أثارت وزيرة الخارجية الأميركية
السابقة هيلاري كلينتون جدلاً واسعاً بعد تصريحات وجّهت فيها اللوم إلى منصة "تيك
توك" ومقاطع الفيديو القصيرة المنتشرة عليها، معتبرة أنها لعبت دوراً محورياً
في تغيّر مواقف الشباب الأميركي إزاء إسرائيل والصراع الفلسطيني–الإسرائيلي. وقالت
كلينتون إن كثيراً من هذه المواد "مفبرك" أو "مقتطع من سياقه"
ويسهم في "تشويه حقيقة ما يجري"، على حد تعبيرها.
جاءت تصريحات كلينتون خلال
مشاركتها في مؤتمر نظمته صحيفة "إسرائيل هيوم" اليمينية في نيويورك، يوم
الثلاثاء 2 كانون الأول 2025. وتعد الصحيفة منصة إعلامية مقربة من اليمين
الإسرائيلي وتملكها المليارديرة الأميركية–الإسرائيلية مريام أدلسون، أرملة ملك
القمار شيلدون آديلسون، وهي إحدى أبرز داعمي رئيس وزراء إسرائيل بنيامين نتنياهو
وراعية الحملات الموالية لإسرائيل داخل الولايات المتحدة. ومنذ بداية مداخلتها،
بدا واضحاً أن خطاب كلينتون موجّه لجمهور يتبنى مسبقاً الرواية الإسرائيلية
التقليدية، وأن حضورها جاء لتعزيز هذه السردية أكثر منه لفتح نقاش حول التحولات
العميقة في الرأي العام الأميركي.
ويجدر بالذكر أن ميريام
آديلسون، تبرعت بأكثر من 100 مليون دولار لحملة دونالد ترمب الرئاسية عام 2024.
ورغم إصرارها على أن المنصات
الرقمية "تضلل الشباب، بما في ذلك الشباب اليهود الأميركيين" ، تجاهلت
كلينتون حقيقة أن تراجع التأييد لإسرائيل وسط الأجيال الشابة يسبق ظهور "تيك
توك"، وأن العوامل التي تقف خلفه أعمق بكثير مما تعرضه المقاطع القصيرة. فقد
شهد العقد الأخير تنامياً لوعي حقوقي لدى الشباب، مستنداً إلى تقارير منظمات دولية
تصف الواقع في الأراضي الفلسطينية بأنه نظام فصل عنصري، وإلى مشاهد الحصار والدمار
والمعاناة اليومية والحرب الإسرائيلية على غزة، إضافة إلى تساؤلات متزايدة حول
الدعم الأميركي اللامشروط لإسرائيل طوال عقود.
هذا التحول البنيوي في الوعي
السياسي جعل من الصعب على المؤسسة التقليدية إقناع الأجيال الجديدة بالسردية
القديمة، سواء عبر الإعلام التقليدي أو الخطاب السياسي الرسمي. ومع ذلك، فضّلت
كلينتون اختزال النقاش في "تلاعب رقمي" دون تقديم أي مثال محدد على مواد
مفبركة أثرت في المزاج العام. ويعكس هذا الاتهام غير الموثق توجهاً متكرراً داخل
النخبة السياسية الأميركية، يميل إلى تحميل التكنولوجيا مسؤولية فشل السياسات في
إقناع الجمهور، بدلاً من الاعتراف بتآكل الثقة في الرواية الرسمية.
وتبنّت كلينتون خطاباً مشابهاً
لما يتردد في الأوساط اليمينية الإسرائيلية التي ترى في "تيك توك"
تهديداً لصورتها الدولية؛ لا لأنه يروج للأكاذيب، بل لأنه يكسر احتكار الرواية،
وينقل مشاهد من الميدان لا تمر عبر قنوات الرقابة التقليدية. وفي هذا السياق،
يعتقد بعض المراقبين أن مداخلتها جاءت بما يخدم التوجه الأيديولوجي للجهة المنظمة،
مشيرين إلى احتمال حصولها على مقابل مالي كبير من مريام أدلسون للمشاركة وإطلاق
هذه المواقف.
يشار إلى أن منصة "تيك توك
أمريكا" تم شرائها من قبل الصهيوني العتيد، لاري إليسون، صاحب شركة
"اوراكل" العملاقة، والذي يعتبر من أهم ممولي جيش الاحتلال الإسرائيلي.
وتكشف تصريحات كلينتون أيضاً
اتساع الفجوة داخل الحزب الديمقراطي نفسه. فالأجيال الشابة التي شكّلت تاريخياً
قاعدة دعم قوية للحزب باتت أكثر نقداً لسياسته الشرق أوسطية، وأكثر ميلاً إلى
قراءة الصراع من زاوية حقوق الإنسان، لا من زاوية التحالفات الجيوسياسية
التقليدية. تجاهل كلينتون لهذا التحول يعكس قلقاً متزايداً داخل الحزب من أن يمتد
تغيّر المزاج العام إلى صناديق الاقتراع، بما قد يضعف الإجماع الداخلي الذي كان
يمنح إسرائيل دعماً ثابتاً على مدى عقود.
ويرى خبراء أن خطاب كلينتون في
المؤتمر لا يمكن قراءته بوصفه نقاشاً حول الإعلام الجديد فحسب، بل باعتباره محاولة
لاستعادة السيطرة على سردية سياسية فقدت النخبة التقليدية احتكارها. حيث أن انتشار
الهواتف الذكية وتدفق الفيديوهات المباشرة من داخل غزة والضفة الغربية قلّصا قدرة
المؤسسات السياسية والإعلامية على التحكم بما يصل إلى الجمهور، وفتحا الباب أمام
جيل يرفض معادلة "إسرائيل فوق النقد" وينظر بقدر أكبر من الشك إلى
تبريرات الطبقة السياسية.
وبدت تصريحات كلينتون كمحاولة
للدفاع عن مقاربة سياسية تراجع تأثيرها أمام واقع جديد يتشكل خارج قاعات المؤتمرات،
في فضاء رقمي بات أكثر تنوعاً وتأثيراً من أي وقت مضى. خطابها بدا أشبه بمحاولة
للعودة إلى الماضي أكثر منه سعياً لفتح نقاش جدي حول مستقبل العلاقة
الأميركية–الإسرائيلية وتحول المزاج الشعبي داخل الولايات المتحدة.
وبحسب عدد من المصادر، فقد تلقت
هيلاري كلينتون مبلغا قيما من المال مقابل مشاركتها في مؤتمر "إسرائيل
هيوم" وقول ما قالته في المؤتمر.