Thu 23 Apr 2026 9:37 pm - Jerusalem Time

طواحين الهوية في الجزائر: قراءة في ذكرى الربيع الأمازيغي وصراع التيارات

تحل هذه الأيام ذكرى ما يُعرف بـ'الربيع الأمازيغي' في الجزائر، وهي المحطة التي انطلقت شرارتها في العشرين من أبريل عام 1980. جاءت تلك الأحداث رداً على قرار تعسفي بمنع محاضرة للكاتب الراحل مولود معمري حول الشعر الأمازيغي في جامعة تيزي وزو، مما فجر احتجاجات واسعة في منطقة القبائل طالبت بالاعتراف بالهوية الثقافية واللغوية.

لم تتوقف تداعيات هذا الصراع عند الثمانينيات، بل عادت لتطل برأسها بشكل مأساوي في عام 2001 خلال ما عُرف بـ'الربيع الأسود'. تلك الفترة شهدت حصيلة كارثية بلغت 127 قتيلاً، بالإضافة إلى مئات الجرحى الذين أصيب بعضهم بإعاقات دائمة، مما عمق الجراح في الذاكرة الجمعية لسكان المنطقة والجزائريين عموماً.

في الوقت الراهن، يرى مراقبون أن 'الجزائر الجديدة' لا تزال تكرر أخطاء الماضي في التعامل مع الملفات الثقافية. فقد منعت السلطات الأمنية مؤخراً جلسة بيع بالتوقيع لكتاب الباحثة فاطمة أوصديق المعنون بـ'الهويات المتمردة' في العاصمة، وقامت بحجز النسخ وإغلاق المكتبة، في خطوة تعيد للأذهان سياسات المنع القديمة.

تزامن هذا المنع مع عودة 'طواحين المعارك الثقافية' للدوران من جديد، خاصة مع انتشار مقال قديم للروائي أمين الزاوي. المقال الذي كُتب قبل عشر سنوات بالفرنسية وأعيدت ترجمته، أثار موجة من الجدل بسبب نبرته التي اعتبرها البعض إقصائية تجاه البعد العربي للجزائر، مما زاد من تسميم الأجواء المشحونة أصلاً.

على الجانب الآخر، يبرز التيار العروبي الإسلاموي بمواقف لا تقل حدة، حيث مثلها المؤرخ محمد لمين بلغيث الذي سُجن سابقاً لوصفه الأمازيغية بأنها 'صنيعة صهيونية'. ورغم الإفراج عنه بعفو رئاسي، إلا أن خطابه يعكس عمق الاستقطاب الهوياتي الذي يغذيه غياب الحوار الوطني الشامل والشفاف.

يشير الكاتب إلى مفارقة لافتة في سلوك بعض النخب الثقافية الجزائرية، سواء المحسوبة على التيار العروبي أو الأمازيغي. فبينما يهاجم البعض دول الخليج العربي أو يتنكر للروابط التاريخية، يتسابق هؤلاء أنفسهم للمنافسة على الجوائز الأدبية والمالية التي تقدمها تلك الدول، مما يكشف عن ازدواجية في المعايير.

بالعودة إلى التاريخ، يبرز دور قبائل 'كتامة' أو ما يُعرف بـ'قبائل الحضرة' كعماد للدولة الفاطمية التي انطلقت من المغرب الأوسط لتؤسس القاهرة. هذا التاريخ يؤكد أن التنوع الأمازيغي كان دوماً جزءاً أصيلاً من الفعل الحضاري الإسلامي والعربي، وليس نقيضاً له كما تحاول بعض التيارات المتطرفة تصويره.

يستذكر الكاتب طفولته في ضواحي قسنطينة، حيث كانت الإشاعات المغرضة تُبث في الشوارع لتشويه سكان منطقة القبائل واتهامهم بالخيانة أو التفريط في الدين. كانت هذه البروباغندا تهدف إلى خلق فجوة بين أبناء الشعب الواحد، وهو أسلوب دأبت عليه أجهزة معينة لضمان السيطرة السياسية عبر سياسة 'فرق تسد'.

حتى الرياضة لم تسلم من هذا الاستقطاب، حيث كانت تُفسر خيارات المدربين الوطنيين بناءً على انتماءاتهم الجهوية. ففي مونديال 1982، طاردت اتهامات 'الجهوية' المدرب محي الدين خالف، بينما كانت الجماهير البسيطة تحب اللاعبين لأدائهم الكروي بعيداً عن أصولهم العرقية، مما يعكس فطرة شعبية تتجاوز الانقسامات المصطنعة.

يرى المحللون أن النظام الجزائري استمر في استخدام ورقة الهوية كأداة لضرب الحراك الشعبي الذي انطلق في عام 2019. فمن خلال إثارة النعرات الجهوية، حاولت السلطة تفتيت الكتلة البشرية الموحدة التي طالبت بالتغيير الجذري، وهو ما أدى في النهاية إلى ظهور حركات تطالب بالانفصال كحركة 'الماك'.

إن السياسات الأمنية المتبعة في منطقة القبائل أنتجت ردود فعل راديكالية، ساهمت في إضعاف التيار الوطني الجامع. وبدلاً من احتواء التنوع الثقافي كعنصر قوة، تم تحويله إلى لغم ينفجر عند كل أزمة سياسية، مما يعيق بناء دولة المواطنة التي يتساوى فيها الجميع أمام القانون.

المقال يدعو إلى ضرورة توقف هذه 'الطواحين التفريقية' التي تستنزف طاقات المجتمع الجزائري في صراعات وهمية. إن الدرس المستفاد من عقود من التوتر هو أن الحل لا يكمن في المنع أو الإقصاء، بل في الاعتراف المتبادل والاعتزاز بكل مكونات الهوية الوطنية دون مفاضلة أو تهميش.

تظل الحاجة ملحة لبروز 'ربيع جزائري' حقيقي يزهر بالتصالح مع الذات والتاريخ، بعيداً عن الكوابيس 'الدونكيشوتية' التي تفتعل المعارك مع طواحين الهواء. الجزائر غنية بتنوعها، وهذا التنوع يجب أن يكون جسراً للتواصل مع المحيط العربي والأمازيغي والإفريقي، وليس جداراً للعزلة.

في الختام، يبقى الرهان على وعي الأجيال الجديدة التي تجاوزت الكثير من عقد الماضي، لتبني وطناً يسع الجميع. إن التصالح مع الهوية هو الخطوة الأولى نحو الاستقرار السياسي والتنمية الاقتصادية، وهو السبيل الوحيد لإنهاء حلقة الصراعات المفرغة التي أرهقت البلاد لعقود طويلة.

Tags

Share your opinion

طواحين الهوية في الجزائر: قراءة في ذكرى الربيع الأمازيغي وصراع التيارات

Newsletter

Be the first to know the most important breaking news as it happens.

Stay up to date with the latest news. Subscribe to our breaking news service delivered to your inbox daily.

By subscribing, you agree to our Terms and Conditions and Privacy Policy.