Fri 24 Apr 2026 12:06 am - Jerusalem Time

واشنطن تسعى لإنهاء عزلة إريتريا لتأمين البحر الأحمر ومواجهة تهديدات الحوثيين

تتجه الإدارة الأمريكية الحالية نحو إحداث تحول استراتيجي في منطقة القرن الأفريقي، من خلال السعي لإعادة ضبط علاقاتها مع دولة إريتريا التي ظلت معزولة لعقود. وتأتي هذه التحركات في ظل تصاعد التوترات الجيوسياسية في البحر الأحمر، حيث تسعى واشنطن لتأمين نفوذها على طول الساحل الإريتري الممتد لأكثر من 700 ميل، لمواجهة التهديدات المستمرة للملاحة الدولية.

وأفادت مصادر مطلعة بأن مسعد بولس، المسؤول البارز في إدارة ترامب ومبعوثه إلى أفريقيا، قد أبلغ أطرافاً دولية بنية الولايات المتحدة البدء في رفع تدريجي للعقوبات المفروضة على أسمرة. وتهدف هذه الخطوة إلى استعادة القنوات الدبلوماسية التي انقطعت طويلاً، وبناء جدار صد أمام المساعي الإيرانية الرامية للتوسع في تلك المنطقة الحيوية من العالم.

وتشير التقارير إلى أن هذه الخطة لا تزال في طور المراجعة النهائية ولم يتم اعتمادها رسمياً بعد، إلا أن المؤشرات تؤكد جدية التوجه الأمريكي نحو الانفتاح على النظام الإريتري. ويرى مراقبون أن واشنطن باتت تعطي الأولوية للأمن البحري ومواجهة جماعة الحوثيين على حساب ملفات أخرى كانت تعيق التقارب مع إريتريا في السابق.

ويرتبط هذا التحرك الدبلوماسي بشكل وثيق بالتهديدات التي يطلقها الحوثيون بإغلاق مضيق باب المندب، وهو الممر المائي الذي يمثل شريان الحياة للتجارة العالمية. ومع تزايد الضغوط الإيرانية في مضيق هرمز، أصبحت الحاجة الأمريكية لتأمين بدائل ومواقع استراتيجية في البحر الأحمر أمراً ملحاً لا يحتمل التأجيل.

وكشفت المصادر عن لقاء سري جمع بين مسعد بولس والرئيس الإريتري أسياس أفورقي في العاصمة المصرية القاهرة أواخر العام الماضي. وقد تركزت المباحثات خلال هذا الاجتماع على سبل تخفيف العقوبات الاقتصادية والسياسية، وفتح حوار رفيع المستوى يمهد الطريق لعودة العلاقات الثنائية إلى طبيعتها.

وتلعب القاهرة دوراً محورياً في تيسير هذا الحوار بين واشنطن وأسمرة، حيث التقى بولس بالرئيس المصري عبد الفتاح السيسي مؤخراً لمناقشة هذا الملف. وأبلغ المبعوث الأمريكي الجانب المصري بأن واشنطن تعتزم اتخاذ خطوات ملموسة لرفع العقوبات قريباً، مما يعكس رغبة مشتركة في استقرار منطقة القرن الأفريقي.

وعلى الرغم من هذا التوجه الجديد، لا تزال وزارة الخارجية الأمريكية تلتزم الحذر في تصريحاتها الرسمية، حيث اكتفى متحدث باسمها بالإشارة إلى التطلع لتعزيز العلاقات مع شعب وحكومة إريتريا. ولم تقدم الوزارة إجابات محددة حول الجدول الزمني لرفع العقوبات، مما يشير إلى حساسية الملف وتداخل تعقيداته الدولية.

وتواجه هذه الخطوة انتقادات من بعض الأوساط الحقوقية والسياسية، نظراً للسجل القاسي للنظام الإريتري الذي يوصف غالباً بـ 'كوريا الشمالية الأفريقية'. وتصنف منظمات دولية إريتريا كواحدة من أكثر الدول استبداداً في العالم، بسبب ممارسات القمع الممنهج للمعارضين والتجنيد الإجباري طويل الأمد للشباب.

إلا أن الواقعية السياسية تبدو هي المحرك الأساسي لإدارة ترامب، التي ترى أن عزل إريتريا لم يحقق النتائج المرجوة بل دفعها نحو محاور معادية. ويرى مسؤولون أمريكيون أن الانخراط المباشر قد يمنح واشنطن نفوذاً أكبر في منطقة تعج بالقواعد العسكرية الأجنبية، خاصة في جيبوتي المجاورة التي تضم قواعد للصين وروسيا.

وكانت إدارة ترامب قد شنت حملة جوية واسعة ضد الحوثيين في عام 2025 لوقف هجماتهم على السفن التجارية، وهي الحملة التي توقفت بعد تفاهمات هشة. ومع عودة التهديدات الحوثية باستهداف الملاحة مجدداً، باتت واشنطن تنظر إلى إريتريا كشريك محتمل لا يمكن تجاهله في معادلة أمن البحر الأحمر.

ويحذر محللون استراتيجيون من أن رفع العقوبات دون الحصول على تنازلات ملموسة من نظام أفورقي قد يرسل إشارات خاطئة للأنظمة الاستبدادية في المنطقة. ويتساءل البعض عن المقابل الذي ستحصل عليه الولايات المتحدة لقاء هذه المكافأة الدبلوماسية، وما إذا كان النظام الإريتري سيغير سلوكه الداخلي أو الإقليمي.

كما تبرز مخاوف من أن يؤدي التقارب الأمريكي الإريتري إلى تأجيج الصراعات في القرن الأفريقي، خاصة مع التوترات المتصاعدة بين إريتريا وإثيوبيا. وتخشى واشنطن في أحاديث مغلقة من اندلاع حرب جديدة بين الجارتين، في ظل مطالبات إثيوبية بالوصول إلى المنافذ البحرية التي تسيطر عليها إريتريا.

إن الثروات المعدنية الهائلة التي تمتلكها إريتريا وموقعها الجغرافي الفريد يجعلان منها مطمعاً للقوى الدولية المتنافسة على النفوذ في أفريقيا. ومن هنا، تسعى واشنطن لقطع الطريق على أي تغلغل إضافي للصين أو روسيا في هذا البلد، من خلال تقديم حوافز اقتصادية وسياسية تبدأ برفع العقوبات.

في نهاية المطاف، تمثل هذه المبادرة الأمريكية مقامرة استراتيجية تهدف إلى إعادة ترتيب الأوراق في منطقة البحر الأحمر المضطربة. وسيكون لنتائج هذا الحوار مع أسمرة تداعيات كبرى ليس فقط على أمن الملاحة، بل على توازنات القوى في القارة الأفريقية والشرق الأوسط على حد سواء.

Tags

Share your opinion

واشنطن تسعى لإنهاء عزلة إريتريا لتأمين البحر الأحمر ومواجهة تهديدات الحوثيين

Newsletter

Be the first to know the most important breaking news as it happens.

Stay up to date with the latest news. Subscribe to our breaking news service delivered to your inbox daily.

By subscribing, you agree to our Terms and Conditions and Privacy Policy.