في سياق دولي تتزايد فيه الأزمات وتتشابك فيه المصالح، برزت اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الفساد كإطار معياري عالمي يسعى إلى ترسيخ مبادئ النزاهة والشفافية والمساءلة، وحماية المال العام من الهدر والاستغلال. غير أن تصاعد النزاعات المسلحة، خاصة في العالم العربي، أعاد تشكيل بيئة الحوكمة العامة بشكل جذري، وفرض معوقات بنيوية عميقة أعاقت تنفيذ هذه الاتفاقية، بل وأضعفت فعاليتها في أكثر السياقات احتياجًا لها.
ولا يقتصر الأمر في العالم العربي على كونه ساحة نزاعات داخلية، بل يتجاوز ذلك ليصبح في كثير من الأحيان مجالًا لتقاطع مصالح قوى إقليمية ودولية تستخدم أراضيه وموارده لتحقيق غايات سياسية واستراتيجية. هذا التوظيف الخارجي يعمّق من هشاشة الدول، ويُضعف استقلالية القرار الوطني، كما يخلق بيئات أكثر عرضة للفساد، حيث تتداخل الاعتبارات السياسية مع الاقتصادية، وتُمنح الامتيازات أو تُدار الموارد وفق توازنات النفوذ لا وفق معايير الشفافية والمساءلة. وفي ظل هذه الديناميات، تتعقد جهود مكافحة الفساد، إذ لا تعود مرتبطة فقط بإصلاح داخلي، بل تتأثر أيضًا بشبكات مصالح عابرة للحدود يصعب إخضاعها للمساءلة التقليدية.
الحروب، بطبيعتها، لا تقتصر على تدمير البنية التحتية المادية، بل تمتد لتقويض أسس الدولة ذاتها، بما في ذلك المؤسسات الرقابية، وأجهزة إنفاذ القانون، والنظم القضائية. وفي ظل هذا التآكل، تتراجع سيادة القانون، وتُستبدل أولويات الإصلاح والرقابة بأولويات البقاء والأمن. كما أن تعدد الفاعلين، وتداخل السلطات، وظهور قوى غير رسمية، كلها عوامل تخلق بيئات ضبابية تضعف الشفافية وتُعقّد المساءلة.
في هذه البيئات، تتفاقم مخاطر الفساد بشكل ملحوظ، سواء من خلال استغلال الموارد العامة، أو سوء إدارة المساعدات، أو التلاعب بعقود إعادة الإعمار، أو الالتفاف على القيود التجارية. ويزداد الأمر تعقيدًا مع تراجع التعاون الدولي نتيجة التوترات السياسية، مما يعيق تبادل المعلومات واسترداد الأصول المنهوبة. كما أن حالات الطوارئ تُستخدم أحيانًا لتبرير توسيع صلاحيات السلطة التنفيذية على حساب الشفافية، ما يفتح المجال أمام ممارسات فاسدة يصعب تتبعها أو محاسبتها.
وفي ظل هذه التحديات، تصبح اتفاقية مكافحة الفساد، رغم أهميتها، أداة محدودة الفاعلية ما لم تُدعّم بآليات مرنة تتكيف مع واقع النزاع، وتُراعي هشاشة المؤسسات، وتُعزز دور الفاعلين المحليين والدوليين في الرقابة. فالتحدي لم يعد فقط في وجود المعايير، بل في القدرة على تطبيقها في بيئات تفتقر إلى الحد الأدنى من الاستقرار المؤسسي.
ضمن هذا السياق العام، تبرز الحالة الفلسطينية كنموذج بالغ التعقيد، حيث لا تقتصر التحديات على آثار النزاع، بل تتداخل مع واقع الاحتلال، الذي يفرض قيودًا هيكلية عميقة تعيق بشكل مباشر قدرة الفلسطينيين على بناء مؤسسات فعالة أو تطبيق معايير النزاهة وفق الأطر الدولية.
فالاحتلال لا يحد فقط من السيطرة على الموارد، بل يقيد الحركة، ويُضعف السيادة القانونية، ويُجزئ الجغرافيا، ويُخضع الاقتصاد لقيود خارجية، ما يجعل من الصعب، إن لم يكن مستحيلًا، إنشاء منظومة متكاملة للحوكمة الرشيدة. كما أن الاعتماد الكبير على المساعدات الدولية، في ظل غياب سيطرة كاملة على الموارد، يخلق تحديات إضافية تتعلق بالشفافية والمساءلة، لا بسبب ضعف الإرادة دائمًا، بل نتيجة القيود المفروضة على أدوات الرقابة ذاتها.
ولا يقتصر أثر الاحتلال على إعاقة مسارات الإصلاح المؤسسي فحسب، بل يتجاوز ذلك إلى فرض أعباء مركبة ومتفاقمة، خاصة في ظل حرب الإبادة في غزة والاستهداف الممنهج للوجود الفلسطيني في الضفة الغربية. فهذه السياسات لا تخلق فقط أزمات إنسانية واقتصادية خانقة، بل تُثقل كاهل المؤسسات الفلسطينية بمهام طارئة تتعلق بالبقاء وإدارة الأزمات، على حساب جهود الإصلاح وبناء النزاهة. وفي هذا السياق، يبدو أن الاحتلال لا يكتفي بفرض قيود بنيوية، بل يُعيد إنتاج واقع يكاد يكون مستحيل التعايش معه، من خلال تقويض الاستقرار، وإضعاف الثقة بالمؤسسات، والتحريض المستمر ضدها، وفرض شروط سياسية وإدارية معقدة تجعل من الامتثال للمعايير الدولية أمرًا بالغ الصعوبة. وبهذا، تتحول بيئة العمل العام إلى حقل من التحديات المتراكمة، حيث لا تتكسر فقط أدوات الإصلاح، بل تتبدد أيضًا فرص تطبيقها قبل أن تبدأ.
ورغم هذه الظروف، يُطالب الفلسطينيون بشكل مستمر بإجراء إصلاحات مؤسسية عميقة، وتُربط في كثير من الأحيان حقوقهم السياسية، بما في ذلك حقهم في تقرير المصير، بمدى تقدمهم في هذه الإصلاحات. هذا الطرح، رغم وجاهته من حيث المبدأ، يتجاهل في كثير من الأحيان السياق القسري الذي تعمل فيه المؤسسات الفلسطينية، ويضعها أمام معادلة شبه مستحيلة.
ينطبق على هذه الحالة المثل القائل: “مكسور لا تأكل، وصحيح لا تكسر، وكل لتشبع”، حيث يُطلب من الفلسطينيين تحقيق معايير الحوكمة الكاملة دون توفير الحد الأدنى من الشروط السيادية التي تمكّنهم من ذلك، وفي الوقت ذاته تُستخدم أوجه القصور، الناتجة جزئيًا عن هذا الواقع، كذريعة لتأجيل أو تقييد حقوقهم.
ولا تقتصر هذه المفارقة على الحالة الفلسطينية وحدها، بل تنسحب بدرجات متفاوتة على عدد من الدول المتأثرة بالنزاعات، حيث يُطلب من حكومات تعمل في بيئات هشة تحقيق معايير عالية من الشفافية والمساءلة، دون أن يُؤخذ بعين الاعتبار حجم التحديات البنيوية التي تواجهها. هذا التناقض يطرح تساؤلات جوهرية حول عدالة النظام الدولي، ومدى واقعية ربط الحقوق السياسية بقدرات مؤسسية تتأثر بعوامل خارجة عن إرادة الدول.
في المحصلة، تكشف الحروب عن فجوة عميقة بين المعايير الدولية والواقع الميداني، وتبرز الحاجة إلى مقاربات أكثر إنصافًا ومرونة في تطبيق اتفاقية مكافحة الفساد، تأخذ بعين الاعتبار خصوصية السياقات المتأثرة بالنزاع، وتفصل بين متطلبات الإصلاح وحقوق الشعوب الأساسية. فبدلًا من أن تكون هذه التحديات مبررًا للتراجع، يمكن أن تشكل دافعًا لإعادة التفكير في أدوات الحوكمة، بما يضمن تحقيق النزاهة دون تجاهل الواقع، ويعزز العدالة دون فرض شروط تعجيزية.
* فلسطيني من قطاع غزة، مدير المكتب الإقليمي- الائتلاف من أجل النزاهة والمساءلة- أمان، حاصل على ماجستير في العلوم السياسية- دراسات إقليمية- جامعة القدس أبوديس.





Share your opinion
بين الاحتلال والإصلاح.. إشكاليات الحوكمة في الحالة الفلسطينية