تُختصر الحروب في أدبيات السياسة والمؤرخين بلغة المجازر والمعارك وأسماء القادة والأسلحة، لكنها في ذاكرة الشعوب تتخذ شكلاً آخر أكثر التصاقاً بالتفاصيل اليومية. بالنسبة للبنانيين الذين عاصروا الحرب الأهلية، لم تكن الحرب مجرد تواريخ، بل كانت إعادة ترتيب قسرية للمنازل والخطط والمقتنيات التي تحولت إلى أدوات للنجاة.
فرضت سنوات الاقتتال الطويلة التي امتدت لخمسة عشر عاماً نمطاً معيشياً يعتمد على 'ألف باء' الاستعداد للهرب في أي لحظة. أصبحت الشموع والمفاتيح المعلقة خلف الأبواب وراديو الجيب قطعاً لا غنى عنها، حيث وُضعت دائماً في متناول اليد تحسباً لأي طارئ أمني قد يفرض النزوح المفاجئ.
شملت قائمة أدوات البقاء عناصر حيوية مثل غالونات الماء، وبطاقات الهوية، والبطانيات، وحقائب النزوح المجهزة مسبقاً. كما لم تخلُ هذه الاستعدادات من عبوات الدواء الضرورية، وبعض الأطعمة الموضبة على عجل، وما أمكن حمله من لعب الأطفال لتخفيف وطأة الرعب عن الصغار.
بعد مرور عقود على تلك الحقبة التي خلفت أكثر من 150 ألف قتيل، لا تزال هذه الأدوات ترتبط في الذاكرة الجماعية بمحاولات النجاة المستميتة. إنها ذاكرة ملموسة تستعيد زمناً كاملاً بالصوت والصورة والأحاسيس، وتجسد الرغبة الفطرية في التكيف والاستمرار رغم الموت المحيط.
كان الراديو يمثل صلة الوصل الوحيدة مع العالم الخارجي في عتمة الملاجئ والبيوت الموصدة، في زمن لم يعرف الهواتف الذكية أو الرسائل الفورية. عبر موجات الأثير، كانت المحطات الإذاعية تطلع السكان على أخبار الجبهات المشتعلة، وتحدد لهم الطرق السالكة أو تلك التي تتربص بها القناصة.
رسم المذياع ملامح اليوم اللبناني خلال الحرب، فكان سماع نشرات الأخبار جزءاً أصيلاً من ضروريات النجاة والتحرك. ورغم تراجع استخدامه اليوم، إلا أن صوته لا يزال يبعث في نفوس الكثيرين ذكريات الماضي، كونه كان النافذة التي تنبئ بدنو هدنة أو اقتراب خطر داهم.
في ظل انقطاع التيار الكهربائي المستمر، كانت الشموع هي التي تمنح السكان الحد الأدنى من الحياة داخل الملاجئ المظلمة. لولا تلك الإضاءة البسيطة، لما تمكنت العائلات من رؤية وجوه بعضها أو تناول الطعام، ولما استطاعت الأمهات تهدئة روع أطفالهن خلال ليالي القصف الطويلة.
الحرب أعادت ترتيب المنازل اللبنانية، فحددت وجهة استخدام الغرف وما يستوجب اقتناؤه ومكان الاحتفاظ به قرب الأبواب وفي أدراج المطبخ.
ترتبط الشمعة في الوجدان اللبناني بالقلق والتجمعات العائلية القسرية، وبالقدرة العالية على تحمل الظلام بانتظار خيوط الصباح الأولى. وحتى اليوم، ومع كل تدهور أمني أو اقتصادي، يسارع اللبنانيون لتخزين الشموع كفعل لا إرادي نابع من تجارب مريرة سابقة مع غياب البدائل.
أما غالون الماء، فقد كان الاحتفاظ به ممتلئاً ضمانة أساسية للوصول إلى شريان الحياة عندما تحتدم المعارك ويستحيل الخروج. اعتبرت عملية ملء الغالونات تمريناً يومياً على الاستعداد للسيناريو الأسوأ، حيث يصبح الحصول على شربة ماء تحدياً كبيراً في ظل الحصار والقنص.
كانت بطاقة الهوية أداة تعريف ضرورية، لكنها في الوقت ذاته تحولت إلى نقمة في بلد انقسم على ذاته طائفياً وحزبياً. في كثير من الأحيان، كانت هذه البطاقة الصغيرة سبباً مباشراً للخطف أو القتل، بينما كانت في مناطق أخرى وسيلة لتسهيل المرور أو الحصول على خدمات أساسية.
كرّست الحرب مصطلح 'القتل على الهوية' في القاموس اللبناني، وهو تعبير لا يزال يتردد حتى اليوم للتذكير بأهوال الانقسام. بقيت الهوية شاهدة على زمن كان فيه الانتماء الطائفي كافياً لإنهاء حياة إنسان، مما جعل حملها مغامرة محفوفة بالمخاطر والآمال في آن واحد.
تختصر 'حقيبة النزوح' فلسفة الاستغناء والتمسك بما هو جوهري فقط، فهي تبيّن الأشياء التي يختار المرء أن ترافقه في رحلة المجهول. ضمت هذه الحقائب وثائق هامة، ثياباً قليلة، وما تيسر من مدخرات كالذهب أو المال، بالإضافة إلى مقتنيات تذكارية لا يمكن تعويضها.
كانت اللحظة التي يقرر فيها المرء اللجوء إلى حقيبته هي اللحظة الفاصلة بين حياة مستقرة وخراب محتمل قد يطال كل ما تركه خلفه. الحقيبة هي ما نجا به المرء من أتون الحرب، وهي كل ما سيمتلكه لبدء حياة جديدة في مكان آخر، بعيداً عن دوي المدافع.
إن بقاء هذه الأشياء الصغيرة في الذاكرة يفوق تذكر أسماء الرابحين والخاسرين في الصراعات المسلحة. فالناس يتذكرون كيف عاشوا وتفاصيل صمودهم، وكيف تحولت أدوات بسيطة إلى 'قشة نجاة' ودليل مادي على إرادتهم الصلبة في البقاء رغم كل الدمار.





Share your opinion
ذاكرة الأشياء الصغيرة: كيف اختصرت 'حقيبة النزوح' والراديو يوميات الحرب اللبنانية؟