تتجدد مع إطلالة شهر رمضان المبارك مشاهد الطوابير الطويلة أمام محلات الحلويات في مختلف المدن العربية، حيث يمثل الأسبوع الأول الذروة الاقتصادية الأبرز لهذا القطاع. ولا يقتصر هذا الإقبال على تلبية شهية الصائمين فحسب، بل يعكس تقاليد اجتماعية متجذرة تضع الحلويات كعنصر أساسي في المائدة الرمضانية.
في السوق المصرية، كشفت تقارير صادرة عن شُعب الحلويات بالغرف التجارية أن مبيعات الأصناف التقليدية مثل الكنافة والقطايف تقفز بنسب تتراوح بين 30 إلى 50 بالمئة خلال الأيام الأولى. وتتفوق هذه الفترة على بقية أيام العام من حيث حجم القوة الشرائية وتدفق المستهلكين على المنافذ التقليدية.
أما في منطقة الخليج العربي، وتحديداً في السعودية والإمارات، فإن المتاجر تسجل طلباً استثنائياً على أصناف بعينها مثل اللقيمات والكنافة النابلسية خلال العشر الأوائل. ويرجع محللون هذا النشاط إلى الرغبة النفسية في الاحتفال ببداية الشهر الفضيل وتنوع الموائد العائلية في هذه الفترة.
شهدت السنوات الأخيرة تحولاً لافتاً في سلوك المستهلك، حيث انتقل التفضيل من شراء الحلويات بالوزن التقليدي إلى اقتناء العلب المنسقة والجاهزة. وتبرز هذه الظاهرة بوضوح في مدن مثل دبي والرياض والدوحة، حيث أصبحت 'البوكسات' الرمضانية الخيار الأول للهدايا والتجمعات.
ساهم هذا التوجه الجديد في رفع متوسط قيمة الفاتورة الشرائية الواحدة، حتى في الحالات التي لم تزد فيها الكميات الفعلية المشتراة. ويعكس هذا التحول رغبة المستهلك في الحصول على منتج يجمع بين الجودة العالية والمظهر الجمالي الذي يتناسب مع طبيعة الزيارات العائلية.
على الرغم من هذا الانتعاش، لم تكن الأسواق بمعزل عن تأثيرات التضخم العالمي التي طالت المواد الأساسية الداخلة في صناعة الحلويات. فقد أدى ارتفاع أسعار السكر والسمن والدقيق إلى زيادة ملموسة في أسعار المنتج النهائي، مما وضع ميزانيات الأسر تحت الاختبار.
سوق الحلويات في رمضان لا يشهد ذروة واحدة فقط، بل موجتين واضحتين؛ الأولى في بداية الشهر، والثانية مع اقتراب عيد الفطر.
دفعت هذه الضغوط السعرية بعض العائلات إلى تبني استراتيجيات بديلة، مثل تقليل الكميات المشتراة أو العودة إلى تحضير الحلويات منزلياً. ومع ذلك، يظل الطلب على المحلات الشهيرة قائماً، خاصة في المناسبات والعزائم الكبرى التي تتطلب كميات وتنوعاً يصعب توفيره في المنزل.
لعبت التكنولوجيا دوراً محورياً في إعادة تشكيل خارطة الاستهلاك الرمضاني من خلال تطبيقات التوصيل الذكية. وأفادت مصادر في شركات التوصيل بأن الطلبات تبلغ ذروتها القصوى في الساعة التي تسبق أذان المغرب مباشرة، مما يعكس اعتماداً متزايداً على الحلول الرقمية.
تظهر البيانات أيضاً موجة ثانية من ارتفاع الطلب تبدأ بعد صلاة التراويح، حيث يفضل الكثيرون تجنب الازدحام المروري الخانق في المدن الكبرى. وقد ساعدت هذه التطبيقات المحلات التجارية على الوصول إلى قاعدة عملاء أوسع وتسهيل عملية الشراء في أوقات الذروة.
يلاحظ المراقبون أن نشاط السوق يمر بمرحلة من الاستقرار النسبي بعد انقضاء الأسبوع الأول، حيث يبدأ نمط الاستهلاك في الهدوء تدريجياً. لكن هذا الهدوء لا يدوم طويلاً، إذ سرعان ما تعود الحركة للارتفاع مع اقتراب العشر الأواخر من الشهر الفضيل.
ترتبط الموجة الثانية من الانتعاش بالاستعدادات لعيد الفطر المبارك، حيث يتحول التركيز من الحلويات الرمضانية التقليدية إلى كعك العيد والمعمول. هذا التذبذب في منحنى الطلب يجعل من شهر رمضان موسماً استثنائياً يتطلب استعدادات لوجستية وتجارية خاصة من قبل أصحاب المتاجر.
في الختام، تظل الحلويات في رمضان أكثر من مجرد صنف غذائي، فهي جزء أصيل من الطقوس اليومية التي تعزز الأجواء الاحتفالية. إن حجم الإقبال في الأسبوع الأول يعد مؤشراً قوياً على كيفية إعادة تشكيل الشهر الفضيل لأنماط الاستهلاك والحركة الاقتصادية في المنطقة العربية.





Share your opinion
سوق الحلويات الرمضانية.. لماذا يتصدر الأسبوع الأول ذروة الاستهلاك العربي؟