واشنطن – "القدس" دوت كوم - سعيد عريقات
بينما دخل وقف إطلاق النار في غزة أسبوعه الثالث، شهدت المنطقة واحدة من أكثر التحركات الدبلوماسية الأميركية كثافة منذ بدء الحرب. فقد أوفدت واشنطن رجال أعمال ومبعوثين مقربين من الرئيس الأميركي دونالد ترمب، مثل ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر، إلى جانب نائب الرئيس جي. دي. فانس ووزير الخارجية ماركو روبيو، إلى إسرائيل في محاولة منسقة لتثبيت الهدنة الهشة وممارسة ضغط مباشر على رئيس وزراء إسرائيل بنيامين نتنياهو، الذي يجد نفسه محاصراً بين المطالب الأميركية وضغوط حلفائه من اليمين المتطرف ومساعيه للاستمرار في السلطة.
ورغم أن وقف النار ما زال صامداً، فإن هشاشته تتضح يوماً بعد يوم، وسط حسابات سياسية معقدة تشمل أيضاً موقف حركة حماس التي تسعى بدورها إلى استثمار الهدنة دون الظهور بمظهر الخضوع لشروط إسرائيل أو واشنطن.
تحرك أميركي متعدد المستويات
توزعت المهمة الأميركية على ثلاثة مسارات متكاملة: الأول قاده ويتكوف وكوشنر عبر قنوات خلفية للتفاوض مع الإسرائيليين والوسطاء الإقليميين، ولا سيما في القاهرة والدوحة، لضمان تنفيذ بنود التهدئة وتبادل الأسرى وتدفق المساعدات.
أما المسار الثاني، فكان علنياً، مثّله نائب الرئيس فانس الذي زار إسرائيل وأطلق تصريحات حادة ضد ما سماه "الألعاب السياسية" في الكنيست، في إشارة إلى مساعي بعض أحزاب اليمين المتطرف لإسقاط الهدنة واستئناف العمليات العسكرية وضم الضفة الغربية.
المسار الثالث جاء عبر وزير الخارجية الأميركي روبيو، الذي تفقّد مركز التنسيق الأميركي في جنوب إسرائيل، المكلّف بمتابعة تطبيق اتفاق الهدنة وضمان إيصال المساعدات الإنسانية بإشراف مباشر من واشنطن. وقد لمح روبيو إلى نية بلاده تقليص دور بعض وكالات الأمم المتحدة، في خطوة تعكس رغبة البيت الأبيض في الإمساك بكافة خيوط المشهد الميداني والإغاثي.
نتنياهو بين واشنطن وتل أبيب
تبدو معادلة نتنياهو شديدة التعقيد: فهو من جهة يعتمد على الدعم الأميركي العسكري والسياسي، ومن جهة أخرى يواجه تمرداً داخل حكومته اليمينية الرافضة لأي هدنة دائمة مع حماس. وقد حذّر بعض وزرائه من أن "واشنطن تسلب إسرائيل حقها في الدفاع عن نفسها"، فيما يرى آخرون أن كسر الهدنة سيؤدي إلى عزلة دولية غير مسبوقة.
يحاول نتنياهو المناورة بين الطرفين، مكرراً في العلن أن إسرائيل "تتخذ قراراتها باستقلالية"، لكنه في الكواليس يتعامل مع ضغوط أميركية مباشرة تطال تفاصيل العمليات العسكرية وحتى ملف إعادة الإعمار.
ويرى مراقبون أن واشنطن، عبر فريقها المكوّن من شخصيات قريبة من الرئيس ترمب، باتت تمسك بزمام القرار الإسرائيلي في ما يتعلق بغزة، مستخدمة مزيجاً من الضغوط السياسية والإغراءات الأمنية. ومع ذلك، فإن نفوذها الكبير هذا محفوف بالمخاطر، إذ قد يثير رد فعل عكسي داخل اليمين الإسرائيلي الذي يرى في التدخل الأميركي مساساً بالسيادة الوطنية، ما قد يضعف قدرة نتنياهو على الالتزام الكامل بتعهداته أمام واشنطن.
حماس: من الصمود العسكري إلى اختبار السياسة
أما على الجانب الفلسطيني، فقد تبنّت حركة حماس مقاربة مزدوجة: فهي من جهة تحاول تثبيت وقف النار واستثمار الهدنة لترميم قدراتها المدنية والعسكرية في غزة، ومن جهة أخرى ترفض الانخراط في أي ترتيبات تراها "إملاءات أميركية – إسرائيلية".
مسؤولون في الحركة أكدوا أن أي ترتيبات أمنية أو إعادة إعمار يجب أن تتم عبر "إجماع وطني فلسطيني"، لا عبر لجان تديرها واشنطن أو تل أبيب.
وفي الوقت نفسه، تحاول حماس، عبر الوسطاء المصريين والقطريين، تثبيت مكاسب سياسية من الحرب، من خلال إبراز نفسها طرفاً لا يمكن تجاوزه في أي مستقبل سياسي لغزة، سواء تعلق الأمر بالإدارة المدنية أو بالضمانات الأمنية.
ورغم موافقتها على الالتزام بالهدنة، فإن الحركة ترفض حتى الآن تسليم أي سلاح أو قبول قوات دولية في القطاع. هذا الموقف، وإن كان يعقّد الحسابات الأميركية، فإنه يمنح الحركة رصيداً شعبياً داخل غزة، حيث ينظر إليها كثيرون بوصفها القوة الوحيدة التي واجهت إسرائيل عسكرياً، في وقت تبدو فيه السلطة الفلسطينية غائبة عن المشهد.
الهدنة الهشة ومستقبل الإعمار
ميدانياً، استمرت حالة الهدوء النسبي، مع تسجيل خروقات محدودة في مناطق التماس. وتمّ خلال الأسبوع الماضي إدخال مساعدات إنسانية محدودة، وإعادة دفعات من الأسرى، فيما حافظ الجيش الإسرائيلي على وجوده الجزئي قرب حدود القطاع.
غير أن الوضع الإنساني لا يزال كارثياً. وتشير تقارير الأمم المتحدة إلى أن نحو 80% من سكان غزة يعانون من انعدام الأمن الغذائي، وأن البنية التحتية مدمرة إلى حدّ يصعب معه إطلاق عملية إعمار سريعة ما لم تتوفر ضمانات دولية واضحة.
تسعى واشنطن، من خلال مركز التنسيق الذي تفقده روبيو، إلى إدارة عملية الإعمار بما يضمن السيطرة على حركة الأموال والمساعدات. غير أن هذا النهج، وإن كان يهدف إلى ضبط الفساد ومنع تسرب الأموال إلى الجماعات المسلحة، يُنظر إليه على نطاق واسع كأداة لتكريس النفوذ الأميركي، وتهميش دور المؤسسات الفلسطينية والدولية. وهو ما يثير مخاوف من أن يتحول ملف الإعمار إلى ساحة صراع نفوذ إقليمي بين واشنطن والقاهرة والدوحة وتل أبيب.
وفي المقابل، تُظهر التطورات أن وقف إطلاق النار ليس ثمرة توازن عسكري بقدر ما هو نتاج ضغط سياسي أميركي مكثّف. فالأطراف قبلت بالهدنة بدافع الإرهاق والضغوط، لا بدافع القناعة بحلّ دائم، ما يجعل الهدنة أشبه بـ"فترة راحة مؤقتة" أكثر من كونها بداية لسلام مستقر. ومع بقاء جذور الصراع على حالها — من احتلال، وحصار، وغياب أفق سياسي — يبقى احتمال انهيار الهدنة قائماً في أي لحظة.
لقد نجحت واشنطن مؤقتاً في إبقاء وقف إطلاق النار قائماً، وفي لجم اندفاعة نتنياهو نحو التصعيد، لكنها لم تقترب بعد من تسوية حقيقية.
أما حماس، فقد خرجت من الحرب مثخنة بالجراح لكنها أكثر رسوخاً سياسياً، فيما يقف نتنياهو بين نارين: رضى واشنطن وسخط حلفائه في الداخل.
وفي ظل هذا التوازن الحرج، تبقى الهدنة الحالية مجرد استراحة بين جولات، أكثر منها خطوة على طريق سلامٍ دائم