أفادت مصادر صحفية بأن رئيس الوزراء الإسباني، بيدرو سانشيز، بات يتصدر المشهد السياسي الأوروبي كأحد أبرز القادة المؤثرين على الساحة الدولية. وجاء هذا التحول عقب اتخاذه مواقف حازمة ضد توجهات الإدارة الأمريكية برئاسة دونالد ترامب، خاصة فيما يتعلق بالملف الإيراني، مما جعله محط أنظار وسائل الإعلام العالمية في القمم الأوروبية الأخيرة.
وعلى الرغم من التحديات الجسيمة التي يواجهها سانشيز داخل إسبانيا، من ائتلاف حكومي متعثر وفضائح فساد تلاحق مقربين منه، إلا أن حضوره الدولي سجل قفزة نوعية. فقد تحول من زعيم يركز الصحفيون على سؤاله عن الشؤون المحلية، إلى قائد تترقب العواصم الكبرى تصريحاته بشأن القضايا المصيرية التي تمس أمن القارة والعالم.
وتعود جذور هذا الصعود إلى أواخر فبراير الماضي، حين برز سانشيز كزعيم الاتحاد الأوروبي الوحيد الذي أدان صراحة الهجوم العسكري الذي شنته الولايات المتحدة والاحتلال على إيران. ووصف رئيس الوزراء الإسباني تلك العمليات بأنها 'غير شرعية'، في موقف اعتبره مراقبون أكثر شجاعة ووضوحاً من المواقف المتحفظة التي أبداها قادة فرنسا وألمانيا.
ولم يكتفِ سانشيز بالإدانة اللفظية، بل اتخذ خطوات عملية بمنع الطائرات الحربية الأمريكية من استخدام القواعد العسكرية المشتركة أو عبور المجال الجوي الإسباني. هذا القرار أثار حفيظة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، الذي وصف إسبانيا بالدولة 'الفظيعة وغير الودية'، مهدداً بفرض عقوبات تجارية والسعي لإخراجها من حلف شمال الأطلسي (الناتو).
وبحسب التحليلات، فإن الهجوم العنيف من البيت الأبيض أدى لنتائج عكسية، حيث ساهم في تحويل الموقف الإسباني المنفرد إلى تيار أوروبي عام. فقد سارع قادة الاتحاد الأوروبي للتضامن مع مدريد في وجه التهديدات الأمريكية، مما جعل من سانشيز 'الزعيم الأخلاقي' للاتحاد في مواجهة سياسات ترامب التصادمية.
ويرى وزير الخارجية الإسباني، خوسيه مانويل ألباريس أن بلاده لم تكن معزولة في مواقفها، بل كانت تضطلع بدور قيادي شجع الآخرين على اللحاق بها. وأكد ألباريس أن التزام سانشيز بمبادئ القانون الدولي وحقوق الإنسان هو ما يوجه بوصلة السياسة الخارجية الإسبانية في ظل الاضطرابات العالمية الراهنة.
وتشير التقارير إلى أن سانشيز يتمتع بمناعة نسبية تجاه الضغوط الاقتصادية الأمريكية، نظراً لمحدودية التبادل التجاري بين البلدين مقارنة بدول مثل ألمانيا. كما أن نجاح إسبانيا في تحقيق طفرة في الطاقة المتجددة قلل من ارتهانها لأزمات الطاقة المرتبطة بالشرق الأوسط، مما منح مدريد مساحة أكبر للمناورة السياسية.
لم تكن إسبانيا وحيدة قط، فقد كنا ببساطة في المقدمة، نقود حتى يتمكن الآخرون من اللحاق بنا.
وتعود جذور التكوين السياسي لسانشيز إلى تجربته في البوسنة والهرسك عام 1997، حيث عمل مستشاراً اقتصادياً ضمن بعثة الأمم المتحدة في سراييفو. تلك التجربة، بحسب مذكراته، حصنته ضد 'ويلات القومية' وجعلته يؤمن بضرورة الدفاع عن النظام العالمي المتعدد الأطراف والمؤسسات الدولية في مواجهة خطابات الكراهية.
وفي الداخل الإسباني، يظل المشهد معقداً، حيث تظهر استطلاعات الرأي أن أكثر من 60% من المواطنين لا يثقون برئيس وزرائهم رغم شعبيته الدولية. وتستغل المعارضة اليمينية قضايا الفساد لشن هجمات مستمرة عليه، واصفة إياه بأنه 'مرادف للفساد'، ومطالبة بإجراء انتخابات مبكرة لإنهاء حالة الجمود السياسي.
ومع ذلك، أثبت سانشيز قدرة فائقة على البقاء السياسي، حيث استطاع العودة لقيادة الحزب الاشتراكي بعد الإطاحة به في 2016 عبر حملة شعبية قادها بنفسه. ويصفه حلفاؤه بأنه 'مقاتل' يمتلك مرونة عالية في التكيف مع الأزمات، وهو ما مكنه من تشكيل أول حكومة ائتلافية في تاريخ إسبانيا الحديث.
وعلى صعيد القضية الفلسطينية، كان لسانشيز موقف بارز أثار غضب الاحتلال الإسرائيلي، حيث وصف العمليات العسكرية في قطاع غزة بأنها 'إبادة جماعية'. هذا الموقف، رغم تسببه في أزمة دبلوماسية مع تل أبيب، عزز من مكانته لدى القواعد الشعبية في إسبانيا وأوروبا التي تعارض الحروب والانتهاكات الإنسانية.
ويرى خبراء سياسيون أن سانشيز قد يلجأ إلى تعزيز حضوره الدولي للتعويض عن ضعف موقفه الداخلي وصعوبة تمرير التشريعات في البرلمان المنقسم. فالتصدي لسياسات ترامب يلقى صدى واسعاً لدى الأغلبية الأوروبية التي ترى في الرئيس الأمريكي تهديداً لاستقرار القارة ونظامها الديمقراطي.
وفي ظل التهديدات الأمريكية بزيادة الإنفاق العسكري، حافظ سانشيز على موقفه الرافض لزيادة مخصصات الدفاع، وهو موقف يحظى بتأييد شعبي واسع في إسبانيا. ويُنظر إليه كشخصية تقدمية ترفض الانجرار وراء سباقات التسلح، مفضلاً الاستثمار في التنمية المستدامة والحلول الدبلوماسية للنزاعات الدولية.
ختاماً، يواجه بيدرو سانشيز اختباراً حقيقياً لموازنة طموحاته الدولية مع التزاماته المحلية حتى نهاية ولايته في عام 2027. وسيبقى صراعه مع إدارة ترامب وتحديه للسياسات العسكرية في المنطقة محوراً أساسياً يحدد ملامح القيادة الأوروبية في السنوات القليلة القادمة.





Share your opinion
سانشيز يتحدى ترامب: كيف تحول رئيس وزراء إسبانيا إلى 'ضمير أوروبا' في الأزمة الإيرانية؟