يرى خبراء في الشؤون الدولية والسياسية أن العواصم الأوروبية لن تنجر إلى أي مواجهة برية مباشرة ضد إيران، رغم الضغوط المتزايدة التي تمارسها إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب. وتأتي هذه القراءة في وقت حساس مع اقتراب نهاية المهلة التي حددها ترامب لطهران بشأن مضيق هرمز، وسط مخاوف من تصعيد عسكري قد يتجاوز الضربات الجوية إلى تدخل بري.
وأوضح الأستاذ والباحث في جامعة السوربون، محمد هنيد أن هناك رفضاً أوروبياً قاطعاً للمشاركة في ما وصفها بـ'المغامرة الأمريكية الأحادية'. وأشار إلى أن بعض الدول اتخذت مواقف سيادية صارمة برفض استخدام أجوائها لمرور الطائرات العسكرية أو تنفيذ عمليات إنزال، تعبيراً عن عدم رغبتها في الانخراط في صراع لم تُستشر في تفاصيله.
واعتبر هنيد أن الوضع الاقتصادي المتأزم في القارة العجوز، واستنزاف الموارد في الحرب الروسية الأوكرانية، يجعل من المستحيل على أوروبا فتح جبهة جديدة. فالدول الأوروبية ترى أن مصلحتها تكمن في إيقاف الحروب الحالية والالتفات لمشاكلها الداخلية، مثل صعود اليمين المتطرف والمنافسة التجارية الشرسة مع الصين والولايات المتحدة.
وفي سياق تحليل السياسة الأمريكية، أشار هنيد إلى أن واشنطن دأبت تاريخياً على توريط حلفائها في الناتو في حروبها البرية لتقليل الكلفة البشرية والمادية عليها. وضرب مثالاً بما حدث في أفغانستان والعراق وسوريا، حيث تحمل الحلفاء تبعات التدخلات العسكرية التي كانت تهدف في الأساس لتعزيز الهيمنة الأمريكية على الموارد والقرار الدولي.
وحول التهديدات الاقتصادية، لفت الباحث إلى أن محاولات ترامب إغراء أوروبا بالسيطرة على النفط الإيراني في جزيرة 'خرج' لن تنجح في تغيير الموقف الأوروبي. فالعلاقات التجارية بين الطرفين متوترة بالفعل بسبب الرسوم الجمركية التي فرضها ترامب، وأي تصعيد عسكري سيؤدي حتماً إلى قطع إمدادات الطاقة وتفاقم الأزمة المعيشية في أوروبا.
من جانبه، أكد المستشار الأسبق لوزير الخارجية التونسي، منار محمد السكندراني أن أوروبا استخلصت الدروس من تجاربها المريرة السابقة مع الإدارات الأمريكية. وأوضح أن الأوروبيين يشعرون بأن واشنطن تتخلى عنهم فور تحقيق مصالحها، بل وتحملهم أحياناً مسؤولية الإخفاقات كما يحدث حالياً في الملف الأوكراني.
ونوه السكندراني إلى التحول الجذري في صناعة القرار الأمريكي في عهد ترامب، حيث انتقلت من الإطار المؤسساتي التراكمي إلى القرار الفردي المتقلب. هذا التحول يجعل من الصعب على الدول الأوروبية، التي تعتمد على مؤسسات راسخة وقانون دولي صارم أن تتبع قيادة لا يمكن التنبؤ بخطواتها القادمة أو أهدافها النهائية.
أوروبا تدرك أن هذه الحرب ليست حربها، فلا ناقة لها فيها ولا جمل، والدخول في صراع بهذا الحجم لا يخدم مصالحها الاستراتيجية.
وحذر السكندراني من أن أي حرب برية على إيران ستفتح أبواب الفوضى الإقليمية على مصراعيها، مما سيؤدي إلى موجات هجرة غير مسبوقة نحو الشواطئ الأوروبية. واعتبر أن الجغرافيا تفرض على أوروبا واقعاً مختلفاً عن الولايات المتحدة البعيدة، حيث أن أي اضطراب في الشرق الأوسط ينعكس فوراً على أمن واستقرار القارة العجوز.
وفيما يخص الدور الإسرائيلي، أشار المستشار السابق إلى أن تل أبيب تسعى لتفكيك القوى الإقليمية الكبرى مثل إيران وتركيا ومصر لفرض هيمنتها الكاملة. ويرى أن مشروع 'إسرائيل الكبرى' لا يتطلب احتلالاً جغرافياً مباشراً بقدر ما يتطلب تحويل الدول المحيطة إلى كيانات ضعيفة ومتناحرة، وهو ما تدرك أوروبا خطورته على مصالحها مع العالم العربي.
وشدد السكندراني على أن المعركة مع إيران ليست عسكرية فحسب، بل هي معركة وجودية تتعلق بأمن الطاقة العالمي ومضيق هرمز الحيوي. فأي خلل في حركة الملاحة بهذا المضيق سيعني كارثة اقتصادية لأوروبا التي تعاني أصلاً من أزمة طاقة غير مسبوقة، مما يجعل المشاركة في الحرب خطوة غير عقلانية بالمرة.
وأوضح أن الموقف الأوروبي الحالي ليس نابعاً من ضعف عسكري، بل هو حساب عقلاني دقيق للمصالح الاستراتيجية العليا. فأوروبا تدرك أن الانجرار خلف الرؤية الأمريكية الإسرائيلية في هذا التوقيت سيعني انتحاراً اقتصادياً وسياسياً، خاصة في ظل التوترات القائمة مع روسيا على حدودها الشرقية.
كما لفت الخبراء إلى أن اللوبيات المرتبطة بشركات كبرى قد تحاول الضغط على بعض الحكومات الأوروبية، إلا أن النخب السياسية بدأت تدرك حجم الضرر. فالمساندة المطلقة للمشاريع الأمريكية لم تعد تعود بالنفع على الشعوب الأوروبية، بل تزيد من عزلتها وتفاقم أزماتها الداخلية والاجتماعية.
وخلص التحليل إلى أن الفجوة الجغرافية والسياسية بين واشنطن وبروكسل تزداد اتساعاً تجاه الملف الإيراني، حيث ترى أوروبا في الدبلوماسية والتهدئة سبيلاً وحيداً للحفاظ على أمنها. وفي المقابل، تواصل الإدارة الأمريكية الضغط عبر لغة التهديد والعقوبات، مما يضع التحالف التاريخي بين ضفتي الأطلسي أمام اختبار حقيقي وغير مسبوق.
ختاماً، يبقى التساؤل حول قدرة أوروبا على الصمود أمام هذه الضغوط في حال اندلاع شرارة المواجهة فعلياً. لكن المؤشرات الحالية تؤكد أن العواصم الكبرى في القارة لن تقدم 'شيكاً على بياض' لأي تحرك عسكري بري قد ينتهي بكارثة إنسانية واقتصادية تدفع ثمنها الشعوب الأوروبية وحدها.





שתף את דעתך
خبراء: أوروبا ترفض الانخراط في 'مغامرة' برية ضد إيران وتخشى تداعيات الطاقة والهجرة