واشنطن - "القدس" دوت كوم– سعيد عريقات
قبل يومين فقط من انتخابات رئاسة بلدية نيويورك المقررة يوم الثلاثاء 4 تشرين الثاني 2025، يعيش التيار التقدمي اليهودي في المدينة واحدة من أكثر لحظاته السياسية تعقيداً منذ عقود. فبينما يتصدر المرشح الديمقراطي الاشتراكي زهران ممداني استطلاعات الرأي، في مواجهة الحاكم السابق أندرو كومو المتهم في قضايا فساد واعتداءات جنسية، يجد كثير من الناخبين اليهود أنفسهم أمام معادلة مربكة: كيف يصوّتون لمرشح يجسد قيم العدالة الاجتماعية التي يؤمنون بها، لكنه في الوقت ذاته من أبرز المنتقدين لسياسات إسرائيل في غزة؟
هذا التناقض كشف عن انقسام داخلي حاد داخل القاعدة التقدمية اليهودية التي لطالما بدت موحدة في دعمها لقضايا المساواة وحقوق الأقليات. فبعد انسحاب براد لاندر، السياسي اليهودي المعروف بانتمائه للتيار التقدمي، وتأييده العلني لممداني، كان من المتوقع أن تنتقل كتلة ناخبيه إليه بسلاسة. لكن مواقف ممداني من الصراع الفلسطيني الإسرائيلي، ودعمه الصريح لحركة مقاطعة إسرائيل (BDS)، قلبت المشهد رأساً على عقب، وأدخلت الجالية اليهودية التقدمية في حالة من التردد والانقسام.
في الانتخابات التمهيدية التي جرت في حزيران الماضي، حصل لاندر على نحو 20% من أصوات الناخبين اليهود، متقدماً على نسبته بين عموم سكان المدينة (11%). غير أن دعمَه اللاحق لممداني لم يكن كافياً لتوحيد القاعدة خلف المرشح الجديد، إذ بدأ كثير من التقدميين اليهود بإعادة النظر في قناعاتهم السياسية عندما أصبحت المواقف من إسرائيل حاضرة بقوة في الخطاب الانتخابي.
عدد من مؤيدي لاندر عبّروا صراحة عن مخاوفهم من فوز ممداني. الشاب جوناثان ماركوس من مانهاتن قال لصحيفة وكالة التلغراف اليهودية (JTA) إنه صوّت لاندر في الجولة الأولى، لكنه سيمنح صوته الآن لأندرو كومو، معتبراً أن فوز ممداني "سيعطي زخماً للخطاب المعادي لإسرائيل في الشارع النيويوركي".
لكن في المقابل، يرى آخرون أن ممداني يمثل اتجاهاً جديداً لا يمكن تجاهله. الصحفي اليهودي المخضرم ريتشارد غولدشتاين قال إنه سيصوت له رغم تحفظه على مواقفه من إسرائيل، مشيداً ببرنامجه الاجتماعي وبقدرته على التواصل مع القواعد الشعبية. وأضاف: "لست صهيونياً، ولا أريد أن تكون إسرائيل محور السياسة الأميركية. أريد فقط أن نعيش في مدينة أكثر عدلاً وإنصافاً".
الحاخامة جيل جاكوبس، المديرة التنفيذية لمنظمة "تروعاه" لحقوق الإنسان، تمثل نموذجاً لتردد شريحة واسعة من التقدميين اليهود. فقد دعمت لاندر بحماسة، لكنها لم تُظهر الحماس نفسه تجاه ممداني، مشيرة إلى شكوكها في خبرته الإدارية، رغم إقرارها بأنه أبدى استعداداً حقيقياً للحوار مع قيادات الجالية اليهودية، وأن حملته ركزت على قضايا السكن والمعيشة التي تمس حياة سكان نيويورك اليومية. وكتبت على صفحتها في "فيسبوك": "معظم الناس لا يستيقظون وهم يفكرون في إسرائيل وفلسطين، بل في كيفية دفع الإيجار والعناية بأطفالهم، وهذا ما يعكس جوهر حملة ممداني".
وقد أظهر تحليل في نيويورك تايمز الخميس الماضي أن 56% من مؤيدي لاندر في نظام التصويت التفضيلي انتقلوا لاحقاً لدعم ممداني، فيما ذهبت نصف الأصوات الأخرى إلى كومو، ما يعكس الانقسام العمودي داخل الجالية اليهودية التقدمية. لاندر نفسه قال إنه يلتقي مؤيديه لمحاولة طمأنتهم بشأن ممداني، متسائلاً معهم: "ما الذي يحتاجون إلى سماعه ليشعروا بالثقة؟".
هذا الانقسام يتجسد أيضاً في شهادات شخصية. أندريا شير، معالجة نفسية يهودية في السبعينيات من عمرها، تقول إنها كانت تضع ممداني في المرتبة الأخيرة فقط لمنع فوز كومو، لكنها اليوم "تميل بنسبة 90%" للتصويت له رغم تحفظاتها على مواقفه من إسرائيل، مضيفة: "أعتمد على ذكائه وقدرته على التعلم من تواصله مع الحاخامات". أما أرلين غايغر، مؤسسة مجموعة العمل التقدمية في الجانب الغربي الأعلى، فتقدّر أن نحو 90% من أعضاء مجموعتها سيصوتون لممداني "لكن بدرجات متفاوتة من الحماسة".
في المقابل، يقرّ بعض اليهود الصهاينة الليبراليين مثل هيلل هيرشباين بأنهم يعيشون تناقضاً داخلياً بين المبدأ والسياسة. فهو يرى أن ممداني "يمتلك رؤية قوية لمدينة أكثر عدلاً"، لكنه يصف تصريحاته السابقة حول إسرائيل بأنها "مقلقة"، قبل أن يضيف: "سأصوت له لأن العدالة الاجتماعية في نيويورك أهم من خلافاتنا حول الشرق الأوسط".
استطلاعات الرأي الأخيرة تؤكد تقدم ممداني بفارق مريح على كومو، لكن داخل المجتمع اليهودي يبقى الدعم له محدوداً نسبياً. فبحسب استطلاع جامعة كوينيبياك، يفضّل 50% من اليهود التصويت لكومو مقابل 26% فقط لممداني، فيما أبدى الباقون تردداً أو تحفظاً.
بهذا، تكشف انتخابات نيويورك عن مفارقة أخلاقية وسياسية في صميم التجربة التقدمية اليهودية: فبينما يتبنى كثيرون من أبنائها خطاب العدالة الاجتماعية والمساواة، ما زالت المواقف من إسرائيل تمثل اختباراً حساساً يحدد الولاءات السياسية وحتى الهويات الفردية. بالنسبة لهؤلاء، التصويت لممداني ليس تأييداً كاملاً، بل رهان على الأمل بأن ينجح في بناء مدينة أكثر إنصافاً دون أن يشعل خطوط الانقسام الديني والعرقي.
ورغم كل مظاهر الانقسام، تُظهر المؤشرات أن الناخبين اليهود في مدينة نيويورك سيمنحون بأغلبية ضئيلة أصواتهم لزهران ممداني، مدفوعين ببرنامجه الاجتماعي ورغبتهم في طي صفحة الانقسامات.





Share your opinion
انقسام الناخبين اليهود في نيويورك بين العدالة الاجتماعية ومواقف إسرائيل