تتصدر استراتيجيات ما بعد الحرب في قطاع غزة اهتمامات صانعي السياسات في إسرائيل والدوائر الغربية، حيث يسعى الاحتلال لإيجاد صيغة تنهي حالة المقاومة المتجذرة. وفي هذا السياق، برزت دراسة حديثة أعدها باحثون في معهد دراسات الأمن القومي الإسرائيلي (INSS)، تستعرض آليات ما أسمته 'التغيير الشامل' للقطاع لضمان عدم عودة أي نفوذ لحركات المقاومة.
تعتبر الدراسة أن قطاع غزة يمثل واحدة من أكثر الساحات تعقيداً في العالم بسبب ما تصفه بـ 'التطرف السياسي والديني' الذي تشكل عبر عقود. وترى أن الحرب الحالية وما خلفته من دمار هائل في البنية التحتية والضحايا، تمثل 'فرصة نادرة' لإعادة هندسة المجتمع الغزي وفصله عن أيديولوجية حماس التي تغلغلت في كافة مناحي الحياة.
طرح الباحثان عوفير جوترمان وتارا فيلدمان مصطلح 'إزالة الحماسة' كبديل لمصطلحات نزع التطرف التقليدية، وذلك للتأكيد على خصوصية الحالة في غزة. وتهدف هذه العملية إلى تفويض الشرعية الاجتماعية للمقاومة وتقويض نظامها الإسلامي الراسخ، مع محاولة الحفاظ على مساحة شكلية للعمل السياسي السلمي لضمان عدم فقدان المصداقية أمام المجتمع الدولي.
تعتمد الخطة المقترحة على ديناميكيات 'الدفع والجذب'، حيث تشمل عوامل الدفع استغلال الهزيمة العسكرية والدمار لإحداث خيبة أمل شعبية تجاه خيارات المقاومة. أما عوامل الجذب، فتتمثل في تقديم بدائل اقتصادية وتعليمية وأفق سياسي محدود، يهدف إلى خلق هوية مدنية جديدة تبتعد عن الصدام مع الاحتلال.
استعرضت الدراسة نماذج عربية لمكافحة 'التطرف'، مفاضلةً بين النموذج المصري القائم على الاحتواء الأمني، والنموذج الخليجي (الإماراتي والسعودي) القائم على التحول الاجتماعي الشامل. وخلصت الدراسة إلى تفضيل النموذج الإماراتي لنهجه الاستباقي، مع إمكانية دمج عناصر من النموذج المصري في حال تعذر التطبيق الكامل للرؤية الخليجية.
ترى الدراسة أن السلطة الفلسطينية، رغم ضعف قدراتها الحالية، تظل ركيزة ضرورية لا يمكن استبدالها في المنظور الوطني والعربي. ومع ذلك، تشترط الدراسة ضرورة 'إعادة تأهيل' هذه السلطة لتكون قادرة على تنفيذ تدابير مكافحة المقاومة وتوفير غطاء شرعي للتحولات المطلوبة في القطاع تحت إشراف دولي وإقليمي.
تقترح الرؤية الإسرائيلية إنشاء 'لجنة وطنية لإدارة غزة' تعمل تحت نظام وصاية دولية يسمى 'مجلس السلام'، لضمان عدم عودة حماس للسلطة. ويشمل ذلك إعادة بناء مؤسسات الحكم وتحصينها، وطرح خطاب ديني وإعلامي 'معتدل' يتوافق مع الرؤية الأمنية الإسرائيلية والتوجهات الإقليمية الجديدة.
نزع التطرف ليس مرحلة لاحقة لهزيمة حماس، بل هو عنصر أساسي في إضعافها استراتيجياً عبر تقديم بديل في الحكم والأيديولوجيا.
تؤكد الدراسة أن السيطرة الأمنية الإسرائيلية الشاملة تظل شرطاً أساسياً لنجاح أي عمليات مدنية أو اجتماعية في القطاع. وتعتبر أن القمع العسكري المستمر للتنظيمات هو الضمانة الوحيدة لمنع فشل جهود 'نزع التطرف' أو استعادة المقاومة لزمام المبادرة في المناطق التي يتم تطهيرها.
تربط الخطة بين سرعة إعادة الإعمار المدني ونجاح السردية التحويلية، محذرة من أن التأخير الطويل قد يؤدي إلى نتائج عكسية. وتقترح تنفيذ مشاريع الإعمار حصراً في المناطق التي يتم التأكد من تجريدها من السلاح وخروجها التام عن سيطرة فصائل المقاومة، لضمان استخدام المساعدات كأداة ضغط.
تطالب الدراسة بضرورة إشراك الدول العربية بشكل عملي وقيادي، معتبرة أن النموذج العربي هو الأكثر ملاءمة لثقافة المجتمع الغزي من النماذج الغربية. وتدرك إسرائيل أن هذا الانخراط العربي يتطلب تقديم 'تنازلات سياسية' رمزية تتعلق بالاستقلال الفلسطيني المحدود، لضمان قبول هذه الدول بالمشاركة في التكاليف المادية والسياسية.
على الصعيد المؤسسي، تدعو الدراسة إلى 'تطهير' المساجد والهيئات الدينية والتعليمية من أي عناصر مرتبطة بالمقاومة، واستبدالها بكوادر مدربة تروج لخطاب 'اللاعنف'. ويشمل ذلك إصلاح المناهج الدراسية وإنتاج محتوى ثقافي وفني يهدف إلى إعادة تعريف الهوية الفلسطينية بعيداً عن مفهوم الكفاح المسلح.
تشدد الخطة على أهمية 'التسامح السلطوي'، وهو نهج يروج للاعتدال الديني عبر وسائل قسرية ومركزية تضمن سيادة القانون الذي يفرضه النظام الجديد. ويتطلب ذلك بناء مناعة مؤسسية ضد عودة حماس عبر أطر قانونية صارمة ومعايير شفافة للتعيينات في الوظائف العامة بالقطاع.
رغم هذه المخططات الطموحة، تشير تقارير ومصادر أخرى إلى أن الروح الفلسطينية تظل عصية على التطويع، حيث تعتبر المقاومة جزءاً أصيلاً من الهوية الوطنية. ويرى محللون أن محاولات 'احتلال الوعي' قد تواجه فشلاً ذريعاً كما حدث في تجارب دولية سابقة، نظراً لعمق المظلومية التاريخية للفلسطينيين.
في الختام، تظل هذه الدراسة تعبيراً عن رغبة إسرائيلية في تحقيق انتصار ثقافي واجتماعي يكمل العمل العسكري، لكنها تصطدم بواقع ميداني معقد. فالتاريخ يثبت أن الضغط المفرط والدمار غالباً ما يولد أجيالاً أكثر تمسكاً بحقوقها الوطنية، مما يجعل من 'هندسة المجتمع' مهمة تقترب من المستحيل في ظل استمرار الاحتلال.





שתף את דעתך
دراسة إسرائيلية تقترح 'إزالة الحماسة' من غزة عبر نماذج عربية وهندسة اجتماعية شاملة