ما يجب أن يفهمه الشعبان هو أن الطرف الآخر لن يختفي. لا بالحرب، ولا بالإرهاب، ولا بالاحتلال، ولا بالضم، ولا بالمستوطنات، ولا بالصواريخ، ولا بالتجويع، ولا بالشعارات، ولا بالدعاء بزوال الآخر.
اليوم يعيش بين النهر والبحر عدد متقارب من اليهود والفلسطينيين. لا هذا الشعب سيرحل، ولا ذاك الشعب سيختفي. ولا يستطيع أي منهما القضاء على الهوية الوطنية للطرف الآخر. نحن مرتبطون ببعضنا البعض بالجغرافيا، والتاريخ، والدين، والذاكرة، والصدمات، والدم. والسؤال ليس ما إذا كنا سنعيش معًا على هذه الأرض، بل السؤال الحقيقي الوحيد هو: هل سنستمر في الموت معًا من أجلها؟
على مدى عقود، غذّت الحركتان الوطنيتان نفسيهما بالأوهام. لقد تربى الفلسطينيون على فكرة أن الكفاح المسلح سيحرر فلسطين كاملة في نهاية المطاف. وتربى الإسرائيليون على فكرة أن التفوق العسكري قادر على قمع الطموحات الوطنية الفلسطينية إلى الأبد. وقد فشلت الفكرتان، فشلًا ذريعًا ومأساويًا.
كان ينبغي للسابع من أكتوبر، والحرب التي تلته، أن يدفنا هذه الأوهام إلى الأبد. فحماس لم تحرر فلسطين، بل جلبت دمارًا لا يوصف على غزة وعمّقت الصدمة لدى الإسرائيليين والفلسطينيين على حد سواء. وإسرائيل لم تنجح، رغم القوة العسكرية الهائلة، في القضاء على الوطنية الفلسطينية. فبعد عشرات آلاف القتلى، وأحياء كاملة مُسحت من الوجود، وأجيال كاملة تعيش تحت وطأة الصدمة، ما زال الشعب الفلسطيني موجودًا، يطالب بالحرية والكرامة والدولة.
الدرس يجب أن يكون واضحًا: العنف يستطيع قتل البشر، لكنه لا يستطيع قتل الهوية الوطنية.
لا يزال عدد كبير جدًا من القادة على الجانبين أسرى شعارات لم تعد تمت للواقع بصلة. فمن الجانب الفلسطيني، لا يزال هناك من يتحدث وكأن اليهود مجرد مستعمرين غرباء لا علاقة شرعية لهم بهذه الأرض. ومن الجانب الإسرائيلي، هناك وزراء وحاخامات يتحدثون علنًا عن طرد الفلسطينيين والسيطرة الدائمة على كامل الأرض. كلا المعسكرين منفصل عن الواقع، وكلاهما يقود شعبه نحو كارثة لا نهاية لها.
أصعب حقيقة يجب على الفلسطينيين مواجهتها هي أن إسرائيل ليست ظاهرة مؤقتة. إنها مجتمع متجذر يضم ملايين البشر الذين وُلدوا هناك، وبنوا حياتهم هناك، ودفنوا آباءهم هناك، ولا مكان آخر يذهبون إليه. وأصعب حقيقة يجب على الإسرائيليين مواجهتها هي أن الفلسطينيين ليسوا مشكلة ديمغرافية يمكن إدارتها أو التخلص منها، بل هم شعب يمتلك حقوقًا وطنية، وذاكرة جماعية، وارتباطًا عميقًا بأرضه ووطنه.
المستقبل لن يكون لأولئك الذين يحلمون بالملكية الحصرية للأرض، بل لأولئك الذين يدركون أن شعبين قد كُتب لهما أن يتقاسما هذه الأرض.
بالنسبة لي، ما زلت أرى أن الحل هو دولتان لشعبين. ليس لأنه حل مثالي، بل لأن كل البدائل الأخرى تقود إما إلى حرب دائمة، أو إلى واقع شبيه بالفصل العنصري، أو إلى تطهير عرقي، أو إلى تدمير التطلعات الوطنية لأحد الشعبين على يد الآخر. ولا واحد من هذه الخيارات أخلاقي أو قابل للاستمرار أو واقعي.
لكن إذا كان لقيام دولتين أن يصبح يومًا ممكنًا، فلا بد أولًا من حدوث أمر أكثر أهمية: على الشعبين أن يتخلّيا عن فكرة أن العدالة لا تتحقق إلا من خلال هزيمة الطرف الآخر وإذلاله.
السلام يتطلب من الفلسطينيين التخلي عن وهم تدمير إسرائيل. كما يتطلب من الإسرائيليين التخلي عن وهم السيطرة الدائمة على الفلسطينيين. والسلام يحتاج إلى شجاعة أخلاقية أكبر بكثير من تلك المطلوبة للحرب.
كما أنه يتطلب قيادة جديدة. قيادة تتحدث بصدق مع شعوبها بدل أن تغذيهم بالأكاذيب المريحة. قيادة تُعدّ المجتمعين نفسيًا للتسوية، بدل تعبئتهما الدائمة ضد أعداء أبديين.
والمجتمع الدولي أيضًا مطالب بالتوقف عن تغذية الأوهام. فالتصريحات الفارغة، والغضب الانتقائي، والدبلوماسية الاستعراضية، والإدارة اللانهائية للصراع، كلها فشلت. وعلى العالم أن يتوقف عن تمويل استمرار الصراع، وأن يبدأ بالاستثمار الجدي في إنهائه.
ونعم، يجب أن تكون هناك مساءلة عن الجرائم التي ارتكبتها جميع الأطراف. لكن المساءلة من دون أفق سياسي تتحول ببساطة إلى سلاح إضافي في استمرار الصراع.
ما نحتاجه اليوم ليس المزيد من الانتقام، بل خيالًا سياسيًا يستند إلى الواقع.
والواقع بسيط: لا أحد من الشعبين سيختفي أو يرحل.
لقد حان الوقت لأن نتوقف عن تعليم أطفالنا أن أسمى أشكال الوطنية هو الموت من أجل الأرض. إن أسمى أشكال الوطنية يجب أن يكون بناء مستقبل يستطيع فيه أطفال الجانبين أن يعيشوا حياة طبيعية، من دون خوف، ومن دون كراهية، ومن دون حروب لا تنتهي.
هذا لن يتحقق عبر النصر العسكري.
بل سيتحقق فقط عندما يفهم الشعبان أخيرًا أن حريتهما، وأمنهما، ومستقبلهما، مترابطة بشكل لا يمكن فصله.