واشنطن – سعيد عريقات – 5/3/2026
لوس أنجلوس — في موقف لافت يعكس تحوّلًا متسارعًا في الخطاب السياسي داخل الولايات المتحدة، شبّه حاكم ولاية كاليفورنيا غافن نيوسوم إسرائيل بـ"دولة فصل عنصري"، معتبرًا أن قيادتها الحالية تدفع واشنطن نحو لحظة مراجعة حتمية لدعمها العسكري لحليفها الأول في الشرق الأوسط.
تصريحات نيوسوم جاءت خلال مشاركته في فعالية بلوس أنجلوس للترويج لمذكراته الجديدة، حين سأله جون فافرو، مقدم برنامج "بود أنقذ أميركا Pod Save America"، عمّا إذا كان ينبغي للولايات المتحدة أن تعيد التفكير في دعمها العسكري لإسرائيل مستقبلًا. ردّ الحاكم الديمقراطي قائلاً: "يؤلمني قول ذلك، لكن القيادة الحالية في إسرائيل تسير بنا في طريق لا أعتقد أن لدينا خيارًا سوى النظر بجدية في هذه المسألة".
ويحمل موقف نيوسوم دلالات تتجاوز اللحظة الإعلامية. حيث أن نيوسوم، الذي يُنظر إليه على نطاق واسع كمرشح محتمل للانتخابات الرئاسية عام 2028، كان قد زار إسرائيل عقب هجمات السابع من أكتوبر 2023 التي نفذتها حركة حماس، وأكد آنذاك تضامنه مع الإسرائيليين. لكنه اليوم يتخذ مسافة نقدية واضحة من حكومة رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو ، مشيرًا إلى ما وصفه بأزمات نتنياهو الداخلية، من معارك قضائية إلى حسابات انتخابية ضاغطة، إضافة إلى ضغوط من تيارات يمينية متشددة تدفع نحو ضم الضفة الغربية.
وقال نيوسوم إن بعض المراقبين "يتحدثون عن إسرائيل بوصفها دولة فصل عنصري"، في إشارة إلى سياسات يعتبرها منتقدون تكريسًا لنظام تمييزي طويل الأمد. كما وجّه انتقادًا حادًا للعمليات العسكرية ضد إيران، والتي دعمتها إدارة دونالد ترمب مؤخرًا، متسائلًا: "هل نتحدث عن تغيير نظام؟ بعد عامين لم يُحسم حتى ملف حماس".
توقيت التصريحات ليس عابرًا. فالولايات المتحدة تشهد جدلًا داخليًا متصاعدًا بشأن حدود الدعم غير المشروط لإسرائيل، خصوصًا في أوساط الحزب الديمقراطي. وخلال انتخابات 2024 الرئاسية، برزت انقسامات حادة بين التيار التقدمي والقيادة التقليدية للحزب حول الحرب في غزة والسياسات الإسرائيلية في الأراضي الفلسطينية. نيوسوم، الذي حرص سابقًا على التأكيد أنه لم يتلقّ تبرعات من لجنة الشؤون العامة الأميركية الإسرائيلية (AIPAC)، حاول الموازنة بين إبراز "الروابط العميقة" بين كاليفورنيا وإسرائيل، وبين مخاطبة قاعدة حزبية تتجه نحو مواقف أكثر انتقادًا.
اللافت أن توصيف "الفصل العنصري" لم يعد حكرًا على ناشطين حقوقيين أو أصوات التقدميين الهامشية؛ بل بات يتردد في دوائر سياسية رئيسية. ورغم أن نيوسوم لم يعلن صراحة الدعوة إلى وقف الدعم العسكري، فإن إشارته إلى "غياب الخيار" في إعادة النظر به تمثل انزياحًا مهمًا في خطاب أحد أبرز الوجوه الديمقراطية الصاعدة، خاصة وأن 60% من الأميركيين يعارضون الحرب التي شنها ترمب على إيران يوم 28 شباط بحسب ما أظهر استطلاع جديد أجرته شبكة CNN ونشر يوم الثلاثاء، 3 آذار 2026.
سياسيًا، يحاول نيوسوم السير فوق حقل ألغام: فهو من جهة لا يريد القطيعة مع تحالف استراتيجي عمره عقود، ومن جهة أخرى يدرك أن المزاج العام، خاصة بين الشباب والديمقراطيين التقدميين، بات أقل تسامحًا مع سياسات إسرائيل في غزة والضفة الغربية، وأكثر استعدادًا لربط المساعدات العسكرية بشروط سياسية وحقوقية.
في المحصلة، لا تعكس تصريحات حاكم كاليفورنيا موقفًا فرديًا فحسب، بل تجسّد تحوّلًا أوسع في النقاش الأمريكي حول طبيعة العلاقة مع إسرائيل، وحدودها، وكلفتها الأخلاقية والسياسية.
ويشهد المزاج الأميركي تجاه إسرائيل تحوّلًا سلبيا واضحًا. فبينما ظلت الأجيال الأكبر سنًا تنظر إلى إسرائيل من منظور تحالف استراتيجي راسخ وقيم مشتركة، يميل الشباب — خصوصًا داخل الحزب الديمقراطي — إلى تقييم العلاقة من زاوية حقوق الإنسان والقانون الدولي. هذا التحوّل لا يعني بالضرورة عداءً لإسرائيل، لكنه يعكس استعدادًا متزايدًا لانتقاد سياساتها علنًا، وربط الدعم الأمريكي بشروط واضحة، في سابقة لم تكن مألوفة قبل عقد واحد فقط.
ولعبت وسائل التواصل الاجتماعي دورًا محوريًا في إعادة تشكيل السردية داخل الولايات المتحدة. فصور الحرب والدمار تنتشر لحظيًا، وتتجاوز القنوات الإعلامية التقليدية، ما أضعف قدرة الحكومات على احتكار الرواية. هذا الانكشاف الدائم خلق ضغطًا شعبيًا على السياسيين، ودفع شخصيات مثل نيوسوم إلى تبنّي لغة أكثر صراحة. لم يعد الخطاب الدبلوماسي الموارب كافيًا لاحتواء غضب قواعد انتخابية ترى في الصمت تواطؤًا.
ولا ينفصل التحوّل في المزاج عن حسابات السياسة الداخلية. فمع تصاعد الاستقطاب، باتت إسرائيل جزءًا من معركة هوية داخل الحزب الديمقراطي نفسه. تيار واسع يرى أن الدعم غير المشروط يضر بالمصالح الأمريكية ويقوّض مصداقية واشنطن في الدفاع عن الديمقراطية عالميًا. في المقابل، يخشى آخرون أن يؤدي أي تراجع حاد إلى إضعاف تحالف استراتيجي تقليدي. هذا التوتر مرشح للتفاقم مع اقتراب سباق 2028 الرئاسي.





שתף את דעתך
نيوسوم يصف إسرائيل بـ"دولة فصل عنصري" ويدعو لإعادة النظر في الدعم العسكري الأميركي