في السنوات الأخيرة لم تعد مواقع التواصل الاجتماعي مجرد منصات للتواصل أو الترفيه، بل تحولت بالنسبة لكثير من الفلسطينيين إلى مساحة بديلة للحياة اليومية. هذا التحول لا يمكن فهمه فقط من زاوية التكنولوجيا أو التطور الرقمي، بل يجب قراءته في سياق اجتماعي-اقتصادي وسياسي شديد التعقيد. فحين يصبح الواقع مليئاً بالقيود والانتهاكات، تميل المجتمعات إلى البحث عن فضاءات بديلة تمنحها شعوراً بالأمان والقدرة على التحكم، حتى لو كان هذا الأمان افتراضياً تصنعه خوارزميات المنصات الرقمية.
تشير بيانات الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني إلى أن نسبة مستخدمي الإنترنت في الأراضي الفلسطينية تجاوزت 86٪ من السكان، فيما يستخدم ما يقارب 70- 75٪ من الفلسطينيين منصات التواصل الاجتماعي بشكل يومي. هذه الأرقام تعكس تحوّل الفضاء الرقمي إلى جزء أساسي من الحياة الاجتماعية والاقتصادية. لكن خلف هذه النسبة المرتفعة يكمن تفسير أعمق: المنصات الرقمية لا توفر فقط وسيلة اتصال، بل تقدم بيئة يشعر فيها الفرد بدرجة من السيطرة على حياته لا يجدها في الواقع.
في الضفة الغربية على سبيل المثال، يواجه المواطن يومياً شبكة معقدة من القيود الميدانية. تقارير الأمم المتحدة ومكتب تنسيق الشؤون الإنسانية (OCHA) تشير إلى وجود أكثر من 900 حاجز ونقطة تفتيش وإغلاق تؤثر على حركة الفلسطينيين بين المدن والقرى. هذه القيود تعني أن التنقل البسيط قد يتحول إلى رحلة غير متوقعة مليئة بالانتظار والتوتر. في المقابل، يتيح العالم الرقمي انتقالاً فورياً بين فضاءات متعددة بضغطة زر واحدة، دون حواجز أو نقاط تفتيش.
العامل الاقتصادي يضيف طبقة أخرى من التفسير. فبحسب بيانات البنك الدولي وصندوق النقد الدولي، يبلغ معدل البطالة في فلسطين نحو 24٪ في المتوسط، بينما يعاني الاقتصاد من تباطؤ مزمن نتيجة القيود السياسية والجغرافية. في هذا السياق تصبح المنصات الرقمية مساحة بديلة للإنتاج والعمل والتسويق. آلاف الفلسطينيين يعتمدون اليوم على التجارة الإلكترونية، وصناعة المحتوى، والعمل الحر عبر الإنترنت. هنا لا تكون الخوارزمية مجرد أداة ترفيه، بل بنية اقتصادية جديدة تمنح فرصاً لم تكن متاحة في الواقع التقليدي.
لكن المسألة ليست اقتصادية فقط؛ هناك بعد نفسي واجتماعي مهم. علم النفس الاجتماعي يوضح أن الإنسان يبحث دائماً عن بيئات تمنحه إحساساً بالاستقرار والتوقع. الواقع المليء بالمفاجآت الأمنية والاقتحامات العسكرية يولد حالة من الضغط المزمن (Chronic Stress)، وهو مفهوم تشير إليه دراسات الصحة النفسية في مناطق النزاع. في المقابل، تقدم الخوارزميات الرقمية بيئة قابلة للتوقع: المحتوى يظهر بناءً على اهتمامات المستخدم، والأصدقاء معروفون، والنقاشات يمكن التحكم بها أو مغادرتها بسهولة. هذه البنية الخوارزمية تخلق ما يمكن تسميته بـ الأمان الإدراكي؛ أي شعور بأن العالم يمكن فهمه والتفاعل معه دون تهديد مباشر.
ومن زاوية علم الخوارزميات، تعمل منصات مثل فيسبوك وإنستغرام وتيك توك على تحليل سلوك المستخدمين عبر نماذج تعلم آلي متقدمة. هذه النماذج تقترح محتوى يتوافق مع ميول المستخدم، ما يزيد من مدة بقائه داخل المنصة. تشير تقارير شركة DataReportal لعام 2025 إلى أن متوسط الوقت الذي يقضيه المستخدم العربي على وسائل التواصل يتراوح بين 3 و4 ساعات يومياً. هذا الرقم ليس مجرد استهلاك رقمي؛ إنه مؤشر على انتقال جزء كبير من الحياة الاجتماعية إلى الفضاء الافتراضي.
مع ذلك، من الخطأ الاعتقاد أن هذا الفضاء خالٍ من المخاطر. فالخوارزميات نفسها قد تخلق ما يسميه الباحثون فقاعات الترشيح (Filter Bubbles)، حيث يتعرض المستخدم لنوع واحد من المعلومات يعزز قناعاته فقط. كما أن المنصات الرقمية تخضع بدورها لسياسات الشركات العالمية التي قد تقيد المحتوى السياسي أو تحجبه. بمعنى آخر، الأمان الرقمي هنا نسبي، وليس بديلاً كاملاً عن الواقع.
لكن المفارقة تبقى واضحة: حين يصبح الطريق إلى العمل محفوفاً بالحواجز، وحين تتحول الحياة اليومية إلى سلسلة من القيود الاقتصادية والسياسية، يبدو الهاتف الذكي وكأنه نافذة إلى عالم أكثر قابلية للحياة. في هذا العالم الرقمي يستطيع الفرد أن يعمل ويتحدث ويعبّر ويتعلم دون أن يوقفه حاجز أو يعرقله إغلاق طريق.
النتيجة أن تمسك الفلسطيني بمواقع التواصل ليس مجرد انجذاب للتكنولوجيا، بل هو استجابة اجتماعية-نفسية لواقع معقد. الخوارزمية هنا لا تُفهم فقط كمعادلة رياضية تدير المحتوى، بل كفضاء بديل للحياة، يوفر للإنسان شعوراً مؤقتاً بالسيطرة والقدرة على الحركة في عالم يضيق فيه المجال المادي يوماً بعد يوم.
* باحث ومستشار بالإعلام والتسويق الرقمي





שתף את דעתך
حين تصبح الخوارزمية ملاذاً… لماذا يبدو العالم الرقمي أكثر أماناً للفلسطيني من واقعه؟