تشهد السياسة الخارجية للولايات المتحدة في عهد الرئيس دونالد ترمب تحولاً جذرياً نحو تبني استراتيجيات مباشرة لتغيير الأنظمة الدولية التي تصنفها واشنطن كخصوم. وقد تجلى هذا التوجه في تصعيد غير مسبوق ضد كوبا وفنزويلا وإيران، حيث تسعى الإدارة الأمريكية لفرض واقع سياسي جديد يتماشى مع مصالحها الاستراتيجية في تلك المناطق الحيوية.
في الملف الكوبي، فرضت واشنطن حصاراً طاقياً مشدداً عبر منع شحنات النفط والوقود من الوصول إلى الجزيرة الكاريبية، وهي الخطوة التي وصفت بأنها الأقسى منذ خمسة عقود. ويرى مراقبون أن هذه الإجراءات تهدف إلى خنق النظام اقتصادياً لدفعه نحو الانهيار أو القبول بتنازلات سياسية كبرى تحت وطأة الحاجة المعيشية.
وقد صرح الرئيس ترمب بأن كوبا باتت جاهزة للسقوط بعد خمسين عاماً من الصمود، مؤكداً أن النظام هناك يسعى بجدية لإبرام صفقة مع الولايات المتحدة. وتعكس هذه التصريحات ثقة البيت الأبيض في نجاح سياسة 'الضغط الأقصى' التي تهدف إلى إحداث تغيير داخلي شامل في بنية الحكم الكوبي.
أما في فنزويلا، فقد اتخذ التصعيد منحى عسكرياً واستخباراتياً مباشراً بعد قيام قوات أمريكية باختطاف الرئيس نيكولاس مادورو من قلب العاصمة كاراكاس. هذه العملية مهدت الطريق لتعيين ديلسي رودريغيز رئيسة مؤقتة للبلاد، وهي الشخصية التي تحظى بدعم وإشادة واسعة من قبل الرئيس الأمريكي.
وعقب هذه التطورات الدراماتيكية، أعلنت واشنطن والسلطات المؤقتة في فنزويلا عن استئناف العلاقات الدبلوماسية والقنصلية التي كانت مقطوعة منذ عام 2019. وأكد بيان مشترك أن هذه الخطوة تهدف إلى تعزيز الاستقرار ودعم التعافي الاقتصادي في البلاد التي عانت من أزمات طاحنة لسنوات طويلة.
من جانبها، أعربت الرئيسة المؤقتة ديلسي رودريغيز عن استعداد بلادها لبناء علاقات طويلة الأمد مع الولايات المتحدة تقوم على الاحترام المتبادل والقانون الدولي. ووجهت رسالة عبر منصة 'إكس' تؤكد فيها على أهمية التعاون المشترك لخدمة مصالح الشعبين الفنزويلي والأمريكي في المرحلة المقبلة.
نريد المشاركة في عملية اختيار الشخص الذي سيقود إيران نحو المستقبل، حتى لا نضطر إلى العودة كل خمس سنوات للقيام بذلك مرة أخرى.
وعلى الجانب الآخر من العالم، تضع إدارة ترمب النظام الإيراني على رأس أولوياتها التغييرية، خاصة في ظل التصعيد العسكري المستمر بالتعاون مع الاحتلال الإسرائيلي. وتأتي هذه التحركات في أعقاب اغتيال المرشد الأعلى علي خامنئي في غارة جوية، مما فتح الباب أمام تساؤلات حول مستقبل القيادة في طهران.
وشدد ترمب على ضرورة أن يكون للولايات المتحدة دور فاعل في اختيار الزعيم القادم لإيران، لضمان عدم تكرار الأزمات السياسية كل بضع سنوات. وأوضح أن الهدف هو إيجاد قيادة تعمل من أجل مصلحة الشعب الإيراني وتساهم في استقرار المنطقة بعيداً عن سياسات المواجهة السابقة.
ولم تخلُ الساحة اللاتينية من توترات إضافية، حيث طالت الانتقادات الأمريكية كلاً من البرازيل وكولومبيا لأسباب سياسية وقضائية. فقد هاجم ترمب الحكومة البرازيلية بشدة على خلفية سجن حليفه الوثيق الرئيس السابق جايير بولسونارو، معتبراً ذلك استهدافاً سياسياً غير مقبول.
وفي كولومبيا، بدأ ترمب ولايته الثانية بخلاف حاد مع الرئيس غوستافو بيترو، رغم تصنيف كولومبيا سابقاً كحليف رئيسي من خارج ناتو. وتطورت الخلافات إلى تبادل للشتائم العلنية وتهديدات أمريكية بالتدخل العسكري، مما وضع العلاقات الثنائية على حافة الانهيار قبل تدخل القنوات الدبلوماسية.
ومع ذلك، شهدت العلاقات الأمريكية الكولومبية انفراجة نسبية بعد لقاء جمع ترمب وبيترو في البيت الأبيض في فبراير 2026. ووصف ترمب الرئيس الكولومبي عقب الاجتماع بأنه 'رائع'، بينما اعتبر بيترو أن اللقاء كان إيجابياً وساهم في نزع فتيل الأزمة التي كادت تعصف بالتعاون بين البلدين.
تؤكد هذه التحركات الشاملة أن إدارة ترمب في ولايتها الثانية وضعت 'تغيير الأنظمة' في قلب استراتيجيتها للأمن القومي. وتدفع هذه السياسات الهجومية العديد من القوى الدولية والإقليمية إلى إعادة تقييم تموضعها في النظام العالمي الجديد الذي تحاول واشنطن فرضه بالقوة الاقتصادية والعسكرية.





שתף את דעתך
استراتيجية 'تغيير الأنظمة': كيف يعيد ترمب صياغة خارطة النفوذ الأمريكي من كاراكاس إلى طهران؟