ו 06 מרץ 2026 6:33 pm - שעון ירושלים

مأزق الدولة العربية: عندما يتحول الطموح التاريخي إلى مجرد إدارة أمنية

يمر التاريخ العربي المعاصر بمرحلة تتسم بالسرعة الفائقة التي تشبه انطلاق الصواريخ، بينما يقف الإنسان العربي متفرجاً عاجزاً عن التأثير في مجريات الأحداث. منذ اندحار القوات الأمريكية من فيتنام، تحول الشرق الأوسط إلى ساحة دائمة للحروب والأجندات الدولية المتلاحقة التي استنزفت الطاقات البشرية والمادية.

تستدعي الحالة الراهنة العودة إلى الدرس الخلدوني لفهم مسارات الدولة العربية الحديثة، وتحديداً النموذج التونسي الذي يمثل تجسيداً لنظرية أعمار الدول. يرى هذا المنظور أن الدولة تمر بثلاثة أجيال متعاقبة، تبدأ بالبناء والقوة وتنتهي بالتحلل والرفاه الذي يقتل روح المبادرة والطموح.

لقد وضع الجيل الأول، بقيادة الحبيب بورقيبة، أسس الدولة الوطنية بناءً على شرعية معركة الاستقلال والسيادة وروح الأمة الطامحة. ورغم النجاح في تأسيس نخبة فكرية ودولة راعية، إلا أن هذا الجيل زرع في جسد الدولة 'جرثوم الدكتاتورية' الذي مهد لنهايتها اللاحقة.

انتقلت الدولة مع الجيل الثاني، الذي تمثله حقبة زين العابدين بن علي، من مرحلة الطموح الوطني إلى مرحلة الشبع المادي والرفاه الاستهلاكي. في هذه المرحلة، استبدل المواطنون تطلعاتهم السياسية بقروض استهلاكية ومظاهر اجتماعية زائفة، مما أدى إلى تآكل الروابط العصبية والاجتماعية المتينة.

شهدت هذه الحقبة تحولاً جذرياً في القيم، حيث طغت المتع السريعة والنزعات الفردية على حساب المصلحة العامة والتماسك القومي. وتوسعت الفجوة بين طبقات المجتمع، بين من ينعمون بالرفاه الباريسي ومن يعانون في الأرياف المنسية، مما مهد لانفجار اجتماعي عُرف بالربيع العربي.

جاءت الثورة كصرخة استغاثة وحركة عصبية تحاول استعادة التوازن المفقود بين المركز والأطراف، لكنها سرعان ما فقدت بوصلتها. وبدلاً من إنتاج مشروع وطني جديد، سلمت الثورة قيادها لنخب قديمة أعادت إنتاج الأزمة في قوالب سياسية مختلفة.

في المرحلة الراهنة، نجد الدولة وقد تحولت إلى مجرد إدارة بيروقراطية تنظم البقاء اليومي للسكان دون أي أفق رمزي أو مشروع مستقبلي. لقد تلاشت السردية الوطنية الكبرى التي كانت تميز بدايات الدولة، وحل محلها نظام يقدس الهدوء الأمني على حساب الحريات المزعجة.

إن التحول من 'الدولة المطمح' إلى 'الدولة الإدارة' يعكس انهيار التوازن بين النخبة والجمهور، حيث تعجز المؤسسات عن إنتاج هوية جامعة. هذا التفكك السياسي والأخلاقي يمثل جوهر أزمة الجيل الثالث، الذي يعيش في حالة من العجز عن التجدد الذاتي أو التأسيس لمسار تاريخي جديد.

تظهر الأزمة بوضوح في غياب الرؤية التاريخية، حيث يصبح الحفاظ على الاستقرار الإداري هو الهدف الأسمى والوحيد للسلطة. وفي هذا السياق، يتراجع دور النخب في ابتكار الرموز أو الدفاع عن القضايا الكبرى، مفضلة الانكفاء على الذات ومتابعة الأحداث العالمية كمتفرجين.

لقد أدى التركيز المنهجي على التنظيم البيروقراطي إلى إضعاف القدرة على التخيل السياسي، مما جعل الأمن يسبق الحرية في سلم الأولويات. هذا المسار أدى بالضرورة إلى تلاشي العصبية المحفزة التي كانت تدفع المجتمع نحو تحقيق إنجازات حضارية ملموسة.

عندما تغيب السردية الوطنية، تتحول الدولة إلى هيكل شكلي يفتقر إلى القاعدة الجماهيرية الحقيقية التي تحميه في الأزمات الكبرى. إننا نرى اليوم دولة موجودة بمؤسساتها، لكنها بلا روح أو مشروع يربط الأفراد بهوية وطنية تتجاوز المصالح المادية الضيقة.

تتجلى علامات النهاية السياسية المبكرة في إنهاك المنظومات الوسيطة وتوقف خيال النخب عن تقديم حلول للأزمات المتراكمة. وانتهى الوضع إلى حالة 'رئاسوية' تفتقر إلى السردية التاريخية، مما يجعل الدولة عرضة للرياح السياسية المتقلبة دون حصانة داخلية.

في ظل هذا الواقع، تتهرب النخب من مسؤولياتها الأخلاقية تجاه القضايا المصيرية، مثل القضية الفلسطينية أو التصدي للهيمنة الدولية. وتكتفي هذه النخب بابتكار جمل التهرب السياسي، معتبرة أن قضايا مثل غزة تقع في كوكب آخر لا يعنيها في ظل انشغالها بتدبير العيش اليومي.

ختاماً، يبدو أن 'جرثوم الدكتاتورية' قد اشتغل بكفاءة عالية في تدمير مقومات الدولة العربية الحديثة من الداخل. إن الإدارة الأمنية، مهما بلغت دقتها، لا يمكن أن تكون بديلاً عن الدولة الحقيقية التي تبني طموحاً لشعبها وتصون كرامته وتاريخه.

תגים

שתף את דעתך

مأزق الدولة العربية: عندما يتحول الطموح التاريخي إلى مجرد إدارة أمنية

ניוזלטר

היה הראשון לדעת את החדשות החשובות ברגע שהן קורות.

הישאר מעודכן בחדשות האחרונות. הירשם לשירות החדשות הדחופות שמגיע לתיבת הדוא"ל שלך מדי יום.

בהרשמה, אתה מסכים לתנאי השימוש ולמדיניות פרטיות.