع بقطع النظر عن انتماءاتهم العقائدية، لتكون المواطنة هي أساس الحقوق والواجبات.
ويختتم الدكتور النجار مراجعاته بالتأكيد على أن هذا التجديد ليس ترفاً فكرياً، بل هو ضرورة ملحة لإصلاح الحياة السياسية في المجتمعات الإسلامية. ويرى أن هذه المراجعة تكتسب أهمية خاصة للأقليات المسلمة في الغرب، التي تحتاج إلى فقه سياسي يتوافق مع قيم المشاركة والحرية السائدة في تلك المجتمعات.
إن إعادة بناء القاعدة الفكرية والسياسية الإسلامية على أسس العدالة والمشاركة الشعبية هي البوابة الأساسية لأي نهضة حقيقية. وبدون مراجعة هذه الأحكام التراثية التي تشرعن الاستبداد أو تقيد الحريات، ستظل الأمة عاجزة عن مواكبة التطورات العالمية وبناء دول حديثة تحترم كرامة الإنسان وحقوقه الأصيلة.





שתף את דעתך
مراجعات في الفقه السياسي الإسلامي: نحو استعادة سلطان الأمة ومواجهة شرعية 'الشوكة'