تحليل

الأحد 01 مارس 2026 2:34 مساءً - بتوقيت القدس

اغتيال خامنئي.. زلزال استراتيجي يعيد صياغة المواجهة بين واشنطن وطهران

لم تعد الحرب الدائرة ضد إيران تسير وفق القواعد التقليدية التي سبقت عملية اغتيال المرشد الأعلى علي خامنئي، إذ لم يكن هذا الحدث مجرد ضربة عسكرية نوعية، بل لحظة فاصلة نقلت الصراع من مستوى إعادة الردع إلى مستوى كسر النظام في رمزه السيادي والأيديولوجي الأعلى. ومع هذا التحول الجذري، ارتفع سقف المواجهة إلى حد لم يعد يسمح بالعودة إلى منطق الرسائل التكتيكية المتبادلة.

قبل هذا الاغتيال، كان المشهد يُقرأ بوصفه تقاطعاً بين نزعة دونالد ترامب الصدامية التي توظف القوة لفرض صفقات كبرى، وبين حاجة بنيامين نتنياهو لترميم صورة الردع الإسرائيلي المهتزة منذ السابع من أكتوبر. كانت الضربات تُفهم كأدوات ضغط ضمن معادلة تصعيد يمكن السيطرة عليها، لكن استهداف رأس النظام حوّل المعركة إلى صراع بقاء لا يقبل القسمة على اثنين.

إن سقوط خامنئي لم يمثل غياب قائد عسكري عابر، بل غياب المرجعية الدينية والسياسية التي شكلت عمود النظام الإيراني طوال عقود مضت. ويمتد أثر هذا الحدث ليشمل ملايين المسلمين الذين يرون في الولي الفقيه رمزاً عقائدياً، مما يجعل من استهدافه إهانة رمزية تتجاوز الحدود السياسية لتطال البنية الرمزية للهوية الإسلامية في مواجهة ما يوصف بالتوحش الأمريكي والصهيوني.

أصاب الاغتيال البنية الرمزية للنظام الإيراني في مقتل، فالرجل كان المرتكز الذي تدور حوله شرعية الدولة واستمراريتها. وحين يُستهدف هذا الرمز، لا يكون الرد مجرد حسابات باردة للخسائر والمكاسب، بل يصبح دفاعاً مستميتاً عن الكيان نفسه لإثبات أن النظام لم يُكسر وأن دماء المرشد ستكون لها أثمان باهظة وغير مسبوقة.

في هذا السياق المتفجر، تتقاطع حسابات ترامب ونتنياهو على نحو يزداد خطورة، حيث يؤمن كلاهما بأن كسر السقف هو الطريق الأقصر لفرض واقع جيوسياسي جديد. ترامب، بفلسفته القائمة على التفاوض من موقع القوة المطلقة، يرى في الضربة وسيلة لإعادة تعريف التوازن مع طهران، بينما يراها نتنياهو فرصة تاريخية لتحويل مساره من رئيس وزراء مأزوم إلى قائد وجه الضربة القاضية لخصمه الاستراتيجي.

لكن ما بدا في لحظة اتخاذ القرار كذروة للحسم، سرعان ما تحول إلى بوابة لتصعيد شامل وغير محكوم، فالنظام الذي يُصاب في قلبه لا يملك ترف الرد المحدود. إن أي رد فعل باهت سيُفسر على أنه ضعف أو بداية للانهيار، ولذلك اتجهت طهران نحو تصعيد واسع يهدف بالدرجة الأولى إلى استعادة الهيبة المفقودة وتثبيت حضورها كقوة إقليمية لا يمكن تجاوزها.

لقد خرجت الحرب فعلياً من منطق إدارة الصراع التقليدي لتنخرط في منطق إدارة الفوضى الشاملة، حيث أصبح الانتقال إلى التهدئة أمراً معقداً للغاية. كل طرف في هذه المعادلة بات أسيراً لصورته أمام جمهوره؛ فلا ترامب يستطيع التراجع بعد ضربة بهذا الحجم، ولا إيران يمكنها القبول بواقع يظهرها بمظهر المنكسر الذي يكتفي بردود رمزية لا ترقى لمستوى الحدث.

المفارقة تكمن في أن التشابه الشخصي بين ترامب ونتنياهو في تقديس صورة الرجل القوي قد يدفع المنطقة نحو سباق تصعيد محموم. الحرب، بخلاف الصفقات التجارية، لا تنتهي دائماً عند النقاط التي يحددها صانعوها، بل تتشعب في مسارات غير متوقعة وتفرض إيقاعها الخاص على الجميع، مما يجعل مآلاتها مفتوحة على كافة الاحتمالات الكارثية.

اغتيال خامنئي أعاد تشكيل المشهد الإقليمي بالكامل، محولاً المواجهة من صراع حدود وردع إلى معركة تمس جوهر الأنظمة وصورتها أمام شعوبها. المنطقة اليوم تقف أمام معادلة شديدة الخطورة، حيث ولدت الضربة القصوى رداً أقصى، وبين تحالف النار وثأر الوجود يتحدد مستقبل الشرق الأوسط الذي قد يخرج بخرائط جديدة كلياً.

في المقابل، يبرز المشهد العربي الرسمي ككتلة عاجزة تكتفي بموقف المشاهد الذي يتلقى الضربات وتُستغل مقدراته في حروب الآخرين. هذا العجز يتجلى في غياب أي دور فاعل أو تأثير حقيقي في مجريات الأحداث، بل إن بعض المواقف الرسمية تبدو وكأنها متواطئة عبر الصمت أو الاكتفاء ببيانات إنشائية تدعو لضبط النفس في وقت تشتعل فيه المنطقة.

لقد اختفت مصطلحات تحرير فلسطين من القاموس السياسي الرسمي، وحلت محلها مفردات مائعة تدعو إلى حل الصراعات بالطرق السلمية وخفض التصعيد. هذا التحول في الخطاب يعكس حالة من الاغتراب عن القضايا المركزية، حيث يتم ملاحقة وتجريم كل من يحاول مقاومة الاحتلال، في مفارقة تاريخية تعكس حجم الانكسار في المنظومة العربية الرسمية.

إن الصراع الحالي لم يعد يتعلق فقط بمن يملك القوة العسكرية الأكبر، بل بمن يمتلك القدرة على تحمل الكلفة الباهظة للسير في طريق المواجهة حتى نهايته. وبينما تنشغل القوى الكبرى برسم ملامح النظام الإقليمي الجديد بالدم والنار، تظل الشعوب هي الضحية الأولى لهذه التحولات التي قد تترك جروحاً غائرة يصعب التئامها لعقود طويلة.

الاستراتيجية الإيرانية في المرحلة المقبلة ستتركز على إعادة بناء جدار الردع الذي تحطم باستهداف رأس الهرم، وهو ما يعني أن الردود قد لا تقتصر على الجغرافيا الإسرائيلية بل قد تمتد لتطال المصالح الأمريكية في المنطقة. هذا التصعيد الممنهج يهدف إلى إيصال رسالة واضحة مفادها أن ثمن استهداف الرموز السيادية سيكون أغلى مما يتخيله صانع القرار في واشنطن أو تل أبيب.

ختاماً، فإن الشرق الأوسط يقف اليوم على حافة تحول تاريخي قد يؤدي إما إلى ولادة توازنات قوى جديدة أو إلى غرق المنطقة في دوامة من العنف المفتوح. إن غياب المشروع العربي الموحد يجعل من ساحات المنطقة ميادين لتصفية الحسابات الدولية، مما يضع مستقبل الأجيال القادمة في مهب الريح وسط صراع الإرادات الوجودية بين القوى الإقليمية والدولية.

عربي ودولي

الأحد 01 مارس 2026 2:03 مساءً - بتوقيت القدس

نعيم قاسم ينعى خامنئي ويتوعد بالرد: تساؤلات حول طبيعة تدخل حزب الله

أصدر الأمين العام لحزب الله، الشيخ نعيم قاسم، بياناً رسمياً نعى فيه المرشد الأعلى للجمهورية الإسلامية الإيرانية علي خامنئي، مشدداً على أن الحزب لن يتوانى عن أداء دوره في مواجهة التطورات الراهنة. وأكد قاسم في كلمته أن المقاومة ستبقى حاضرة في الميدان ولن تتراجع عن التزاماتها مهما تعاظمت التضحيات المطلوبة في هذه المرحلة الحساسة.

وقد أثارت الصياغة التي وردت في بيان النعي، وتحديداً عبارة 'القيام بالواجب في التصدي للعدوان'، موجة من التساؤلات في الأوساط السياسية والإعلامية. وتركزت هذه التساؤلات حول ماهية الخطوات المقبلة التي قد يتخذها الحزب، وما إذا كان الرد سينحصر في الإطار السياسي والدبلوماسي أم سيتجاوز ذلك إلى تحركات ميدانية مباشرة.

وأفادت مصادر مطلعة بأن الشارع اللبناني يعيش حالة من الترقب الشديد بانتظار الموقف النهائي والعملي للحزب، خاصة وأن القيادة كانت قد وضعت في وقت سابق خطوطاً حمراء واضحة. وكان من أبرز تلك الخطوط أن أي استهداف للمرشد الإيراني سيعني تغييراً جذرياً في قواعد الاشتباك القائمة بين الأطراف الإقليمية والدولية.

وفي سياق متصل، دعا حزب الله أنصاره والجماهير اللبنانية للمشاركة في تجمع حاشد بالعاصمة بيروت، تعبيراً عن الغضب والرفض لما وصفه بـ'الجريمة الأمريكية' والعدوان الذي استهدف إيران. وتأتي هذه الدعوة في وقت تتصاعد فيه حدة الخطاب السياسي ضد التدخلات الخارجية التي تستهدف قادة محور المقاومة في المنطقة.

وعلى الصعيد الرسمي اللبناني، ترأس الرئيس جوزيف عون اجتماعاً للمجلس الأعلى للدفاع بحضور رئيس الحكومة نواف سلام ولفيف من الوزراء والمسؤولين الأمنيين والعسكريين. وناقش المجتمعون التداعيات الأمنية المتسارعة في المنطقة، وبحثوا الإجراءات الكفيلة بحماية الاستقرار الداخلي ومنع انزلاق البلاد نحو مواجهات غير محسوبة.

وتشير التقارير الواردة من بيروت إلى وجود تقاطع في مواقف القوى السياسية اللبنانية حول ضرورة تجنيب لبنان تبعات الصراع الإقليمي المحتدم. ويؤكد المسؤولون اللبنانيون في تصريحاتهم أن الدولة لم تعد تملك القدرة على تحمل أعباء صراعات إضافية، في ظل الأزمات الاقتصادية والسياسية التي تعصف بالبلاد منذ سنوات.

من جانبه، دخل الجانب الإسرائيلي على خط الأزمة من خلال تصريحات لقائد أركان الجيش، الذي حذر من أن المواجهات القادمة ستكون قاسية ومعقدة. وأشار المسؤول العسكري الإسرائيلي إلى احتمالية توسع رقعة الصراع لتشمل جبهات متعددة، في إشارة واضحة إلى الجبهة الشمالية مع لبنان والتحركات المحتملة للفصائل الحليفة لإيران.

ويبقى المشهد الإقليمي مفتوحاً على كافة الاحتمالات، حيث يراقب المحللون بدقة أي تحرك عسكري على الحدود اللبنانية الجنوبية. وتتجه الأنظار الآن نحو الخطاب القادم لقيادة حزب الله، والذي من المتوقع أن يحدد بشكل قاطع مسار المرحلة المقبلة وطبيعة الرد على اغتيال المرشد الإيراني.

فلسطين

الأحد 01 مارس 2026 1:48 مساءً - بتوقيت القدس

مأزق الحوثيين بين ضغوط الداخل اليمني واستحقاقات الإسناد العسكري لإيران

تواجه جماعة الحوثي في اليمن تحديات معقدة مع تصاعد حدة المواجهة العسكرية بين إيران من جهة، والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى. وقد بدأت الماكينة الإعلامية للجماعة مؤخراً في الترويج لضرورة العودة إلى مربع الصراع مع المملكة العربية السعودية، في محاولة للهروب من الأزمة الاقتصادية والمالية الخانقة التي تضرب المناطق الواقعة تحت سيطرتها.

ويرى مراقبون أن قواعد الاشتباك في المنطقة قد تغيرت بشكل جذري، حيث لم يعد بإمكان الحوثيين تسويق أنفسهم كضحية في مواجهة القوة العسكرية السعودية. إن وصول الصواريخ الإيرانية مباشرة إلى العمق الإقليمي جعل من أي تحرك حوثي مجرد صدى لمصالح طهران، دون أن يحقق أي مكاسب حقيقية لليمنيين الذين يعانون من ويلات الفقر.

وتكشف التقارير الميدانية عن وضع إنساني كارثي في صنعاء وبقية المحافظات الخاضعة للجماعة، حيث تصطف طوابير الجائعين بحثاً عن لقمة العيش. هذا الواقع المعيشي الصعب يجعل من أي مغامرة عسكرية جديدة عبئاً لا يمكن للشعب اليمني تحمله، خاصة في ظل انعدام الموارد الأساسية وتوقف الرواتب.

وفي خطاب ألقاه مؤخراً، اكتفى زعيم الجماعة عبد الملك الحوثي بالدعوة إلى أنشطة تضامنية مع إيران، تمثلت في خروج مظاهرات وصفها بالمليونية. ويبدو هذا الموقف حذراً في جوهره، حيث يدرك الحوثيون أن الانخراط العسكري المباشر لإسناد طهران يختلف تماماً عن معركة إسناد غزة التي تحظى بمكانة وجدانية خاصة لدى اليمنيين.

إن المأزق الوجودي الذي يواجه الجماعة يكمن في طبيعة الرد المتوقع من القوى الدولية والإقليمية، والذي قد يكون مدمراً وفورياً. فالحرب الراهنة تضع القضاء على 'الأذرع الإيرانية' كهدف استراتيجي معلن للحكومة الإسرائيلية، التي تسعى لفرض هيمنة مطلقة على المنطقة بدعم أمريكي غير مسبوق.

وتشير التحليلات إلى أن واشنطن وضعت إمكانياتها العسكرية تحت تصرف حكومة نتنياهو، التي لا تخفي رغبتها في إعادة تشكيل خارطة النفوذ الإقليمي. هذا التحالف يسعى لاستغلال اللحظة الراهنة لتوجيه ضربات قاضية للقوى المتحالفة مع إيران في اليمن ولبنان والعراق، مستفيداً من الغطاء الجوي واللوجستي الأمريكي.

وعلى الرغم من الأهداف الإسرائيلية الحصرية في هذه الحرب، إلا أن هناك من يرى فيها فرصة لبعض شعوب المنطقة للتخلص من التأثيرات المدمرة لسياسات الهيمنة. فالقضاء على النفوذ العسكري للجماعات المسلحة قد يفتح الباب أمام استعادة القرار الوطني في الدول التي تعاني من انقسامات حادة وحروب أهلية مستمرة.

لكن تحقيق هذه الأهداف يواجه عقبات ميدانية كبيرة، أهمها غياب التنسيق الحقيقي مع الحكومات الشرعية في الدول المتضررة. فالتجارب السابقة أثبتت أن العمليات العسكرية الجوية وحدها لا تكفي لاجتثاث القوى المتجذرة على الأرض، ما لم تكن هناك استراتيجية شاملة تشمل الجوانب السياسية والاقتصادية.

ويشعر الكيان الإسرائيلي بضرورة التحرك السريع في الوقت الحالي، مستغلاً الدعم السخي من الإدارة الأمريكية الحالية قبل حدوث أي تغييرات سياسية. فهناك مؤشرات داخلية في الولايات المتحدة تدل على تراجع منسوب الحماس الشعبي والسياسي لدعم إسرائيل بشكل مطلق، مما يجعل الوقت عاملاً حاسماً في حسابات تل أبيب.

إن المهمة التي تقودها إسرائيل لإنهاء النفوذ العسكري والسياسي لما يعرف بالأذرع الإيرانية تعتبر 'مهمة غير سارة' للكثيرين في المنطقة. فرغم الرغبة في التخلص من سطوة هذه الجماعات، إلا أن الملايين يرفضون أن يكون التغيير منحة من عدوهم التاريخي، مما يخلق حالة من التوجس الشعبي تجاه نتائج هذه الحرب.

وفي اليمن، يظل التساؤل قائماً حول قدرة الحوثيين على الصمود في وجه موجة تصعيد قد تكون الأعنف منذ سنوات. فالجماعة التي استثمرت في القضية الفلسطينية لتعزيز شرعيتها، تجد نفسها اليوم أمام اختبار حقيقي لمصداقيتها عندما يتعلق الأمر بالدفاع عن المصالح الإيرانية المباشرة.

إن أي انخراط عسكري حوثي في هذه المرحلة لن يكون فرصة للتحلل من الأعباء الاقتصادية كما حدث سابقاً، بل قد يفتح أبواب الجحيم على مناطق سيطرتهم. فالاستهداف المباشر للبنية التحتية وما تبقى من مقدرات اقتصادية سيؤدي إلى انهيار شامل لا يمكن تداركه عبر الشعارات السياسية أو المظاهرات.

وتؤكد مصادر مطلعة أن التنسيق الميداني بين أطراف ما يعرف بمحور المقاومة يواجه تحديات لوجستية وأمنية كبيرة في ظل التفوق التكنولوجي والاستخباراتي الإسرائيلي. هذا التفوق مكن تل أبيب من تنفيذ عمليات اغتيال وضربات دقيقة أربكت حسابات الجماعات المسلحة في أكثر من ساحة.

ختاماً، يبقى المشهد اليمني مفتوحاً على كافة الاحتمالات، حيث تتداخل فيه المعاناة الإنسانية مع الطموحات السياسية الإقليمية. وبينما يترقب العالم نتائج المواجهة الكبرى، يظل المواطن اليمني هو الحلقة الأضعف الذي يدفع ثمن الصراعات التي تتجاوز حدود وطنه وطموحاته البسيطة في العيش بكرامة.

أحدث الأخبار

الأحد 01 مارس 2026 1:48 مساءً - بتوقيت القدس

هبوط اضطراري لطائرة إماراتية تقل إسرائيليين في السعودية وسط التصعيد الإقليمي

أفادت مصادر إعلامية، مساء السبت، بأن طائرة تابعة لشركة 'فلاي دبي' الإماراتية اضطرت لتغيير مسارها والهبوط في أراضي المملكة العربية السعودية. وكانت الطائرة تقل عشرات الركاب الإسرائيليين في رحلة تزامنت مع اندلاع موجة جديدة من التصعيد العسكري في المنطقة.

وتشير التقارير إلى أن هذا الحادث يأتي في وقت حساس للغاية، حيث تشهد الأجواء الإقليمية اضطرابات واسعة نتيجة الضربات المتبادلة بين إيران وقوات الاحتلال الإسرائيلي. وقد تسبب هذا الوضع في حالة من الإرباك لحركة الملاحة الجوية الدولية فوق المنطقة.

وذكرت مصادر مطلعة أن نحو 100 ألف إسرائيلي باتوا عالقين في مطارات العالم المختلفة نتيجة إلغاء الرحلات أو تغيير مساراتها. ومن بين هؤلاء، وجدت مجموعة من المسافرين أنفسهم في مطار سعودي دون ترتيبات مسبقة، حيث بقوا داخل الطائرة لفترة من الزمن.

ونقلت المصادر عن أحد الركاب الإسرائيليين قوله إن شائعات ترددت حول إمكانية نقلهم براً عبر الحافلات إلى مدينة دبي. وأبدى الركاب تخوفهم من هذه الرحلة التي قد تستغرق 12 ساعة، خاصة في ظل غياب الترتيبات الأمنية التي يطالبون بها عادة في مثل هذه الظروف.

وأكدت المعلومات اللاحقة أن السلطات المعنية بدأت بالفعل في ترتيب نقل الركاب بواسطة الحافلات من السعودية باتجاه دولة الإمارات العربية المتحدة. وتأتي هذه الخطوة لضمان وصول المسافرين إلى وجهتهم النهائية بعد تعذر إكمال الرحلة جواً بسبب الظروف الأمنية الراهنة.

وروى ركاب كانوا على متن رحلة من تل أبيب إلى دبي تفاصيل اللحظات الأولى للأزمة، حيث سمعوا إنذارات العمليات العسكرية وهم لا يزالون في الطائرة. وأوضحوا أن حالة من القلق سادت بين المسافرين مع تزايد الأنباء عن بدء الهجمات الصاروخية في المنطقة.

وقال أحد المسافرين إن الطائرة انتظرت نحو 50 دقيقة على مدرج المطار بينما كانت صفارات الإنذار تدوي في الأرجاء قبل أن تتمكن من الإقلاع. ووصف الركاب تلك اللحظات بالصعبة، حيث كان الغموض يلف مصير الرحلة والوجهة التي ستقصدها في ظل إغلاق بعض الأجواء.

من جانبها، ذكرت مسافرة أخرى أن الرحلة بدأت بشكل طبيعي بعد تأخير بسيط في موعد الإقلاع، وكان من المفترض عبور الأجواء الأردنية. إلا أن تغييراً مفاجئاً طرأ على مسار الطائرة بعد نحو ساعتين من الطيران، مما أثار تساؤلات الركاب حول السبب الحقيقي لهذا التحول.

ولاحظ الركاب عبر شاشات العرض داخل الطائرة أن الوقت المتبقي للوصول انخفض بشكل غير منطقي، مما يشير إلى التوجه لمطار قريب. ولم يعلن طاقم الطائرة في البداية عن هبوط اضطراري، بل اكتفوا بالقول إن الطائرة بحاجة للتزود بالوقود بشكل عاجل.

ولم يصدق الركاب رواية التزود بالوقود، معتبرين أنها كانت محاولة لتهدئة الأوضاع وتجنب الذعر بين المسافرين. وبعد الهبوط الفعلي، تبين لهم أن السبب الحقيقي يعود للانفجارات والعمليات العسكرية التي طالت مناطق قريبة من مسار الرحلة الأصلي.

وتزامن هذا الحادث مع عدوان واسع شنه جيش الاحتلال الإسرائيلي بالتعاون مع الولايات المتحدة ضد أهداف في الجمهورية الإسلامية الإيرانية. واستهدفت الهجمات العاصمة طهران وعدة مدن رئيسية منها أصفهان وقم وكرج، مما أدى إلى رد إيراني فوري.

وأعلنت طهران من جانبها عن بدء هجوم انتقامي واسع النطاق استخدمت فيه الصواريخ الباليستية والطائرات المسيّرة الانتحارية. واستهدف الرد الإيراني مواقع عسكرية تابعة للاحتلال، مما أدى إلى شلل شبه كامل في حركة الطيران المدني فوق الأراضي المحتلة والدول المجاورة.

وتشير المصادر العبرية إلى أن الهجوم الإسرائيلي كان يهدف لضرب منشآت حيوية وقيادية، وهو ما دفع المنطقة إلى حافة حرب شاملة. وانعكست هذه التطورات مباشرة على أمن الطيران المدني، مما أجبر شركات الطيران على اتخاذ إجراءات احترازية قاسية.

وفي ختام التطورات، لا يزال التوتر سيد الموقف في المطارات الإقليمية، مع استمرار محاولات إجلاء العالقين وتأمين مسارات بديلة. وتبرز حادثة الهبوط في السعودية كأحد الشواهد على مدى تداخل الملفات السياسية والأمنية في ظل التصعيد العسكري الراهن.

MISCELLANEOUS

الأحد 01 مارس 2026 1:33 مساءً - بتوقيت القدس

إيران تعلن رسمياً اغتيال المرشد الأعلى علي خامنئي وتشكيل مجلس قيادة مؤقت

أعلن التلفزيون الإيراني الرسمي، اليوم الأحد، نبأ اغتيال المرشد الأعلى للثورة الإسلامية علي خامنئي، في تطور دراماتيكي ينهي حقبة الرجل الذي قاد البلاد لعقود. وجاء هذا الإعلان ليؤكد نجاح العملية العسكرية التي أطلق عليها 'زئير الأسد'، والتي نفذتها قوات مشتركة تابعة لواشنطن وتل أبيب واستهدفت مقرات سيادية في العاصمة طهران.

وُلد علي الحسين الخامنئي في مدينة مشهد عام 1939، وبرز كأحد أهم المرجعيات الدينية والسياسية في النظام القائم على ولاية الفقيه. وقد بدأت مسيرته السياسية بمعارضة نظام الشاه، حيث تعرض للاعتقال والنفي عدة مرات قبل أن يصبح ركيزة أساسية في الدولة عقب ثورة عام 1979، متولياً مناصب دفاعية ورئاسية رفيعة.

تولى خامنئي منصب المرشد الأعلى منذ عام 1989 خلفاً لمؤسس الجمهورية روح الله الخميني، متمتعاً بصلاحيات مطلقة شملت قيادة القوات المسلحة ورسم السياسات العامة. وخلال فترة حكمه، عززت إيران نفوذها الإقليمي عبر ما يُعرف بـ'محور المقاومة'، ودعمت فصائل مسلحة في لبنان واليمن وسوريا والعراق، مما وضعه في مواجهة مباشرة ومستمرة مع القوى الغربية وإسرائيل.

أفادت مصادر رسمية أن الهجوم الذي أدى إلى مقتل المرشد أسفر أيضاً عن استشهاد عدد من أفراد عائلته، بينهم ابنته وصهره وحفيده. ووصف الحرس الثوري الإيراني العملية بالعمل الإجرامي الغادر، متوعداً في بيان عاجل برد حاسم وعقاب شديد يطال الجهات المنفذة والمخططة لهذا العدوان الذي استهدف رمز الدولة الأول.

في أعقاب التأكيد الرسمي، أعلنت السلطات الإيرانية حالة الحداد العام في كافة أرجاء البلاد لمدة 40 يوماً، مع تعطيل الدوائر الرسمية والمدارس لسبعة أيام. وتعيش المدن الإيرانية حالة من الترقب والتوتر الشديد، في حين بدأت القوات المسلحة برفع درجة الجاهزية القصوى للتعامل مع أي تداعيات أمنية أو عسكرية إضافية قد تطرأ على المشهد.

من الناحية الدستورية، أعلن أمين المجلس الأعلى للأمن القومي بدء المرحلة الانتقالية لتفادي وقوع فراغ في السلطة. وتم تشكيل مجلس قيادة مؤقت يضم الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان، ورئيس السلطة القضائية محسني إجئي، وعضواً فقيهاً من مجلس صيانة الدستور، وذلك لإدارة شؤون البلاد حتى يتم انتخاب مرشد جديد وفقاً للمادتين 107 و109 من الدستور.

تشير التقارير الواردة من طهران إلى أن مجلس خبراء القيادة سيعقد اجتماعاً طارئاً للبحث في قائمة المرشحين لخلافة خامنئي. وتبرز أسماء عدة في أروقة الحوزات العلمية والدوائر السياسية، من بينها علي رضا أعرافي وهاشم بوشهري، بالإضافة إلى الرئيس الأسبق حسن روحاني، وسط تساؤلات حول قدرة النظام على الحفاظ على توازنه الداخلي.

ميدانياً، بدأت إيران بالفعل رداً أولياً عبر إطلاق رشقات من الصواريخ الباليستية والطائرات المسيرة استهدفت مواقع استراتيجية وقواعد عسكرية تابعة للأطراف المشاركة في العدوان. وتأتي هذه التحركات العسكرية في ظل تصريحات من واشنطن أكد فيها دونالد ترمب إطلاق عمليات قتالية واسعة النطاق تهدف إلى تقويض القدرات العسكرية الإيرانية بشكل كامل.

واجه خامنئي في سنواته الأخيرة تحديات داخلية متزايدة، تمثلت في موجات من الاحتجاجات الشعبية كان آخرها في ديسمبر 2025، نتيجة الأوضاع الاقتصادية والسياسية. ومع ذلك، ظل متمسكاً بنهجه المتشدد تجاه الملف النووي وتطوير البرامج الصاروخية، معتبراً إياها ضمانة أساسية لبقاء النظام وحماية السيادة الإيرانية من التدخلات الخارجية.

يترك غياب خامنئي فراغاً سياسياً ودينياً عميقاً يصعب ملؤه في المدى القريب، نظراً لمركزيته في اتخاذ القرارات المصيرية. ويرى مراقبون أن المرحلة القادمة ستشهد إعادة صياغة للتوازنات الاستراتيجية في منطقة الشرق الأوسط، حيث ستتأثر ملفات الحروب الإقليمية والتحالفات الدولية بشكل مباشر بطبيعة الشخصية التي ستخلفه في منصب الولي الفقيه.

فلسطين

الأحد 01 مارس 2026 1:13 مساءً - بتوقيت القدس

مركز الاتصال الحكومي يرصد أهم التدخلات التي نفذتها الحكومة خلال الأسبوع الماضي

🔴 أصدَرَ مركز الاتصال الحكومي تقريرًا يُبرز أهم التدخلات التنموية والإصلاحية التي نَفَّذَتها الحكومة الفلسطينية، خلال الأسبوع الماضي (22/02/2026 – 28/02/2026)، وهي على النحو الآتي:


⭕ خلال ترؤسه اجتماع خلية الطوارئ الحكومية، السبت، بحضور وزراء ومدراء القطاعات الحيوية، وَجَّهَ رئيس الوزراء برفع جاهزية المؤسسات، لا سيما المرافق الطبية والدفاع المدني والأجهزة الأمنية، تنفيذًا لتوجيهات الرئيس محمود عباس لضمان استمرار الخدمات وتعزيز الأمن والاستقرار وإنفاذ القانون.


⭕ نَفَّذَت وزارة التنمية الاجتماعية سلسلة تدخلات متكاملة في الضفة الغربية وقطاع غزة، استهدفت الفئات الهشّة والأُسر، وشملت توزيع طرود غذائية وغير غذائية وقسائم شرائية، حيث استفاد 2,668 شخصًا بقيمة إجمالية حوالي نصف مليون شيقل، إضافة إلى تقديم 537 خدمة تأمين صحي، و88 تدخلًا للأشخاص ذوي الإعاقة، و79 تدخلًا للمسنين، و186 للمرأة، و161 للطفولة، و131 للأحداث، و17 للحضانات، و35 في التمكين الاقتصادي، و4,337 للأيتام، إلى جانب دعم التطوع والتدريب والجمعيات الخيرية. كما شملت التدخلات تقديم الدعم الإغاثي والاجتماعي، عبر توزيع طرود غذائية وألبسة، وتبرعات عينية، وتحويل مساعدات للجمعيات الشريكة، وتقديم دعم إنساني لمرضى قطاع غزة ومرافقيهم بكوبونات غذائية ونقدية، وتنفيذ استجابات مشتركة تشمل قسائم غذائية وملابس عيد للأطفال بالشراكة مع مؤسسات دولية. وفي قطاع غزة، قَدَّمَت الوزارة أكثر من 379 تدخلًا غذائيًا شمل سلال خضار وفواكه وحليب أطفال ووجبات وخبز وسحور، وتوزيع 1,240 كوب مياه، إضافة إلى 5,300 تدخل غير غذائي شمل طرودًا صحية وفرشات وكسوة شتوية وحقائب كرامة، و4,809 تدخلات في حماية المرأة تضمنت دعمًا نفسيًا واستشارات ومتابعة حالات، و90 تدخلًا لحماية الطفولة، و955 تدخلًا للأيتام.


⭕ وَاصَلَت وزارة الأشغال العامة والإسكان تنفيذ مشاريعها في غزة والضفة الغربية لتعزيز الإيواء والبنية التحتية وتحسين الطرق والخدمات الإنشائية. في قطاع غزة، استكملت الوزارة تركيب الخيام في مخيم الزيتون، وبدأت أعمال تسوية أرض التوم في بيت لاهيا بمساحة 11 دونمًا بدعم من برنامج الأمم المتحدة الإنمائي، تمهيدًا لإنشاء مركز إيواء من وحدات "RHU"، كما أنهت صيانة 232 وحدة سكنية في الحي الإماراتي والياباني بمحافظة خانيونس. وفي مجال إزالة الركام، تم تشغيل أول كسارة محلية وتسوية طريق شارع الرشيد الزوايدة في منطقة الجرف عبر فرد 492 طن من مخرجات الركام. كما نفذت الوزارة أعمال حصر الأضرار في مدينة غزة بواسطة 28 فريقًا ميدانيًا يضم 70 مهندسًا. أما في الضفة الغربية، فقد أحالت دائرة العطاءات المركزية عطاء توسعة مدرسة بنات دير أبو ضعيف الثانوية لصالح وزارة التربية والتعليم العالي، وفتحت عطاءً لتوليد طاقة الرياح لمرفق مياه طوباس بكلفة تقديرية 3.5 مليون يورو. وبدأت الوزارة تنفيذ مشروع تأهيل مفترق "لاكاسا مول– المزرعة الغربية" بمحافظة رام الله والبيرة، واستكملت تنفيذ 30 مشروعًا للطرق الرئيسية والرابطة في مختلف المحافظات تشمل إعادة التأهيل والإصلاحات ومشاريع الطوارئ بتمويل من الخزينة العامة والبنك الإسلامي للتنمية. كما حصل مختبر الوزارة على شهادة اعتماد "ISO17025" لفحوصات التربة، ويتم التحضير لاعتماده في فحوصات الباطون والأسفلت ليصبح مختبرًا مركزيًا معياريًا لتقديم الفحوصات الإنشائية لمؤسسات الدولة.


⭕ عقدت وزيرة الخارجية والمغتربين سلسلة لقاءات مكثفة في جنيف لبحث تطورات الأوضاع في الأرض الفلسطينية المحتلة وسبل تعزيز الدعم الدولي، حيث التقت المفوض السامي لحقوق الإنسان وأكدت أهمية تقاريره في توثيق الانتهاكات، كما بحثت مع نائبة وزيرة حقوق الإنسان والمواطنة سبل تعزيز التعاون الثنائي، واجتمعت مع الأمينة العامة لمؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية مُشيدةً بجهود توثيق الخسائر الاقتصادية ودعم بناء المؤسسات الفلسطينية، والتقت رئيسة الاتحاد الدولي لجمعيات الصليب الأحمر والهلال الأحمر مؤكدةً ضرورة حماية الطواقم الطبية وتأمين ممرات إنسانية إلى غزة، كما اجتمعت بوفد من مجلس الكنائس العالمي لبحث دور الكنائس في دعم العدالة وحماية المقدسات. وعَقَدَت لقاءات ثنائية مع وزراء خارجية أنغولا وآيسلندا وكوبا وفنزويلا، إضافة إلى جنوب أفريقيا وإندونيسيا والسنغال وسويسرا، مركزةً على تعزيز العلاقات الثنائية وتنسيق المواقف الدولية الداعمة للحقوق الفلسطينية، ومثمّنة مواقف جنوب افريقيا الداعمة لفلسطين. كما أكدت في كلمتها أمام مجلس حقوق الإنسان أن الإفلات من العقاب يشجع على استمرار الانتهاكات، داعيةً لإجراءات تضمن المساءلة، ومشددةً أن حل الدولتين هو السبيل الوحيد لتحقيق السلام.


⭕ أكدت وزارة الاقتصاد الوطني أن مخزون المواد الأساسية متوفر ويكفي 6 أشهر، ودَعَت لعدم التهافت على الشراء، والإبلاغ عن المخالفات في الأسواق عبر 129 أو منصة "بهمنا".


⭕ نَفَّذَت وزارة التربية والتعليم العالي سلسلة تدخلات شملت حصد مركزين أولين في الأسبوع العربي للبرمجة بدورته الخامسة، وتنظيم مسابقة حفظ القرآن الكريم المركزية بالشراكة مع وزارة الأوقاف والشؤون الدينية، وإطلاق 31 مبادرة بيئية في المدارس، ومتابعة توسيع الإقبال على النقاط التعليمية الوجاهية في قطاع غزة، إلى جانب إعلان مواعيد امتحان الثانوية العامة، وعقد اجتماعات لمتابعة قضايا التعليم أبرزها مع شبكة المنظمات الأهلية، وإحياء يوم المرشد التربوي الفلسطيني. وعلى صعيد التعليم العالي، أعلنت الوزارة أسماء المرشحين لمنح تايلاند 2026-2027، وأصدَرَت نشرة إرشادية لطلبة الثانوية العامة حول الدراسة في مؤسسات التعليم العالي للعام 2025-2026.


⭕ نَفَّذَت وزارة الداخلية سلسلة تدخلات شملت لقاء الوزير بمنظمة "هالو ترست" لتعزيز الشراكة في إزالة الألغام ومخلفات الحروب ودعم جهود التطهير في الضفة الغربية والقطاع، وافتتاح مركز دفاع مدني جديد في عقربا جنوب شرق نابلس لخدمة أكثر من 67 ألف مواطن، كما ترأس وزير الداخلية اجتماعًا لمتابعة التزامات فلسطين باتفاقية مناهضة التعذيب والتأكيد على مواءمة التشريعات مع المعايير الدولية. ميدانيًا، قبضت الشرطة على 852 مطلوبًا ونفذت 2451 مذكرة قضائية، ونَفَّذَت 48 مهمة ضبط مخدرات، وتابعت 222 حادثة جنائية. ونَفَّذَ الدفاع المدني 103 مهمات إطفاء و64 مهمة إنقاذ، وأصدر 321 تصريحًا مهنيًا وصناعيًا، وفحص ورخّص 279 مصعدًا، وأجرى 914 جولة سلامة عامة. كما تابعت الضابطة الجمركية 49 قضية تهرب ضريبي وجمركي، وأتلفت 24.3 طنًا من بضائع منتهية الصلاحية وغير مطابقة للمواصفات.


⭕تفقد وزير النقل والمواصلات سير العمل في مديرية طولكرم، وبحث سبل تطوير وتنظيم القطاع، وذلك بحضور عطوفة محافظ طولكرم، والتقى ممثلي النقابات في المحافظة، لبحث الحلول المقترحة لتحسين واقع العمل والارتقاء بمستوى الخدمات المقدمة. وفي إطار تعزيز الشراكة والتعاون، فقد جرى توقيع مذكرة تفاهم مع جامعة فلسطين التقنية – خضوري، بهدف تطوير قطاع النقل وتعزيز الإمكانيات العلمية والتقنية في هذا المجال، تدشين خطي سير جديدين لحافلات النقل العام في محافظة طولكرم.


⭕ ترأس وزير الحكم المحلي رئيس مجلس التنظيم الاعلى د. سامي حجاوي، الاجتماع الدوي للمجلس، اليوم الخميس، وذلك بحضور اعضاء المجلس من وكلاء الوزارت وممثلين عن الجهات ذات العلاقة، وامين سر المجلس م. ربا صبح، وتم اتخاذ عدة قرارات.

⭕ قادت هيئة الشؤون المدنية سلسلة تدخلات ميدانية في عدد من المحافظات؛ ففي الخليل واصلت طواقمها التواجد في الحرم الإبراهيمي لتسهيل دخول المصلين خلال رمضان، ونَسَّقَت أعمال صيانة في البلدة القديمة ودورا ورابود. وفي جنين أعادت فتح خمسة طرق زراعية في فقوعة، واستكملت ترتيبات دفن في مخيم جنين، وأدخلت أدوية إلى برطعة، ونَسَّقت صيانة خطوط الصرف الصحي في حي الهدف. وفي نابلس مَكَّنَت مجالس عورتا وبورين وجوريش من إصلاح وتأهيل مداخل القرى في مناطق التماس. أما في طولكرم نَسَقَّت لإعادة فتح بوابات في بيت ليد وأمّنت إزالة العوائق عن مداخلها، ونسّقت استلام عامل مريض على حاجز جبارة. وفي سلفيت مَكَّنَت المزارعين من الوصول إلى أراضيهم قرب مستوطنتي نتافيم وبركان.

⭕ أطلَقَت سلطة الطاقة والموارد الطبيعية حزمة مشاريع لتعزيز الطاقة الذكية والمستدامة، شملت إطلاق المرحلة الثانية من الصندوق الدوّار للطاقة الشمسية بأنظمة تخزين لدعم المنازل والمنشآت الصغيرة، واستكمال التحول إلى العدادات الذكية لرفع كفاءة الشبكات وخفض الفاقد، وتطوير منصة "GIS" موحدة لدعم التخطيط الفني وتحديث شبكات الكهرباء ومشاريع الطاقة المتجددة. كما وَقَّعَت اتفاقية ضمن برنامج التعافي الطارئ بتمويل ياباني بقيمة 27.3 مليون دولار، منها 6.3 مليون لقطاع الطاقة، لتعزيز جودة خدمات الكهرباء وتزويد قطاع غزة بأنظمة طاقة شمسية مع وحدات تخزين.


⭕ نَفَّذَت سلطة جودة البيئة 41 جولة رقابة وتفتيش على منشآت صناعية، وتابعت 6 شكاوى بيئية، وأصدَرَت 15 تصريحًا لاستيراد مواد كيميائية، ومَنَحَت موافقتين بيئيتين لمحطة بث خلوي وتجديد منشأة صناعية، فيما رَفَضَت طلبًا آخر لعدم استيفاء الاشتراطات. كما عَقَدَت ورشة لعرض الإطار المقترح لتصنيف المشاريع والأنشطة تنمويًا وبيئيًا ضمن مشروع تضمين البيئة وتغير المناخ في السياسات الوطنية، ونَظَّمَت دورات للنساء في إعادة تدوير المخلفات البلاستيكية والورقية لتعزيز المشاريع الصغيرة، إلى جانب ورش توعوية حول الحفاظ على المياه واستدامتها.


⭕ شارَكَت وزارة الزراعة مع الإغاثة الزراعية ضمن مشروع الدعم الإنساني المتكامل والتعافي المبكر–المرحلة الثانية بتوزيع 40 طنًا من تقاوي البطاطا لصالح 57 مزارعًا في غزة لزراعة 170 دونمًا، وأطلقت بالشراكة مع "UNDP" مشروع "مبادرتي" لدعم تصنيع الأعلاف البديلة في الأغوار الشمالية، كما نَفَّذَت جولات وزيارات ميدانية لـ37 مزارع عنب في حلحول شمال الخليل ضمن مشاريع تعزيز الصمود وتحسين سبل العيش ومتابعة دعم المزارعين، وَوَقَّعَت اتفاقية مع مجلس قروي الناقورة لإنشاء متنزه عام على أراضي الحراج الحكومي في نابلس، إلى جانب اختتام لقاءات تدريبية متخصصة في التصنيع الغذائي بالشراكة مع جمعية باقة الشرقية في طولكرم استهدفت سيدات لتطوير مشاريعهن الإنتاجية المنزلية.


⭕ أطلَقَ وزير السياحة والآثار مؤتمر "بيت لحم عبر العصور" في جامعة "سابينزا بروما" مؤكدًا رمزية المدينة وعمقها التاريخي، وأكدت الوزارة رفضها محاولات السيطرة على موقع سبسطية باعتباره جزءًا أصيلًا من التاريخ الوطني. كما افتتحت تدريبًا مُتخصصًا لإعداد تقارير الحفريات الأثرية لتطوير التوثيق العلمي، واستقبلت حديقة تل بلاطة الأثرية في نابلس مجموعات سياحية دولية لتنشيط الحركة السياحية، وتابعت أعمال صيانة مكتبة بلدية جنين في البلدة القديمة حفاظًا على قيمتها التراثية، إضافة إلى استقبال وفد الطائفة السامرية لتعزيز التعاون في حماية وتطوير المتحف السامري على جبل جرزيم.


⭕ أصدَرَ ديوان الجريدة الرسمية العدد (235) من الجريدة الرسمية "الوقائع الفلسطينية"، وأتاح التشريعات المنشورة عبر المرجع الإلكتروني للجريدة الرسمية لتسهيل وصول المواطنين إليها، كما أطلَق بالتعاون مع جامعة فلسطين الأهلية برنامجًا تدريبيًا قانونيًا متخصصًا لخريجي كلية الحقوق بعنوان "أُسس إبداء الرأي القانوني على مشاريع التشريعات"، ووقّع مذكرة تفاهم وتعاون مشترك مع جامعة فلسطين التقنية خضوري.


⭕ بَحَثَت وزارة العمل مع مسرعة الأعمال "Flow" ومؤسسة "SPARK" تطوير سياسات داعمة لخلق فرص عمل نوعية، وترأست الوزيرة جلسة التقييم النهائي لمشروع "كن التأثير" لدعم التعاونيات بتمويل التعاون الإيطالي وبدعم منظمة العمل الدولية، كما وَسَّعَت التعاون مع سرية رام الله الأولى، ونقابة الصحفيين الفلسطينيين، واتحاد لجان المرأة للعمل الاجتماعي لتمكين الشباب والنساء وتعزيز نماذج اقتصادية مستدامة، مؤكدة في اليوم العالمي للعدالة الاجتماعية أن العمل اللائق حق أصيل والتزام قانوني وأخلاقي. وعلى صعيد الخدمات، أصدَرَت الإدارة العامة لخدمات التشغيل 1240 شهادة متعطل عن العمل للتأمين الصحي المجاني، واستفاد 2871 باحثًا عن عمل من خدمات التشغيل. وفي التدريب المهني، تم توزيع 173 طالبًا وطالبة ميدانيًا في نابلس، وتسجيل 76 على منصة "جوب ماتش"، وإجراء مقابلات لنحو 80 متقدمًا في طولكرم، والتحضير لإنشاء نواة مركز تدريب مهني في مخيم العروب، إلى جانب تنفيذ حملات ترخيص وإرشاد مهني. كما نَفَّذَت طواقم التفتيش والسلامة والصحة المهنية وُرشًا ولقاءاتٍ توعوية استفاد منها عشرات العمال والطلبة، ورصَدَت 8 مخالفات تم اتخاذ إجراءات بشأنها، واعتمدت 9 مشرفي سلامة، وتابعت إصابات عمل وتحويلها للجهات المختصة.


⭕ عَزَّزَت وزارة الصناعة شراكاتها الوطنية والدولية، حيث وَقَّعَت الهيئة العامة للمدن الصناعية والمناطق الصناعية الحرة مُذكرة تفاهم مع جهاز الدفاع المدني لإدماج معايير السلامة والوقاية في تخطيط وتشغيل المُدن الصناعية وتنفيذ برامج تدريبية متخصصة، كما بَحَث الوزير مع منظمة "الفاو" ومنظمة الأمم المتحدة للتنمية الصناعية "اليونيدو" تطوير المواصفات والمعايير الغذائية ورفع كفاءة الصناعات الغذائية، والتقى بالقنصل البريطاني العام في القدس وسفير المملكة المغربية لبحث تعزيز التعاون ودعم تنافسية المنتج الوطني وتطوير المناطق الصناعية والنفاذ إلى أسواق جديدة. وعلى صعيد الأداء الميداني، تم إصدار 4 رخص لإقامة منشآت صناعية جديدة و3 رخص تشغيل لأول مرة برأسمال بلغ 273,700 دينار أردني وَفَّرَت 33 فرصة عمل، وتجديد 33 رخصة صناعية، وتنفيذ 36 جولة رقابية تفتيشية، ومراجعة ملفي جودة، وإصدار رخصتين لتجديد ترخيص محجر، إلى جانب عقد لجنة فنية للاعتماد.


⭕ وَقَّعَت وزارة شؤون المرأة مُذَكرة تفاهم استراتيجية مع هيئة الأمم المتحدة للمرأة في فلسطين لعام 2026 لتعزيز التعاون في الحماية من العنف القائم على النوع الاجتماعي، والتمكين الاقتصادي والسياسي، وإدماج منظور النوع الاجتماعي في السياسات، كما بحثت مع سرية رام الله الأولى دعم المبادرات النسوية، وبدأت التحضير ليوم المرأة العالمي بإعداد تقارير رَصد وتوثيق لواقع النساء دعمًا للمناصرة وتطوير السياسات.


⭕ وَاصَلَت وزارة الثقافة تعزيز حضورها في المحافظات؛ إذ التقى الوزير مؤسسة "بدو بلا حدود" لتكثيف الأنشطة بالمناطق المهمشة، ونَفَّذَت في سلفيت فعاليات في الحكاية الشعبية والإعلام المعاصر والشعر، وفي طولكرم أنشطة سرد وكتابة إبداعية ومحاضرات حول التراث وإطلاق رواية "حتمًا ستنجلي"، وفي بيت لحم دورة فسيفساء للسيدات، وفي قلقيلية ندوة حول التراث ومحاضرة عن القدس ولقاء ختامي لورشة الكتابة الإبداعية.





اقتصاد

الأحد 01 مارس 2026 1:03 مساءً - بتوقيت القدس

نذر حرب إقليمية: إغلاق مضيق هرمز وشركات النفط توقف شحناتها عقب اغتيال خامنئي

سادت حالة من القلق العميق لدى دول الخليج العربية المنتجة للنفط في أعقاب الهجمات التي شنتها الولايات المتحدة والاحتلال الإسرائيلي على إيران. وتزايدت المخاوف من انزلاق المنطقة نحو مواجهة شاملة بعد الرد الإيراني بإطلاق رشقات صاروخية، وسط ترقب دولي لتداعيات اغتيال المرشد الأعلى علي خامنئي.

أفادت مصادر تجارية بأن عدداً من شركات النفط العالمية الكبرى ومؤسسات التجارة الدولية اتخذت قراراً فورياً بوقف شحنات النفط الخام والوقود عبر مضيق هرمز. ويأتي هذا الإجراء الاحترازي نتيجة التدهور الأمني المتسارع، مما يهدد بنقص حاد في معروض السفن المتاحة بالمنطقة ويدفع تكاليف الشحن نحو مستويات قياسية.

كشف وسطاء شحن دوليون عن توجه لدى ملاك السفن لإلغاء رحلات كانت مجدولة مسبقاً إلى منطقة الشرق الأوسط. وتستند هذه الشركات إلى 'بند الحرب' في العقود القانونية، والذي يمنحها الحق في التراجع عن الالتزامات في حال اندلاع أعمال عدائية مسلحة تشمل أطرافاً دولية كبرى مثل الولايات المتحدة وإيران.

أوضحت حليمة كروفت، رئيسة قسم أبحاث السلع في آر.بي.سي كابيتال أن المشهد الحالي يضع أسعار الطاقة أمام اختبار صعب. وأشارت إلى أن استمرار الحرس الثوري الإيراني في التصعيد العسكري يهدف بالأساس إلى رفع التكاليف الاقتصادية والسياسية على الإدارة الأمريكية وحلفائها في المنطقة.

نقلت تقارير عن قادة في المنطقة تحذيراتهم لواشنطن من مخاطر الانجرار إلى مواجهة مفتوحة مع طهران، مؤكدين أن تجاوز سعر برميل النفط حاجز الـ 100 دولار يمثل خطراً داهماً على الاستقرار العالمي. وتتزامن هذه التحذيرات مع تراجع قدرة منظمة أوبك على امتصاص الصدمات المفاجئة في العرض والطلب.

أكدت التحليلات الفنية أن معظم منتجي 'أوبك+' قد وصلوا بالفعل إلى سقف طاقاتهم الإنتاجية القصوى، مما يجعل التدخل لتعويض النقص صعباً. وتظل المملكة العربية السعودية هي الطرف الوحيد القادر على زيادة الإنتاج، إلا أن هذا التأثير قد يظل محدوداً أمام حجم الاضطراب المتوقع في سلاسل الإمداد.

قدر جورج ليون، رئيس قسم التحليل الجيوسياسي في ريستاد إنرجي أن الاعتماد على البنية التحتية البديلة لتجاوز مضيق هرمز لن يمنع خسارة فعلية ضخمة. وتوقع ليون أن تفقد الأسواق ما بين 8 إلى 10 ملايين برميل يومياً من إمدادات النفط الخام في حال استمرار إغلاق الممر المائي الحيوي.

في ظل استهلاك عالمي يصل إلى 100 مليون برميل يومياً، قد تضطر الدول المستهلكة الكبرى إلى السحب من احتياطياتها النفطية الاستراتيجية. ويرى خبراء أن الأسواق ستشهد عملية إعادة تسعير شاملة مع بداية تداولات الأسبوع ما لم تظهر بوادر تهدئة سريعة وملموسة على الأرض.

توقع محللون في مجموعة أوراسيا قفزة حادة في الأسعار فور فتح الأسواق العالمية، مرجحين زيادة تتراوح بين 5 إلى 10 دولارات فوق السعر الحالي. ويرتبط هذا الارتفاع بشكل مباشر بإعلان إيران الرسمي عن إغلاق مضيق هرمز أمام الملاحة الدولية رداً على الهجمات الأخيرة.

من جانبهم، حذر خبراء في بنك باركليز من أن أسواق النفط ستواجه 'أسوأ مخاوفها' مع مطلع الأسبوع الجاري. وأشاروا إلى أن احتمالية وصول سعر خام برنت إلى 100 دولار للبرميل أصبحت واقعية جداً في ظل تدهور الأوضاع الأمنية وتهديد طرق التجارة البحرية.

اعتبر فيشنو فاراثان، من مؤسسة ميزوهو أن اتساع رقعة الهجمات قد يصبح واقعاً جديداً في المنطقة، مما يبقي أسعار الطاقة في مستويات مرتفعة لفترة طويلة. وأضاف أن علاوة المخاطر الجيوسياسية قد ترفع الأسعار بنسبة تصل إلى 50% في حال تأكد الإغلاق الكامل للمضيق.

أشار المحلل كريستوفر وونج إلى أن المستثمرين سيتجهون فوراً نحو 'الملاذات الآمنة' التقليدية مثل الذهب، الذي يتوقع أن يشهد فجوة صعودية كبيرة. وفي المقابل، ستعاني الأصول ذات المخاطر العالية والعملات المتقلبة من موجة اضطرابات عنيفة نتيجة حالة عدم اليقين السائدة.

أكد نيك فيريس، المسؤول في فانتدج بوينت أن قطاع الطاقة لا يزال يُقيم بأسعار رخيصة مقارنة بحجم المخاطر الحالية، مما يجعله المرشح الأول للارتفاع. وتتجه الأنظار إلى كيفية تفاعل البورصات العالمية مع العناوين الإخبارية التي تشير إلى احتمالات الانتقام المتبادل.

على الصعيد الميداني، أكدت وكالة تسنيم الإيرانية أن الممر المائي بات مغلقاً فعلياً، مع تحذيرات مشددة من الحرس الثوري للسفن العابرة. واستجابة لهذه التطورات، أعلنت شركة 'هاباغ لويد' الألمانية تعليق كافة عملياتها عبر المضيق، التزاماً بقرار الإغلاق الرسمي وتجنباً للمخاطر.

فلسطين

الأحد 01 مارس 2026 1:03 مساءً - بتوقيت القدس

إغلاق شامل للمعابر الفلسطينية: مخاوف من عودة المجاعة إلى قطاع غزة

أعلنت سلطات الاحتلال الإسرائيلي، يوم السبت، عن قرار يقضي بإغلاق كافة المعابر في الأراضي الفلسطينية المحتلة، بما في ذلك معبر رفح البري، اعتباراً من يوم الأحد وحتى إشعار آخر. ويأتي هذا الإجراء التصعيدي في ظل توترات إقليمية متصاعدة أعقبت هجوماً عسكرياً نفذه الجيشان الإسرائيلي والأمريكي ضد أهداف في إيران.

وأكدت وحدة تنسيق أعمال الحكومة الإسرائيلية في المناطق الفلسطينية، عبر بيان رسمي أن قرار الإغلاق يشمل كافة المنافذ المؤدية إلى الضفة الغربية وقطاع غزة. وأوضحت مصادر أن هذا القرار لا يقتصر على حركة الأفراد فحسب، بل يمتد ليشمل وقف تدفق البضائع والمساعدات الإنسانية الحيوية.

وتسود حالة من القلق الشديد في أوساط سكان قطاع غزة من عودة شبح المجاعة التي فتكت بالمدنيين خلال الأشهر الماضية نتيجة الحصار المطبق. ويرى مراقبون أن إغلاق المعابر يمثل أداة ضغط سياسي وعسكري تهدف إلى تشديد الخناق على أكثر من مليوني فلسطيني يعانون أصلاً من ويلات الحرب.

وأثار القرار موجة من الغضب والاحتجاج على منصات التواصل الاجتماعي، حيث اعتبر ناشطون فلسطينيون أن التبريرات الأمنية المرتبطة بالحدث الإيراني هي مجرد «حجج واهية». وأشاروا إلى أن الهدف الحقيقي هو تعميق الأزمة الإنسانية بعيداً عن أنظار المجتمع الدولي المنشغل بالتطورات الإقليمية المتسارعة.

وحذرت أوساط حقوقية من أن توقف دخول الإمدادات الطبية والوقود سيؤدي إلى انهيار ما تبقى من المنظومة الصحية والخدماتية في القطاع. وأكدت مصادر أن الاعتماد الكلي للسكان على المساعدات الخارجية يجعل من إغلاق المعابر حكماً بالإعدام البطيء على آلاف العائلات التي تفتقر للأمن الغذائي.

وفي سياق متصل، أشار مغردون إلى أن تزامن هذا الإغلاق مع انشغال العالم بملفات أخرى يمنح الاحتلال مساحة لفرض إجراءات عقابية جماعية دون ضغوط دولية مؤثرة. وحذروا من أن استمرار هذه السياسة سيقود إلى تداعيات كارثية تمس كافة مقومات الحياة الأساسية من غذاء ودواء وكهرباء.

وعبر مواطنون في غزة عن خشيتهم من أن تكون هذه المرحلة هي الأشد قسوة منذ بدء العدوان، خاصة مع تلاشي البدائل المحلية ونفاد المخزون السلعي. وأكدت شهادات ميدانية أن أسعار المواد الأساسية بدأت بالارتفاع فور صدور القرار، مما يزيد من معاناة الأسر التي تعيش تحت خط الفقر.

ورغم مرور أشهر على اتفاق وقف إطلاق النار الذي دخل حيز التنفيذ في العاشر من أكتوبر 2025، إلا أن الاحتلال لم يلتزم ببنود التهدئة المتعلقة بفتح المعابر. وتتهم جهات فلسطينية الجانب الإسرائيلي بالتنصل المستمر من إدخال الكميات المتفق عليها من المواد الإغاثية والبيوت المتنقلة لإيواء النازحين.

ويضع هذا الإغلاق الجديد مصير مليوني فلسطيني أمام تساؤلات مصيرية حول قدرتهم على الصمود في وجه سياسة التجويع الممنهجة. ويرى محللون أن غياب الأفق السياسي الواضح وتكرار إغلاق المنافذ الحيوية يعزز المخاوف من انفجار الأوضاع الإنسانية بشكل غير مسبوق في القريب العاجل.

ختاماً، يبقى قطاع غزة رهينة للقرارات العسكرية الإسرائيلية التي تتحكم في شريان حياته الوحيد، وسط نداءات استغاثة بضرورة تدخل دولي عاجل. ويطالب الفلسطينيون بفتح دائم للمعابر وضمان تدفق المساعدات الإنسانية دون قيود، لضمان عدم انزلاق المنطقة مجدداً نحو كارثة مجاعة شاملة.

اسرائيليات

الأحد 01 مارس 2026 12:33 مساءً - بتوقيت القدس

احتفالات وتحذيرات في إسرائيل عقب اغتيال خامنئي: مخاوف من 'فخ' الحرب الطويلة

تعيش الأوساط السياسية والعسكرية في إسرائيل حالة من النشوة عقب الإعلان عن اغتيال المرشد الأعلى الإيراني علي خامنئي، في ظل انخراط مباشر للولايات المتحدة في العمليات العسكرية. ورغم الاحتفاء بهذا الإنجاز الاستخباراتي، تبرز أصوات محذرة من مغبة الغرق في 'سكرة القوة' والتورط في مواجهة عسكرية ممتدة لا تُعرف نهايتها.

أشار مستشار الأمن القومي الأسبق، غيورا آيلاند، إلى أن السيناريو الكابوسي يتمثل في تبني طهران لاستراتيجية 'الصبر الاستراتيجي'، حيث ينجو النظام ويواصل استهداف المصالح الإسرائيلية والخليجية بالصواريخ. وأكد آيلاند أن العبرة ستكون بالنتائج الميدانية بعد عدة أشهر، داعياً إلى عدم التسرع في إعلان النصر النهائي قبل استقرار المشهد.

تتعدد السيناريوهات المطروحة لمستقبل الحكم في إيران، حيث يرى مراقبون أن انهيار النظام قد يكون ممكناً إذا ما تزامنت الضربات العسكرية مع احتجاجات شعبية واسعة. ويُقارن البعض بين الوضع الحالي وما جرى في سوريا، حيث أدت الضغوط العسكرية والداخلية إلى تصدع بنية النظام الحاكم وفقدانه السيطرة على مساحات واسعة.

في المقابل، تبرز تساؤلات حول نوايا الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، وهل سيسعى لإكمال الحرب حتى إسقاط النظام أم سيبحث عن مخرج دبلوماسي سريع. ويرجح خبراء أن يناور ترامب عبر عرض استئناف المفاوضات مع قيادة إيرانية جديدة قد تكون أكثر براغماتية وأقل راديكالية من الجيل السابق.

من جانبه، يرى المحلل السياسي ناحوم بارنياع أن بقاء النظام الإيراني كمنظومة هو الأولوية القصوى لطهران، وليس بقاء الأفراد. وكشف بارنياع نقلاً عن مصادر أمريكية أن واشنطن عرضت بالفعل مقترحاً لوقف إطلاق النار، إلا أن الجانب الإيراني أبدى تعنتاً ورفض العرض في مراحله الأولى.

دعت تحليلات صحفية إلى ضرورة التواضع في تحديد أهداف الحرب، والتركيز على تدمير القدرات الصاروخية والمنشآت النووية بدلاً من الرهان الكلي على تغيير النظام. واعتبر محللون أن أي نجاح في زعزعة استقرار طهران سيكون له ارتدادات كبرى تصل إلى أوروبا والصين، مما يعيد صياغة التوازنات الدولية.

حذر نداف أيال من أن النظام الإيراني قد يلجأ لردع الولايات المتحدة عبر استهداف المنشآت الاستراتيجية في دول الخليج لرفع كلفة الحرب. وأوضح أن طهران قد تكتفي بإطلاق عدد محدود من الصواريخ يومياً لضمان استمرارية الاستنزاف، طالما لم تندلع ثورة داخلية تطيح بمؤسسات الدولة.

يرى خبراء استخباراتيون أن إسرائيل استغلت حالة 'العمى الاستراتيجي' التي أصابت القيادة الإيرانية وتورطها في مفاهيم أمنية قديمة لم تعد تجدي نفعاً. ومع ذلك، شددوا على أن النجاح التكتيكي في الاغتيال لا يعني بالضرورة تغييراً استراتيجياً فورياً في واقع الشرق الأوسط المضطرب.

نبهت مصادر إعلامية إلى ضرورة تذكر تجارب سابقة، حيث أعلن القادة عن تحقيق النصر في جولات سابقة ليتضح لاحقاً أن المواجهة ما زالت مستمرة. ودعت صحيفة 'هآرتس' في افتتاحيتها إلى سياسة مسؤولة تحدد الأهداف بدقة وتبحث عن مخارج سياسية تضمن الأمن طويل الأمد.

أثيرت تساؤلات حول إمكانية اندلاع حرب وراثة داخل أجنحة النظام الإيراني بين المحافظين والراديكاليين عقب غياب خامنئي. ويؤكد مراقبون أن المكاسب العسكرية الجوية، مهما بلغت قوتها، نادراً ما تنجح وحدها في إسقاط الأنظمة السياسية المعقدة دون تدخلات برية أو ثورات عارمة.

حذرت الخبيرة في الشؤون الإيرانية، كاسينا سفاتلانا، من أن فشل الحرب في إسقاط النظام سيجعل المنطقة أكثر عنفاً وخطورة مما كانت عليه. وأشارت إلى أن العالم يراقب حالياً قدرة الولايات المتحدة وإسرائيل على فرض واقع جديد، أو الانزلاق في فخ مواجهة إقليمية شاملة.

في قراءة مغايرة، يرى المحلل غدعون ليفي أن الاعتماد المفرط على القوة العسكرية لن يحل الأزمات الجوهرية في المنطقة. ودعا ليفي إلى ضرورة إنهاء الاحتلال ووقف قمع الشعب الفلسطيني كسبيل وحيد لتحقيق استقرار حقيقي بعيداً عن 'سكرة القوة' التي قد تنتهي بصدمة قاسية.

أبدى محللون استقلاليون تخوفهم من أن إسرائيل تبرع في شن الحروب لكنها تفتقر دائماً لاستراتيجيات واضحة لإنهائها. وأشاروا إلى أن استمرار التصعيد قد يؤدي في نهاية المطاف إلى توتر العلاقات مع واشنطن إذا ما شعرت الأخيرة بأنها استُدرجت لحرب لا تخدم مصالحها العليا.

ختاماً، تبرز مخاوف من استغلال رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو للزخم العسكري لتحقيق مكاسب سياسية داخلية وإطالة أمد بقائه في السلطة. ويحذر مراقبون من أن الظهور بمظهر 'البطل التاريخي' قد يدفع نحو مغامرات عسكرية إضافية، مثل فتح جبهات جديدة، مما يضع المنطقة بأسرها على فوهة بركان.

عربي ودولي

الأحد 01 مارس 2026 12:33 مساءً - بتوقيت القدس

ترمب يتوعد إيران بضربة «غير مسبوقة» وسط استنفار عسكري وتصاعد التوترات الإقليمية

وجه الرئيس الأميركي دونالد ترمب، فجر اليوم الأحد، تحذيراً شديد اللهجة إلى القيادة الإيرانية، مؤكداً أن أي محاولة لتنفيذ ضربة عسكرية ضد المصالح الأمريكية ستُقابل برد فعل يتسم بقوة غير مسبوقة. وأشار ترمب إلى أن الإدارة الأمريكية رصدت نوايا إيرانية واضحة لتصعيد الموقف الميداني خلال الساعات القليلة القادمة.

وأوضح الرئيس الأمريكي في تدوينة عبر منصته «تروث سوشال» أن طهران أعلنت عزمها توجيه ضربة وصفتها بالقوية للغاية، مشدداً على أن الولايات المتحدة لن تقف مكتوفة الأيدي أمام هذه التهديدات. وأضاف أن العمليات العسكرية التي تقودها واشنطن في المنطقة ستتواصل طالما اقتضت الضرورة الأمنية ذلك.

وفي سياق تصريحاته المثيرة للجدل، اعتبر ترمب أن غياب المرشد الأعلى الإيراني علي خامنئي يفتح الباب أمام الشعب الإيراني للحصول على فرصة تاريخية لتغيير نظام الحكم. وألمح إلى وجود تواصل أو معرفة بالشخصيات التي قد تقود المرحلة الانتقالية في إيران، واصفاً إياهم بالعناصر الجيدة القادرة على الإدارة.

على الجانب الآخر، أصدر الحرس الثوري الإيراني بياناً توعد فيه برد شامل وواسع النطاق رداً على اغتيال المرشد علي خامنئي، مؤكداً أن الأهداف لن تقتصر على العمق الإسرائيلي بل ستشمل القواعد العسكرية الأمريكية المنتشرة في المنطقة. وأشار البيان إلى أن صافرات الإنذار لن تتوقف في المدن الإسرائيلية نتيجة الكثافة الصاروخية المتوقعة.

ميدانياً، أكدت مصادر عسكرية تفعيل منظومات الدفاع الجوي في عدة مناطق عقب رصد موجات من المقذوفات الصاروخية المنطلقة من الأراضي الإيرانية. وأفادت تقارير الجبهة الداخلية الإسرائيلية بأن صافرات الإنذار دوت في مواقع متفرقة، فيما جرت محاولات اعتراض لعدد من الأهداف الجوية بنجاح.

ويرى مراقبون أن تهديدات ترمب تأتي في إطار استراتيجية الردع القصوى التي يتبناها، والتي تعتمد على رفع سقف المواجهة إلى مستويات غير مادية لإجبار الخصوم على التراجع. وأفادت مصادر بأن واشنطن تلقت معلومات استخباراتية دقيقة حول استعدادات إيرانية لشن هجوم هو الأعنف من نوعه منذ بدء جولة التصعيد الحالية.

وعلى الصعيد الداخلي، يواجه ترمب ضغوطاً سياسية متزايدة بسبب انخراطه في عمليات عسكرية واسعة دون الحصول على تفويض رسمي من الكونغرس الأمريكي. ويثير هذا التحرك تساؤلات دستورية حول صلاحيات الرئيس في إعلان الحرب، مما دفع البيت الأبيض لتصنيف التحركات الحالية كعمليات عسكرية محدودة.

وانتقد مشرعون من الحزب الديمقراطي وبعض الأصوات الجمهورية هذا النهج التصعيدي، محذرين من انزلاق الولايات المتحدة إلى حرب إقليمية مفتوحة لا يمكن التنبؤ بنهايتها. وأعرب تيار «أمريكا أولاً» عن قلقه من الانجرار خلف صراعات خارجية قد تستنزف الموارد الأمريكية وتخالف الوعود الانتخابية بالانسحاب من حروب الشرق الأوسط.

وتشير تسريبات من أروقة الإدارة الأمريكية إلى أن التنسيق العسكري بين واشنطن وتل أبيب قد تعزز بشكل كبير منذ اللقاء الذي جمع ترمب برئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في فلوريدا. وتركزت تلك المباحثات على سبل تحجيم البرنامج الصاروخي الإيراني والتعامل مع التهديدات المباشرة التي تواجه الحلفاء.

ويحاول الرئيس الأمريكي في الآونة الأخيرة تقنين ظهوره الإعلامي وتجنب الخوض في التفاصيل الميدانية الدقيقة، وذلك لتفادي أي ثغرات سياسية قد يستغلها خصومه في الداخل. ورغم ميله المعتاد للإطلالات الطويلة، إلا أن حساسية الموقف العسكري فرضت عليه الاكتفاء بتصريحات مقتضبة وحازمة عبر وسائل التواصل الاجتماعي.

وتزداد المخاطر المحيطة بالقوات الأمريكية المنتشرة في القواعد العسكرية بالمنطقة، حيث تُعتبر هذه القواعد أهدافاً سهلة المنال لأي رد فعل إيراني انتقامي. ويضع هذا الواقع الإدارة الأمريكية أمام تحدي حماية جنودها ودبلوماسييها مع الحفاظ على هيبة الردع العسكري في آن واحد.

وفي ظل هذا الانقسام الداخلي، تتصاعد التساؤلات في واشنطن حول المدى الذي يمكن أن تصل إليه هذه المواجهة، وما إذا كانت الضربة الإيرانية المرتقبة ستكون الشرارة لحرب شاملة. وتتأرجح التقديرات بين إمكانية احتواء الموقف عبر الوساطات الدولية أو الذهاب نحو مواجهة مباشرة تغير خارطة النفوذ في المنطقة.

ختاماً، يبقى المشهد مفتوحاً على كافة الاحتمالات مع استمرار التحشيد العسكري المتبادل، حيث يراقب المجتمع الدولي بحذر مآلات التصعيد بين واشنطن وطهران. وتظل الأنظار شاخصة نحو الساعات القادمة التي ستحدد ما إذا كانت المنطقة ستتجه نحو تهدئة اضطرارية أم انفجار عسكري واسع النطاق.

MISCELLANEOUS

الأحد 01 مارس 2026 12:03 مساءً - بتوقيت القدس

حصاد التهويد في القدس.. شهيد وآلاف المقتحمين للأقصى وتصاعد عمليات الهدم خلال فبراير

شهدت مدينة القدس المحتلة خلال شهر فبراير/شباط المنصرم تصعيداً دامياً في انتهاكات سلطات الاحتلال والمستوطنين، حيث ارتقى الشاب نصر الله أبو صيام برصاص المستوطنين في قرية مخماس، ليكون أول شهيد مقدسي في العام 2026. وتزامن هذا التصعيد مع اعتداءات ميدانية طالت الأطفال، كان أبرزها إصابة الطفل مصطفى أبو مذكور برصاص القوات الخاصة في بلدة العيزرية، وسط منع متعمد لطواقم الإسعاف من تقديم العلاج للمصابين.

وفي سياق استهداف المقدسات، اقتحم نحو 4882 مستوطناً باحات المسجد الأقصى المبارك، مؤدين طقوساً توراتية استفزازية تحت حماية مشددة، فيما سجل منتصف الشهر ذروة هذه الاقتحامات. وفرضت شرطة الاحتلال قيوداً غير مسبوقة على المصلين، شملت طردهم بحجة تعليمات الجبهة الداخلية عقب التوترات الإقليمية، بالإضافة إلى استحداث مسارات اقتحام جديدة تصل إلى محيط قبة الصخرة المشرفة، في محاولة لفرض واقع زماني ومكاني جديد.

ومع حلول شهر رمضان المبارك، لم تتوقف الإجراءات القمعية، بل امتدت لتشمل تمديد ساعات اقتحام المستوطنين الصباحية كتعويض عن فترات الإغلاق المسائي، ومنع إدخال وجبات الإفطار والسحور للصائمين والمرابطين. كما وضعت سلطات الاحتلال عراقيل مشددة أمام وصول فلسطينيي الضفة الغربية للمدينة، محددةً عدد المصلين في أيام الجمعة بـ 10 آلاف شخص فقط، وسط تصريحات تحريضية من قادة اليمين المتطرف تطالب بفرض السيادة الكاملة.

وعلى صعيد الملاحقة الأمنية، طالت حملات الاعتقال 87 مقدسياً، من بينهم نساء وأطفال، مع تحويل عدد منهم للاعتقال الإداري أو الحبس المنزلي. ولم تقتصر العقوبات على الاعتقال، بل شملت إصدار أكثر من 100 أمر إبعاد عن المسجد الأقصى والبلدة القديمة، استهدفت بشكل خاص الموظفين والأئمة والناشطين، إلى جانب تجديد قرارات منع السفر لعدد من الشخصيات المقدسية المؤثرة.

أما في ملف الهدم والتهجير، فقد نفذت آليات الاحتلال 38 عملية هدم لمنشآت سكنية وزراعية، منها ما أُجبر أصحابه على هدمه قسراً لتجنب الغرامات الباهظة. وتوزعت هذه العمليات بين أحياء سلوان وبيت حنينا وعناتا، تزامناً مع إخطارات جديدة بالهدم ومصادرة أراضٍ بدواعي عسكرية، في خطة تهدف إلى تضييق الخناق على الوجود الفلسطيني وتسريع وتيرة الاستيطان في الشطر الشرقي من المدينة المحتلة.

عربي ودولي

الأحد 01 مارس 2026 10:33 صباحًا - بتوقيت القدس

زلزال سياسي في طهران: كيف يواجه نظام 'ولاية الفقيه' اختبار الخلافة بعد غياب خامنئي؟

دخلت الجمهورية الإسلامية الإيرانية مرحلة من الغموض السياسي عقب الإعلان الرسمي عن مقتل المرشد الأعلى علي خامنئي في غارات جوية نُسبت إلى الولايات المتحدة وإسرائيل. هذا التطور الدراماتيكي وضع نظام 'ولاية الفقيه' أمام تحدٍ لم يشهده منذ عقود، حيث بدأت التساؤلات تتوارد حول قدرة المؤسسات الحاكمة على ضبط المشهد الداخلي وتأمين انتقال سلس للسلطة.

ويقوم الهيكل السياسي في طهران على مبدأ 'ولاية الفقيه' الذي يمنح المرشد صلاحيات مطلقة تتجاوز كافة المؤسسات المنتخب، بما في ذلك رئاسة الجمهورية والبرلمان. ويشرف الزعيم الأعلى مباشرة على القوات المسلحة والأجهزة الأمنية، كما يمتلك الكلمة الفصل في رسم السياسات الخارجية والداخلية الكبرى للدولة، مما يجعل غيابه المفاجئ فراغاً كبيراً في قمة الهرم.

وفقاً للدستور الإيراني، تقع مسؤولية اختيار المرشد الجديد على عاتق 'مجلس الخبراء'، وهو هيئة مؤلفة من رجال دين يتم انتخابهم كل ثماني سنوات. ويمتلك هذا المجلس نظرياً صلاحية عزل المرشد أو مساءلته، إلا أن دوره التاريخي اقتصر على الدعم والمبايعة، وهو الآن أمام مهمة تاريخية لتحديد هوية الرجل الذي سيقود البلاد في هذه الظروف المعقدة.

وتشير التقارير إلى أن عملية اختيار الخليفة قد تشهد تجاذبات حادة بين التيارات المختلفة داخل النظام، خاصة في ظل عدم تسمية خامنئي لخليفة له بشكل علني قبل مقتله. وتبرز أسماء عدة في أروقة صنع القرار، من بينها مجتبى خامنئي، نجل المرشد الراحل، الذي يتمتع بنفوذ واسع خلف الكواليس، رغم الجدل المثار حول مبدأ التوريث في نظام ثوري.

إلى جانب الشخصيات الدينية، يبرز دور الحرس الثوري كلاعب حاسم لا يمكن تجاوزه في أي ترتيبات مستقبلية، حيث تحول من قوة عسكرية إلى إمبراطورية اقتصادية وسياسية ضخمة. ويتبع الحرس مباشرة لمنصب المرشد، وهو ما يجعله معنياً بشكل مباشر بهوية القائد الجديد لضمان الحفاظ على مصالحه الواسعة ونفوذه الإقليمي الذي يديره عبر فيلق القدس.

وتتوزع مراكز القوة في إيران بين هيئات دستورية معقدة، منها مجلس صيانة الدستور الذي يراقب القوانين ويحدد من يحق له الترشح للمناصب العليا. هذا المجلس يعمل كفلتر سياسي يضمن بقاء السلطة في يد التيار الذي يتماشى مع رؤية الفقيه، مما يقلص من احتمالات حدوث تغيير جذري في توجهات الدولة عبر الصناديق الانتخابية.

أما مجلس تشخيص مصلحة النظام، فيعمل كحكم في النزاعات التشريعية بين البرلمان ومجلس صيانة الدستور، وهو ما يعكس تشابك الصلاحيات المصمم لحماية استقرار النظام. وتعيين رؤساء هذه الهيئات كان بيد خامنئي، مما يعني أن المؤسسات الحالية هي نتاج خالص لرؤيته التي صاغها على مدار 36 عاماً من الحكم.

وعلى الصعيد التنفيذي، يجد الرئيس مسعود بزشكيان نفسه في موقف لا يحسد عليه، حيث تظل صلاحياته محصورة في الإطار الذي يرسمه المرشد الأعلى. بزشكيان الذي وصل للسلطة في انتخابات شهدت مشاركة متوسطة، يواجه الآن ضغوطاً هائلة للتنسيق مع المؤسسة العسكرية ورجال الدين لضمان عدم انهيار الجبهة الداخلية تحت وطأة الصدمة.

وتشهد العاصمة طهران ومدن إيرانية أخرى حالة من الصدمة والترقب، حيث أفادت مصادر بخروج مظاهرات وتجمعات تعكس حجم الارتباك الشعبي والسياسي. هذا المناخ المتوتر يزيد من صعوبة المهمة أمام مجلس الخبراء، الذي يحتاج لإظهار التماسك والسرعة في اتخاذ القرار لتفادي أي انفلات أمني قد تستغله القوى المعارضة.

إن التداخل بين الاقتصاد والسياسة في بنية الحرس الثوري يجعل من عملية الانتقال مسألة أمن قومي، حيث يسيطر الحرس على قطاعات النفط والغاز والبنية التحتية. أي اهتزاز في قمة السلطة قد يؤثر مباشرة على استقرار هذه القطاعات، وهو ما يفسر الاستنفار الكبير الذي تشهده القواعد العسكرية التابعة للباسيج والحرس في مختلف المحافظات.

ويرى مراقبون أن غياب الكاريزما الرمزية التي كان يتمتع بها خامنئي قد يضعف من هيبة منصب المرشد في المستقبل القريب، بغض النظر عن هوية الشخص المختار. فالمكانة التي راكمها خامنئي منذ وفاة الخميني عام 1989 لا يمكن تعويضها بسهولة، مما قد يفتح الباب أمام قيادة جماعية أو نفوذ أكبر للمؤسسة العسكرية على حساب المؤسسة الدينية.

وفي ظل التصعيد العسكري المستمر مع إسرائيل والولايات المتحدة، يواجه النظام الإيراني ضغوطاً خارجية تهدف إلى استغلال لحظة الضعف الحالية لتحقيق مكاسب سياسية. هذه الضغوط قد تدفع صانع القرار الإيراني نحو خيار 'المرشد المتشدد' لضمان استمرار سياسة المواجهة، أو قد تفرض واقعاً يتطلب تهدئة مؤقتة لترتيب البيت الداخلي.

إن النظام القضائي في إيران، الذي يقوده رجال دين يعينهم المرشد، سيلعب أيضاً دوراً في شرعنة المرحلة الانتقالية وملاحقة أي أصوات قد تنادي بالتغيير الجذري. هذا الجهاز يعمل كذراع قانوني لحماية أركان 'ولاية الفقيه' وضمان بقاء الدولة ضمن المسار الأيديولوجي الذي وضعه المؤسسون الأوائل للثورة.

ختاماً، تقف إيران اليوم عند مفترق طرق تاريخي، حيث ستحدد الأسابيع القادمة ما إذا كان النظام قادراً على إعادة إنتاج نفسه بعد غياب قطبه الأبرز. إن نجاح مجلس الخبراء في اختيار شخصية تحظى بإجماع مراكز القوى سيكون الاختبار الحقيقي لصلابة المؤسسات التي بناها خامنئي طوال عقود حكمه الطويلة.

أقلام وأراء

الأحد 01 مارس 2026 10:06 صباحًا - بتوقيت القدس

التفاوض باللكمات!

د. ابراهيم ملحم

رئيس التحرير

أقل الكلام

لبضعة أيامٍ ستتواصل الضربات الأمريكية الإسرائيلية على إيران، قبل عودة المتفاوضين من حلبة الملاكمة إلى طاولة المفاوضات بأنوفٍ نازفة، وأسنانٍ مكسورة، يكون بالإمكان بعدها "تليين" المواقف  لتقديم تنازلاتٍ للحصول على أسعارٍ تفضيلية من إيران، التي نزلت إلى نسبة تخصيب ٢٠ بالمئة بدل ستين، لكن شهوة ترمب مفتوحة على صفر تخصيب، الأمر الذي رفضته إيران، ما أدى إلى تسريع المواجهة التي كانت نُذرها واضحة.
تقليم أظافر النظام وإضعافه الهدف الأمريكي من وراء الضربات الشاملة التي بدأتها واشنطن، مستعينة بتل أبيب التي أكسبت المواجهة بُعدا توراتيّاً قبل أيامٍ من احتفالها بـ"عيد بوريم"، وما يحمله من  دلالاتٍ مرتبطةٍ بأسطورة العداء التاريخي للدولة الفارسية.
كان واضحاً أن ترمب قيّد نفسه بحشد السفن والبوارج الحربية وحاملات الطائرات، ولم يكن بوسعه التراجع دون اتفاقٍ يمنحه انتصاراً أكبر مما حققه أوباما.  
هل تذهب طهران بعد هذه الضربات لمضاعفة عمل أجهزة الطرد المركزي لديها، وتعلن امتلاك السلاح النووي، سيما أن لديها تقنيات قادرة على بلوغ هدفها، كما ألمح ويتكوف في تصريحاتٍ أعرب فيها عن خشيته من تكتّم طهران على كمياتٍ من اليورانيوم المخصب أكبر بكثيرٍ من تلك التي أعلنت عنها لهيئة الطاقة الدولية؟
إن خشية ويتكوف  تعني أن "الأرمادا" الأمريكية قد وصلت متأخرة؛ فبينما أعلن ترمب قتل المرشد الأعلى وقصف الطائرات الإسرائيلية أهدافاً مدنية، بينها مدرسة للبنات، قتلت خلالها عشرات الطالبات، قد تكون "الكعكة الصفراء" استقرت في مخابئ محصنة.


عربي ودولي

الأحد 01 مارس 2026 10:03 صباحًا - بتوقيت القدس

إيران في حالة صدمة: تأكيد اغتيال خامنئي ومظاهرات غاضبة تجتاح طهران

أقرت السلطات الإيرانية رسمياً، فجر اليوم الأحد، بنبأ اغتيال المرشد الأعلى للجمهورية الإسلامية علي خامنئي، في حادثة هزت الأوساط السياسية والشعبية. وفور صدور التأكيدات الرسمية، سادت حالة من الذهول والصدمة في الشارع الإيراني، بينما بدأت وسائل الإعلام المقربة من الحرس الثوري بنشر تفاصيل أولية حول الواقعة التي تفتح الباب أمام سيناريوهات معقدة لمستقبل البلاد.

وشهدت العاصمة طهران تدفقاً لمئات المواطنين نحو ساحة الثورة، التي تحمل رمزية تاريخية كبرى لدى أنصار النظام، تعبيراً عن الحزن والاحتجاج على عملية الاغتيال. وأظهرت المشاهد القادمة من قلب العاصمة حالة من الغضب العارم، حيث ردد المشاركون شعارات تطالب بضرورة الرد العسكري الفوري والحاسم على الجهات التي تقف وراء الهجوم، محملين إسرائيل والولايات المتحدة المسؤولية المباشرة.

وفي سياق متصل، أفادت مصادر ميدانية بأن التجمعات امتدت لتشمل ساحة فلسطين القريبة من المربع الأمني الحساس، الذي يضم المكاتب السيادية ومقر إقامة المرشد والرئاسة الإيرانية. ورفع المتظاهرون لافتات تندد بالعدوان، وسط استنفار أمني مكثف من قبل قوات الباسيج والأجهزة الشرطية التي حاولت تنظيم حركة الحشود الغاضبة وتأمين المنشآت الحيوية في المنطقة.

وتصاعدت في الأوساط الإيرانية تساؤلات جوهرية حول الإجراءات الأمنية التي كانت متبعة، حيث استغرب مراقبون بقاء المرشد في مكان عمله المعتاد بدلاً من الانتقال إلى الملاجئ الحصينة أو المواقع البديلة الآمنة. وتثير هذه التطورات نقاشاً واسعاً حول طبيعة التقديرات الاستخباراتية التي سبقت العملية، وما إذا كان هناك سوء تقدير لحجم التهديدات الوشيكة التي كانت تحيط بالقيادة العليا.

من جانبه، سارع المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني إلى عقد اجتماع طارئ لإدارة الأزمة، حيث أعلن عن اتخاذ سلسلة من التدابير العاجلة لضمان استقرار الأوضاع الداخلية. وتضمنت القرارات الجديدة تفعيل خطط الطوارئ التي تضمن استمرار الخدمات الأساسية للمواطنين، مع التأكيد على أن مؤسسات الدولة ستواصل عملها وفق نظام خاص يراعي الظروف الاستثنائية الراهنة.

وشملت التوجيهات الرسمية الصادرة عن السلطات توصية السكان في المدن الكبرى بضرورة توخي الحذر، مع إمكانية مغادرة المراكز الحضرية المكتظة كإجراء احترازي. كما تقرر تقليص الدوام في المؤسسات الحكومية إلى نصف الطاقة الاستيعابية، مع استثناء القطاعات الصحية والصيدليات والمرافق الخدمية التي وضعت في حالة تأهب قصوى لمواجهة أي تداعيات ميدانية قد تطرأ.

وعلى الصعيد السياسي، بدأت ملامح المرحلة الانتقالية تلوح في الأفق مع إشارة المصادر إلى وجود لجنة ثلاثية ستشرف على إدارة شؤون البلاد في الفترة القادمة. وتترقب الدوائر الدولية والإقليمية طبيعة الرد الإيراني المحتمل، في ظل الضغوط الشعبية المتزايدة على القوات المسلحة للقيام بعملية انتقامية تعيد التوازن لميزان الردع الذي تعرض لضربة قاسية جراء هذا الاغتيال.

فلسطين

الأحد 01 مارس 2026 10:03 صباحًا - بتوقيت القدس

د. سناء العطاري أمينًا عامًا للمجلس العالمي للنساء القياديات ورائدات الأعمال

 القدس دوت كوم - من أحمد جلاجل- أعلن المجلس العالمي للنساء القياديات ورائدات الأعمال في عمان عن صدور قرار الهيئة التأسيسية العليا للمجلس بتعيين الدكتورة سناء عطاري من القدس أمينًا عامًا للمجلس، وذلك ضمن المرحلة التأسيسية الأولى للفترة الانتقالية.
وجاء هذا القرار تقديرًا لما تتمتع به الدكتورة سناء عطاري من كفاءة قيادية وخبرة مهنية وأكاديمية متميزة، وحضور فاعل في مجالات العمل المؤسسي وتمكين المرأة وبناء المبادرات النوعية، إضافة إلى إسهاماتها في تعزيز الشراكات المجتمعية والتنموية.
وستتولى الأمين العام مهام الإشراف على الإدارة التنفيذية للمجلس، ومتابعة تنفيذ الخطط والبرامج المعتمدة، وتنسيق أعمال اللجان والقطاعات المختلفة، بما يسهم في ترسيخ البنية المؤسسية وتعزيز الحوكمة والفعالية التنظيمية، ودعم مسيرة المجلس نحو تحقيق أهدافه الاستراتيجية على المستويين العربي والدولي.
ويعكس تعيين الدكتورة سناء عطاري من القدس البعد القيمي والرسالي للمجلس، والتزامه بتمثيل المرأة العربية من مختلف الدول، وترسيخ حضورها في مواقع القيادة وصناعة التأثير.
وتؤكد الهيئة التأسيسية العليا أن هذا التعيين يشكل خطوة استراتيجية مهمة في استكمال البناء المؤسسي للمجلس، وترسيخ دعائمه وفق أعلى معايير التميز والاحترافية والتأثير العالمي.

أقلام وأراء

الأحد 01 مارس 2026 10:02 صباحًا - بتوقيت القدس

الحوار الفلسطيني في زمن الإبادة: بين الحاجة الموضوعية والارتباك السياسي


تمرّ القضية الفلسطينية بمرحلة غير مسبوقة في خطورتها، في ظل حرب إبادة مستمرة منذ عامين في قطاع غزة، لم تتوقف آثارها عند حدود الجغرافيا، بل امتدت إلى الضفة الغربية ضمن مسار واضح يستهدف تصفية القضية الوطنية وتحويل الشعب الفلسطيني إلى تجمعات سكانية معزولة، بلا أفق سياسي جامع ولا مشروع وطني فاعل. وفي هذا السياق الإبادي المفتوح، تبدو الحالة السياسية الفلسطينية أسيرة ارتباك واضح، يتجلى في التردد بين إدارة أزمة يومية خانقة وبين البحث المتأخر عن مخارج لمأزق تعمّق بفعل الانقسام والعجز وارتهان الحسابات الفئوية على مدار سنوات.
في خضم هذه الظروف، استؤنف الحوار الفلسطيني بين فصائل منظمة التحرير الفلسطينية، حيث عُقدت في القاهرة لقاءات منفصلة ضمت وفودًا مركزية من حركة فتح والجبهة الشعبية لتحرير فلسطين والجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين. وأُعلن لاحقًا عن التوصل إلى ورقة تفاهمات مشتركة بين فتح والجبهة الشعبية بتاريخ 12/2/2026 بعنوان «نحو وحدة وطنية واستراتيجية مواجهة شاملة»، فيما رحّبت اللجنة التنفيذية للمنظمة في اجتماعها بتاريخ 25/2/2026 بهذه التفاهمات وأشارت إلى عرضها على بقية الفصائل. وتعكس هذه اللقاءات، بلا شك، الحاجة الموضوعية إلى حوار وطني جاد في لحظة مصيرية، غير أن أهمية انعقاده لا تعني كفاية مخرجاته، ولا تعفي من إخضاعها لتقييم سياسي دقيق يراعي طبيعة المرحلة واستحقاقاتها غير المسبوقة.
فمراجعة مضمون الورقة تُظهر أنها أقرب إلى إعادة إنتاج خطاب سياسي مألوف منها إلى مبادرة نوعية تُحدث تحولًا فعليًا في موازين الواقع. فهي تؤكد مجددًا عناوين الوحدة والشراكة وإنهاء الانقسام، وهي عناوين تكررت في جولات حوار عديدة خلال عقدين، من دون أن تُرفق بآليات تنفيذ واضحة، أو جدول زمني ملزم، أو مراجعة صريحة لأسباب الإخفاقات السابقة. وفي لحظة تتسم بطابع إبادي تُطرح فيها مشاريع تصفية شاملة، يصبح الاكتفاء بالعموميات ضعفًا سياسيًا، لا ترفًا لغويًا.
 إن نجاح أي حوار وطني اليوم يفترض الانطلاق من أسس واضحة ومُلزمة. أولها الالتزام الكامل بوقف إطلاق النار، ومواصلة المساءلة عن جرائم الإبادة والعمل لتحقيق العدالة وفق القانون الدولي، بما يعزز صمود الشعب وحقوقه. وثانيها ترسيخ الهدف الوطني المركزي: إقامة دولة فلسطينية مستقلة على حدود الرابع من حزيران 1967 في الضفة الغربية وقطاع غزة وعاصمتها القدس، وضمان حق العودة للاجئين وفق القرار 194، ورفض أي محاولات للالتفاف على هذه الثوابت. وثالثها التمسك بمنظمة التحرير الفلسطينية ممثلًا شرعيًا وحيدًا للشعب، والعمل على تطوير مؤسساتها وتوسيع قاعدة الشراكة داخلها بما يعيد الاعتبار لدورها القيادي الجامع
أما الركيزة الرابعة فتتمثل في تأكيد وحدة الولاية السياسية والقانونية للضفة الغربية وقطاع غزة وعاصمتها القدس، ورفض أي صيغ تُكرّس الانفصال الإداري أو الأمني. وفي هذا السياق، ينبغي أن تعمل أي لجنة تكنوقراطية لإدارة الإعمار وإزالة آثار حرب الإبادة ضمن مرجعية فلسطينية واضحة، وبمهمة محددة زمنياً ووظيفياً، بما يحفظ وحدة القوانين والمؤسسات ويمنع تحويل الإدارة المؤقتة إلى بديل سياسي دائم. والركيزة الخامسة هي تثبيت حق الشعب في مقاومة الاحتلال حتى زواله، مع التوافق الوطني على تنظيم هذا الحق ضمن رؤية سياسية موحدة، ومعالجة القضايا الخلافية، بما فيها موضوع السلاح، في إطار تفاهمات فلسطينية داخلية وبدعم عربي. وأخيرًا، لا بد من الالتزام بإجراء انتخابات عامة خلال عام، رئاسية وتشريعية ووطنية، والاحتكام لنتائجها في إعادة ترتيب البيت الفلسطيني وتجديد الشرعيات.
فالمرحلة تتطلب ما هو أبعد من بيانات حسن النوايا. إنها تتطلب قرارات حاسمة تربط بين إنهاء الانقسام ومتطلبات الصمود اليومي للناس الذين يواجهون ظروفًا معيشية كارثية، وبين إعادة بناء المؤسسات واستعادة الثقة الشعبية التي تآكلت بفعل تراكم الإخفاقات. كما تتطلب إعادة تعريف العلاقة بين الإرادة الشعبية والقرار السياسي، بحيث تصبح الوحدة أداة لتعزيز صمود الناس وحماية حقوقهم، لا صيغة توافقية لإدارة التباينات وتقاسم النفوذ.
إن الخطر لا يكمن فقط في استمرار العدوان، بل في استمرار التعامل معه بالأدوات ذاتها التي أثبتت محدوديتها. فإعادة تدوير الصيغ واللغة لن تفضي إلى نتائج مختلفة. وأي تفاهم لا يغيّر جوهر المعادلة، ولا يعيد ترتيب الأولويات على قاعدة مواجهة مشروع التصفية، ولا ينتقل من مستوى الإعلان إلى مستوى الالتزام القابل للمساءلة، سيبقى خطوة شكلية تدور في فضاء النوايا أكثر مما تلامس الواقع.
لقد أثبتت التجربة الفلسطينية أن الوحدة لا تُقاس بتوقيع الأوراق، بل بقدرتها على ترجمة نفسها إلى فعل سياسي منسجم مع حاجات الناس، ومعبّر عن إرادتهم، وقادر على مواجهة التحديات ببرنامج واضح ومحدد. أما الاكتفاء بصياغات عامة في ظل أخطر لحظة تمر بها القضية، فلا يرقى إلى مستوى التحدي التاريخي، ولا يعالج عمق الأزمة البنيوية التي يعيشها النظام السياسي.
المطلوب اليوم ليس ورقة جديدة، بل إرادة سياسية جديدة؛ ليس بيانًا إضافيًا عن الوحدة، بل مسارًا عمليًا يعيد الاعتبار للشعب ولقضاياه اليومية، ويحوّل الوحدة إلى قوة مادية فاعلة في مواجهة مشروع يسعى إلى تفكيك الأرض والهوية معًا. ففي لحظات الخطر الوجودي، لا تُقاس المبادرات بحسن صياغتها أو عدد الموقعين عليها، بل بقدرتها على تغيير الوقائع، واستعادة الثقة، وحماية ما تبقى من المشروع الوطني من خطر التآكل أو الشطب.

أقلام وأراء

الأحد 01 مارس 2026 10:00 صباحًا - بتوقيت القدس

الشرق الأوسط على حافة حرب شاملة: إسرائيل المستفيد الأكبر


في ظل بداية الحرب على إيران والحديث عن إسقاط النظام هناك وقصف قواعد أمريكية في المنطقة، لم يعد المشهد قابلاً للقراءة بوصفه تصعيداً عابراً أو جولة محدودة في صراع مزمن، بل بات مؤشراً خطيراً على انتقال المنطقة إلى عتبة جديدة من المواجهة المفتوحة، مواجهة تتداخل فيها الحسابات الإقليمية مع الأجندات الدولية، وتتصدر فيها مصالح إسرائيل بوصفها المستفيد الأول من إشعال الحرائق وخلط الأوراق ودفع الجميع نحو حافة الهاوية، فالهجمات التي طالت الوجود العسكري الأمريكي لا يمكن فصلها عن سياق أوسع من الاستفزاز المتبادل وإعادة رسم خطوط الاشتباك، حيث لم تعد القواعد الأمريكية أهدافاً بعيدة عن دائرة النار، بل تحولت إلى نقاط اشتعال مرشحة لجر المنطقة بأكملها إلى صراع يتجاوز حدود الدول ويكسر قواعد الردع التقليدية.
إن دخول القواعد الأمريكية على خط الاستهداف المباشر يضع الولايات المتحدة أمام معادلة شديدة التعقيد، فهي من جهة لا تستطيع تجاهل المساس بهيبتها العسكرية ونفوذها في المنطقة، ومن جهة أخرى تدرك أن أي رد واسع قد يفتح أبواب حرب إقليمية شاملة لا يمكن السيطرة على مآلاتها، هذا التردد الأمريكي، المحكوم بحسابات داخلية وانتخابية، يلتقي مع رغبة إسرائيلية واضحة في توسيع دائرة المواجهة، ليس دفاعاً عن أمن مزعوم، بل سعياً لفرض وقائع جديدة وإعادة ترتيب الإقليم على قاعدة الفوضى الدائمة واستنزاف الخصوم.
في هذا السياق، تبرز نرجسية دونالد ترمب وحساباته الشخصية كعامل إضافي في تأجيج المشهد، إذ لطالما شكّلت الأزمات الخارجية مادة جاهزة لتغذية الخطاب الشعبوي واستعراض القوة، حتى ولو كان الثمن زعزعة الاستقرار الدولي. فترمب، الذي يرى في السياسة ساحة صفقات واستعراض نفوذ، قد يجد في التصعيد فرصة لإعادة تقديم نفسه كـ"رجل الحروب الحاسمة"، متجاهلاً أن إشعال مواجهة واسعة في منطقة معقدة كالشرق الأوسط قد ينقلب على الجميع، بمن فيهم حلفاء واشنطن أنفسهم.
أما إيران، فتقف في قلب هذا المشهد بوصفها لاعباً محورياً تتقاطع عنده خطوط الصراع، حيث يتوقف مسار التصعيد إلى حد كبير على مآلات وضعها الداخلي وقدرتها على إدارة المواجهة دون الانزلاق إلى حرب شاملة، فإيران تدرك أن توسيع الاشتباك قد يفرض عليها أثماناً باهظة، لكنها في الوقت ذاته لا تستطيع القبول بمعادلة استباحة قواعد نفوذها وحلفائها دون رد، ما يجعل المنطقة بأسرها رهينة توازن دقيق بين الردع والانفجار.
إن الحرب الجارية، بما تحمله من رسائل نارية واستهدافات متبادلة، تعيد رسم موازين القوى في الشرق الأوسط، وتدفع الصراع إلى الواجهة مجدداً في لحظة تاريخية تتسم بانكشاف النظام الدولي وتراجع قدرته على الضبط، فالاتهامات المتبادلة حول خلفيات التصعيد تخفي حقيقة أكثر وضوحاً، وهي أن إشعال الجبهات لم يعد وسيلة ضغط مؤقتة، بل أداة لإعادة تشكيل الإقليم وفق منطق القوة العارية، وفي ظل هذا المسار، تبدو المنطقة مهددة بالدخول في نزاع طويل الأمد، نزاع لا تحكمه حلول سياسية ولا توازنات عقلانية، بل تغذيه مصالح ضيقة ورهانات شخصية، فيما يدفع شعوب المنطقة وحدها ثمن الدم والخراب، مرة أخرى، من أجل حروب لا تخدم سوى إسرائيل وقلة تبحث عن الهيمنة وسط الركام.

أقلام وأراء

الأحد 01 مارس 2026 10:00 صباحًا - بتوقيت القدس

في زمن الحرب.. ضرورة تفعيل خلية أزمة في فلسطين

مؤيد عفانة
خبير في الحوكمة الاقتصادية

ما إن انتشر غبار أولى الضربات الإسرائيلية الأمريكية على إيران، حتى تهافت المواطنون، كعادتهم، على محطات الوقود، رغم إغلاق إسرائيل ما تبقى من بوابات مفتوحة أو حواجز، في الضفة الغربية ذات الألف بوابة وبوابة، عدا عن حالة من الفوضى في شراء السلع والمواد التموينية، وقد سارعت وزارة الاقتصاد الوطني بنشر بيان يطمئن المواطنين إلى توفر السلع لمدد طويلة، وأضافت خط للتواصل مع المجتمع للشكاوى، وهو شيء إيجابي، كما بادر بعض المحافظين بإغلاق محطات الوقود بشكل مؤقت من أجل تنظيم عمليات التزود بالوقود، وهي أيضاً إجراءات جيدة لضبط الحالة.
ولكن نحن بحاجة إلى تفعيل خلية أزمة تقودها الحكومة، وبمشاركة القطاع الخاص والقطاع المصرفي ومؤسسات المجتمع المدني، لإدارة الحالة الفلسطينية في ظل حرب، نحن في وسط لجتّها، وفي عين العاصفة ذاتها، ولا نعلم مداها أو أمدها، ولا نعلم تطوراتها، خاصّة وأنه من المتوقع أن تعمل إسرائيل على توجيه مواردها الاستراتيجية (كهرباء/ مياه/ وقود) نحو خدمة جيشها وأجهزتها الأمنية ومن ثم للمجتمع الاسرائيلي، وسنكون نحن في ذيل القائمة، وليس ضمن قائمة الأولويات أو الاهتمامات.
لذا توجد ضرورة للإعلان عن خلية الأزمة، تنبثق منها لجان طوارئ على مستوى كل محافظة، وتحديد قناة إعلامية واحدة فقط لها، تكون مصدر ومرجعية لكافة وسائل الإعلام، تحت طائلة المسؤولية، مع توجيهات وتحديثات للمواطنين فيما يتعلق بكافة أمور حياتهم ومعيشتهم، من تحديثات إعلامية عن دوام المؤسسات الرسمية، دوام الجامعات والمدارس، ضبط وتقنين توزيع المحروقات، بما يضمن العدالة في التوزيع، وتحديد أولويات لسيارات الإسعاف والدفاع المدني، والخدمات الحيوية، ومنع الاحتكار، او التخزين للمحروقات، من خلال متابعة عمليات التزويد والبيع للمحروقات من قبل الأجهزة الأمنية والمختصة، ووضع أسقف للشراء، وكذا الأمر بالنسبة لمحلات السلع المختلفة، فصحيح أن المخزون السلعي يكفي لـ(6) أشهر، ولكن دون تنظيم وضبط حكومي ستخلق فوضى، خاصة أن تطورات الحرب غير معلومة.
ويجب أن لا نعوّل فقط على ثقافة المواطن، ووعيه، ففي حالات الحروب، تكثر الشائعات، وتزداد الفوضى، وتطفو على السطح التوجهات نحو الحلول الفردانية والخلاص الفردي، وبشكل عشوائي وغير منّظم مما يفاقم من الأزمات، ويزيد من تهميش الفئات المجتمعية الهشة، ويتنافى مع مبادئ العدالة الاجتماعية، الأمر الذي يتطلب ضبط حكومي، وتفعيل أدوار الجهات ذات الصلة على مستوى مركزي أو على مستوى المحافظات.

أقلام وأراء

الأحد 01 مارس 2026 9:59 صباحًا - بتوقيت القدس

حرب إعادة تشكيل الإقليم


كنا نأمل أن تنجح الجهود الدبلوماسية وعملية المفاوضات التي كانت تجري في قطع الطريق إلى الحرب، لكن هدير الحرب كان أعلى وأقرب. دقت طبول الحرب؛ واشتعلت شرارتها بضربات شرسة وأهداف مباشرة، وقد بدا واضحًا أن هذه الحرب سوف تمتد إلى وقت غير معلوم، لكنه بكل تأكيد سيكون طويلًا، وليست ضربات محدودة ليوم أو يومين.
حرب ستأكل الأخضر واليابس، محورها الإقليم وهدفها تغيير شكل المنطقة برمتها، ولن يقتصر الأمر فحسب على إسقاط النظام الإيراني، ووقف عمليات التسلح النووي كما هو معلن، بل ستحمل معها رسم خارطة جديدة للإقليم، على أن يتزعم الكيان القوة الأولى في المنطقة.
في النتيجة، هزيمة إيران ستؤدي إلى انهيار أذرعها في المنطقة، وفي المقابل سيتمادى الكيان أكثر من أي وقت مضى، وسيفرض شروطه على الإقليم من المحيط إلى الخليج، وفق مصالح التمدد والتوسع والنفوذ والسيطرة والتهويد.
وفي ظاهر الأمر، يبدو أن العرب لا ناقة لهم ولا جمل في هذه الحرب، وأن الضربات الصاروخية لا تستهدفهم، بل تستهدف القواعد الأمريكية على أرضهم، وفي الحقيقة الأمر مغاير لما يظهر؛ لأن إيران، ولعقود طويلة، عملت على العبث باستقرار الدول العربية عبر دعمها لميليشيات هنا وهناك، لخلق الانقسامات والصراعات الداخلية في الدول التي استطاعت أن تشكل فيها أذرعًا وخلايا وأحزابًا.
قد تبدو هذه الحرب كأنها لتغيير النظام في إيران ومنعها من امتلاك سلاح نووي، إلا أن المهمة الجوهرية لهذه الحرب التي أرادها نتنياهو هي تغيير الشرق الأوسط برمته، وإيجاد ميزان قوى بزعامته من خلال فرض هيمنة كاملة للكيان، وفق تطلعاته التلمودية من النهر إلى البحر، بل إن آماله تصل من المحيط إلى المحيط، وربما أبعد من ذلك في البر والجو والبحر؛ فما من شك أن لهذه الحرب مآلات ظاهرة وأخرى حتمية في معادلة العالم الجديد والشرق المتعثر بالحروب.
الحشد العسكري الأمريكي غير المسبوق كان ينذر باقتراب الضربات العسكرية، ولو أن الأمر كان يبدو أن أمريكا تريد المفاوضات أن تجري تحت التهديد والضغط العسكري، للحصول على أفضل نتائج.
أما وقد اندلعت الحرب وبدأت عمليات القصف المتبادل، ودكت الصواريخ طهران والدوحة وأبو ظبي وتل أبيب والبحرين، فلا أحد يمكنه التنبؤ اليوم بمدى اتساع رقعة الحرب، وكيف ستكون مواقف حلفاء إيران في ظل التحالف القائم ضدها.

أقلام وأراء

الأحد 01 مارس 2026 9:58 صباحًا - بتوقيت القدس

العدوان الأمريكي–الإسرائيلي ضد إيران ومخطط الشرق الأوسط الجديد


يعكس العدوان الأمريكي–الإسرائيلي المخطط له سابقاً على إيران عقلية ترامب ونتنياهو المبنية على القوة والضغط الأقصى، مع تجاهل التداعيات الإقليمية والدولية ومبدأ السلم والأمن الدوليين، ووضع المنطقة على طريق الصراع المفتوح بدل الحلول الدبلوماسية التي حاولت الولايات المتحدة أستغلالها في إطار مخطط مسبق لتحقيق إستراتيجيتها منذ الإدارات السابقة.
فمنذ صباح أمس، تشترك الولايات المتحدة مع إسرائيل في حرب مباشرة على إيران بما يمتد على كامل الأراضي الإيرانية، بالتوازي مع هجمات على الجنوب اللبناني، في إطار استراتيجية أمريكية– إسرائيلية لتغيير خريطة الشرق الأوسط وإعادة هندستها، تتلخص بتثبيت الهيمنة الإسرائيلية في المنطقة. ترامب هدد بـتدمير إيران بالكامل وطالبها بالاستسلام خلال تصريحاته أمس، مصوراً الضربات على أنها خطوة دفاعية حاسمة "لحماية الأمن القومي الأمريكي" وحلفائه ومنع أي تهديد نووي أو صاروخي.
إيران بدأت بردود صاروخية على البنية التحتية الإسرائيلية والقواعد الأمريكية المحتضنة في الخليج مقابل الحماية المزعومة والمال المدفوع الولايات المتحدة. الرد الايراني حتى اللحظة دون معرفة تفاصيل قدرته على الاستمرارية يراعي القدرة على الصمود والتأثير الإستراتيجي دون الدخول في مواجهة مفتوحة مباشرة واسعة حتى الآن غير محسوبة.
من البعد الاقتصادي، يحمل التصعيد تهديداً مباشراً للممرات النفطية الحيوية في الخليج والبحر الأحمر، وارتفاع أسعار النفط بالأسواق العالمية وتهديد الممرات البحرية، ما يضع المنطقة والعالم أمام أزمة اقتصادية محتملة إذا استمر التصعيد. كما يفتح الصراع الباب أمام خطر استهداف المصالح الأمريكية في المنطقة أو السفن التجارية، ما يزيد احتمالات المواجهة الشاملة.
أما الأبعاد الإستراتيجية لأهداف العدوان باعتقادي، فهي واضحة من جانب الولايات المتحدة، حيث تسعى لذلك إلى تهديد روسيا بالضغط الإستراتيجي من خلال إضعاف إيران او محاولات اسقاط النظام فيها الذي بربطه معاهدات استراتيجية مع روسيا والصين، والسيطرة على مصادر النفط الإيرانية والمضائق البحرية الحيوية لضمان الهيمنة الإقليمية، كما وإمكانية تحقيق الاقتراب من الحدود الروسية واستنزافا قدراتها كما يجري في أوكرانيا. أما من جانب إسرائيل، فإن الهجمات تأتي ضمن تنفيذ "عقيدة المحيط"، التي تهدف إلى توسيع نطاق السيطرة البحرية والاستراتيجية وتامين الحماية من خلال محيط إسرائيل الجغرافي، وتثبيت الهيمنة الإقليمية على دول الجوار لإتمام مشاريع التوسع الاستعماري.
وبالنظر إلى العمق الاستراتيجي للأزمة، فإن الأسباب تتجاوز مجرد الحسابات العسكرية المؤقتة، فهي تتعلق بأزمة بنيوية للنظام الرأسمالي العالمي وحاجته المستمرة للحرب كأداة لتثبيت الهيمنة الاقتصادية والسياسية، إضافة إلى حاجة نتنياهو لإبقاء إسرائيل في موقع الهيمنة الإقليمية واستمراره بالحكم وتنفيذ مشروع إسرائيل الكبرى، وتحقيق أهدافه الاستراتيجية تحت شعارات مخطط الشرق الأوسط الجديد.
وفي قلب هذا المشهد، يبرز البُعد الفلسطيني حيث يتم استهداف القضية الوطنية والتحررية لشعبنا الفلسطيني كجزء من محاولة فرض إعادة رسم خريطة المنطقة وفق ما بدأ في غزة بحسب مصالح الولايات المتحدة، وإعادة تدوير الاحتلال لحماية إسرائيل وتحقيق مشروع الفصل السياسي، بما يرافق ذلك من إجراءات الضم الاستيطاني بالضفة. هذا ما يجعل الصراع ليس محلياً أو إقليمياً فحسب، بل تجسيدا لصراع عالمي طويل الأمد على النفوذ والهيمنة، مع تداعيات محتملة على ملامح النظام العالمي الجديد، وهنا يبقى تطور الأحداث مرتبطا برد إيران واستجابة القوى الدولية، ما قد يحدد ملامح المرحلة المقبلة في الشرق الأوسط والعالم.

أقلام وأراء

الأحد 01 مارس 2026 9:57 صباحًا - بتوقيت القدس

هل يوجد عشرة جمهوريين شجعان قادرون على إنقاذ أمريكا؟


أناشد كل مسؤول جمهوري أن يتوقف لحظة ويسأل نفسه:
هل أفي حقًا بقسمي الوظيفي بالدفاع عن الدستور وحمايته؟
هل أحافظ على ديمقراطية أمريكا وحرياتها التي ضحى الملايين بحياتهم لحمايتها؟
هل أناضل من أجل الحق، وأعارض الباطل، وأتمسك بالفضيلة الأخلاقية؟
هل أُعلي مصلحة وطني فوق طموحاتي الشخصية وأحلامي العزيزة؟
هل يوجد عشرة أعضاء جمهوريين نزيهين في الكونغرس يستطيعون أن يقولوا: نعم، لقد عشت وفقًا لهذه المُثل والقيم؟
أجرؤ على القول: لا؟
لا يوجد حتى عشرة جمهوريين شجعان نهضوا ليدقوا ناقوس الخطر. إنهم يواصلون دعم رئيسٍ خارج عن القانون، واهم، يُمزق هذا البلد بسخريةٍ وعبثية تحت ستار "جعل أمريكا عظيمة مرة أخرى".
أسأل كل مسؤول جمهوري: كيف يُعقل أن تُعيد أوامر ترامب التنفيذية ومبادراته السياسية المُضللة والمُروعة عظمة أمريكا، أو أن تضعها في المقام الأول؟ إننا نشهد الآن انهيار مُثل أمريكا وقيمها ومبادئها الأخلاقية، لكن القادة الجمهوريين ظلوا مُتبلدين ومخدّرين، مُنشغلين بحماية مناصبهم، بينما يُدمر ترامب الساحة الداخلية والدولية من خلال:
داخليًا:
إرسال إدارة الهجرة والجمارك الأمريكية (ICE) دون أي رادع وشن هجوم وحشي على المهاجرين دون مراعاة الإجراءات القانونية الواجبة، وترويع المجتمعات، وبث شعور عميق بالخوف وانعدام الأمن.
خفض تغطية برنامج Medicaid بمقدار 900 مليون دولار، الأمر الذي سيؤثر بشكل كبير على المُستفيدين، الذين يُشكل الأطفال ما يقرب من 50% منهم. ويُقدر مكتب الميزانية في الكونغرس أن 10 ملايين شخص إضافي سيُصبحون بلا تأمين صحي بحلول عام 2034 بسبب هذه التخفيضات.
زيادة الاعتماد على الوقود الأحفوري بشكل كبير، وتقويض ضمانات المناخ، وتفاقم ظاهرة الإحتباس الحراري وتضخيم حدّة الكوارث المناخية المُتطرفة والتضحية بالبقاء على المدى الطويل من أجل أرباح الشركات قصيرة الأجل.
شنّ حروب تجارية فوضوية ورفع أسعار المستهلك وتضييق الخناق على المزارعين والمصنّعين، مع الفشل في إنعاش المناطق الصناعية الرئيسية.
نشر المدّعين العامّين ضدّ "الأعداء" السياسيين وقمع المعارضة وتقويض مبدأ التساوي في العدالة وتطبيع التحقيقات الانتقامية ودفع النظام القضائي نحو الولاء للسلطة على حساب القانون.
تشويه سمعة وسائل الإعلام المستقلة ونشر المعلومات المضللّة، وتشجيع مضايقة الصحفيين وتقليص مساحة الأخبار الموثوقة وإلزام المراسلين على رفض الحقائق غير المريحة.
إلغاء ضمانات مكافحة التمييز والتغاضي عن المضايقات ودفع مجتمع مثليي الجنس إلى مزيد من الضعف والوصم.
إضعاف إنفاذ الحقوق المدنية في المدارس وترك الطلاب المهمّشين فريسةً للتمييز غير المقيّد وتعميق عدم المساواة التعليمية على مستوى البلاد.
تثبيت الإعفاءات الضريبية التراجعية وتضخيم الدين الفيدرالي وتفاقم عدم المساواة وتقييد الإستثمار الإجتماعي المستقبلي وتوجيه السياسات نحو مصالح الأثرياء والشركات الكبرى.
نشر الأكاذيب حول تزوير الإنتخابات والتحريض على محاولات قلب نتائجها وتشجيع ترهيب المسؤولين وتقويض ثقة الجمهور في الإنتخابات الديمقراطية وانتقال السلطة.
على الصعيد الدولي:
فرض تعريفات جمركية عقابية على حلفاء رئيسيين وتوظيف التجارة كسلاح وتفتيت وحدة الغرب، ودفع الشركاء إلى التحوّط التجاري لصالح القوى المنافسة، لا سيما الصين، وزعزعة استقرار سلاسل التوريد العالمية.
خفض المساعدات الخارجية، بما في ذلك الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية وبرامج التنمية، وإضعاف أنظمة الصحة العالمية، وتأجيج عدم الإستقرار والهجرة والتنازل عن النفوذ للمنافسين وتقويض القوة الناعمة الأمريكية وسلطتها المعنوية.
تهديد تماسك حلف الناتو والتنمّر وممارسة الضغط على الحلفاء والتلويح بالتخلي عن المادة الخامسة من حلف الناتو، ما يصب في مصلحة خصوم أمريكا الرئيسيين، روسيا -وهي بالضبط النتيجة التي كان بوتين يأملها وينتظرها- ما يضعف وحدة حلف الناتو ويزعزع الثقة في الضمانات الأمنية الأمريكية.
ربط حلف الناتو وأمن القطب الشمالي بالإستيلاء القسري على غرينلاند، مبررًا ذلك بعدم منحه جائزة نوبل للسلام، مع زعزعة استقرار الحلف قانونيًا وإقليميًا.
تبني سياسة "أمريكا أولًا" الأحادية الجانب وتهميش المؤسسات متعددة الأطراف وتطبيع السياسات عبر الإنذارات والإشارة إلى أن التزامات الولايات المتحدة نفعية وحتى قابلة للتراجع.
التقليل من شأن الحلفاء الديمقراطيين مع الإشادة بقادة استبداديين مثل بوتين ودعم أحزاب اليمين في أوروبا ونزع الشرعية عن الليبرالية.
شنّ تدخل مدفوع بالموارد وغزو فنزويلا للسيطرة على نفطها وتهديد سيادة دول أخرى في أمريكا اللاتينية، والسعي لتغيير الأنظمة بدلًا من الدبلوماسية متعددة الأطراف.
توفير غطاء دبلوماسي ودعم عسكري ثابت لإسرائيل وتجاهل إبادتها الجماعية وتمكين تكتيكات الحصار والمجاعة وتقويض القانون الدولي.
فهل يوجد عشرة مشرعين جمهوريين يتمتعون بالشجاعة؟
عندما وطأت قدماي أرض الولايات المتحدة قبل أكثر من خمسين عامًا، قلت لنفسي بدموع الفرح: "هذه هي أرض الميعاد، هنا سأحقق الحلم الأمريكي". كانت بالنسبة لي هذه الأمة المجيدة النور الحقيقي الذي يهدي جميع الأمم الأخرى وأسمى تجربة للديمقراطية والحرية في تاريخ البشرية.
ومع كل أخطائها ومغامراتها المؤسفة، كانت أمريكا فريدة من نوعها، رحيمة وعطوفة مع ملايين الملايين حول العالم يتوقون لتجربة الحلم الأمريكي.
والآن، وأنا أشهد الاضطراب الكارثي الذي يُلحقه ترمب بهذا البلد العظيم، ينقبض قلبي وأتمتم: لا، لا يُعقل هذا؛ هل نحن على حافة سقوط الإمبراطورية الأمريكية؟
ما كان لترمب أن ينتهك الدستور وينشر الفوضى الداخلية والخارجية على حساب هذه الأمة لولا الموافقة الضمنية لأغلبية الجمهوريين. كقطيع أغنام عمياء، اتبعوا راعيًا مُهلوسًا ضلّ طريقه منذ زمن. لم يكن ترامب ليتمكن من انتهاك الدستور وبث الفوضى الداخلية والخارجية على حساب هذه الأمة لولا الموافقة الضمنية لأغلبية الجمهوريين. كقطيع أغنام عمياء اتبعوا راعيًا مُهلوسًا ضلّ طريقه منذ زمن.
ومع ذلك، ثمة مؤشرات واضحة على وجود انقسامات بين المشرعين الجمهوريين الذين يخشون بشدة ما قد يُقدم عليه رئيسٌ غير متزن.
هل يوجد بينهم عشرة جمهوريين مستعدين للوقوف في وجه ترامب والمخاطرة بمستقبلهم السياسي وعرقلة، إن لم يكن إيقاف، تدميره الكارثي لكل ما تمثله هذه الأمة، لإنقاذ أمريكا؟

أقلام وأراء

الأحد 01 مارس 2026 9:56 صباحًا - بتوقيت القدس

الترمبية والشرق الأوسط الجديد


لم يعد الخطر في الشرق الأوسط يُعرَّف بوصفه احتلالًا عسكريًا قائمًا وممتدًا، بل بات يُعاد تأطيره ضمن سردية "التهديد النووي" و"الخطر الوجودي الإقليمي". هذا التحول ليس لغويًا فحسب، بل يعكس إعادة صياغة كاملة لأولويات الأمن الدولي والإقليمي، بحيث يُزاح الاحتلال من مركز التحليل، ويُستبدل به خطاب الردع الاستراتيجي، والتوازنات النووية، وتحالفات مواجهة "الخطر الأكبر".
في هذا السياق، لم تعد المبادرات التي تُطرح تحت عنوان "السلام" في القضية الفلسطينية تعكس مسارًا تفاوضيًا قائمًا على القانون الدولي وحق تقرير المصير، بل أصبحت جزءًا من مشروع أوسع لإعادة رسم خريطة شرق أوسط جديد، تُعاد فيه صياغة التحالفات وفق منطق مواجهة "التهديد النووي" لا إنهاء الاحتلال.
صعود الترمبية وحركة MAGA Make America Great Again في الولايات المتحدة شكّل أحد مداخل هذا التحول. فالرؤية التي روّجت لها "صفقة القرن"، وما يمكن تسميته بعقيدة كوشنر–ويتكوف، لم تكن مجرد خطة سياسية، بل إطار لإعادة تعريف القضية الفلسطينية ذاتها: من قضية تحرر وطني إلى ملف إداري–اقتصادي يُدار ضمن ترتيبات أمنية إقليمية أوسع، عنوانها الاستقرار في مواجهة "الخطر الاستراتيجي".
بهذا المعنى، يجري نقل مركز الثقل من إنهاء الاحتلال إلى بناء تحالفات إقليمية جديدة، يمكن وصفها بتحالف الإسلام السياسي المحافظ، والصهيونية القومية، والترمبية الشعبوية. تحالف غير مُعلن أيديولوجيًا، لكنه متقاطع مصلحيًا، يجمعه تصور مشترك للأمن قائم على القوة، والردع، وإعادة ترتيب أولويات المنطقة وفق ميزان "التهديد الأكبر".
في هذا الإطار، تصبح القضية الفلسطينية عنصرًا وظيفيًا داخل معادلة أوسع: إما أن تُعاد صياغتها بما يتوافق مع هندسة التحالفات الجديدة، أو تُهمَّش بوصفها ملفًا يمكن احتواؤه عبر مشاريع إعادة إعمار، واستثمارات، وآليات أمنية. غزة تُختزل إلى مساحة إدارة أمنية–اقتصادية، والضفة الغربية تُفكك جغرافيًا وسياسيًا، فيما يُعاد تعريف الخطر باعتباره نوويًا عابرًا للحدود، لا احتلالًا مستمرًا منذ عقود. يُصبح الاحتلال تفصيلًا ثانويًا في سردية الأمن وتُبنى التحالفات على قاعدة مواجهة "الخطر الوجودي"، تُعاد شرعنة وقائع ميدانية كانت تُعتبر سابقًا انتهاكًا للقانون الدولي. هكذا تتحول أولويات النظام الإقليمي من إنهاء حالة استعمارية واضحة إلى إدارة توازنات ردعية.
في الوقت ذاته، يطرح صعود حركة MAGA مفارقة أخرى. فالحركة، في خطابها، تدعو إلى تقليص الانخراط الخارجي المكلف، وإعادة توجيه الموارد إلى الداخل الأميركي. نظريًا، يفتح ذلك الباب أمام مساءلة طبيعة الدعم غير المشروط لإسرائيل، وحجم الكلفة الاستراتيجية والاقتصادية له. لكن عمليًا، شهدت الترمبية لحظات عززت فيها انحيازًا واضحًا، ما يعكس التداخل بين الاعتبارات الأيديولوجية والانتخابية والتحالفات الداخلية.
النتيجة أن الشرق الأوسط يُعاد تشكيله اليوم لا عبر خطوط الحدود التقليدية، بل عبر خطوط التحالفات الجديدة. خريطة المنطقة لا تُرسم فقط بالجغرافيا، بل بتعريف من هو "الخطر الأكبر"، ومن هو "الحليف الضروري". وفي هذه المعادلة، يُعاد تعريف القضية الفلسطينية من مسألة قانونية–حقوقية إلى ملف يمكن إدارته ضمن منظومة ردع إقليمية. لكن استبدال الاحتلال بسردية "الخطر النووي" لا يلغي الواقع القانوني. حق تقرير المصير لا يسقط بتغير أولويات الأمن الدولي، وعدم شرعية الضم لا تتبدل بتبدل التحالفات. إن تحويل مركز النقاش من إنهاء الاحتلال إلى إدارة المخاطر النووية قد يعيد ترتيب الأولويات السياسية، لكنه لا يعيد كتابة قواعد القانون الدولي.
التحدي الحقيقي أمام الفلسطينيين اليوم ليس فقط مواجهة وقائع الاحتلال، بل مواجهة إعادة تعريف القضية ذاتها ضمن منظومة إقليمية جديدة. فالمعركة لم تعد على الأرض فقط، بل على المفهوم: هل تبقى فلسطين قضية تحرر وطني، أم تتحول إلى ملف ثانوي في معادلة ردع إقليمي؟ دون إعادة تثبيت الأساس القانوني للقضية -حق تقرير المصير، وحدة الأرض، عدم شرعية الضم، والتمثيل الوطني الجامع- ستظل أي خريطة شرق أوسط جديد خريطة تُبنى فوق اختلال العدالة، حتى لو رُسمت بخطاب الأمن والاستقرار.

أقلام وأراء

الأحد 01 مارس 2026 9:55 صباحًا - بتوقيت القدس

ما الذي يميز حرب اليوم.. تكنولوجياً؟


بين المراوغة والمناورة، دقت طبول الحرب من جديد مع كتابة هذه الكلمات، لتشتعل المنطقة والإقليم ولتكون المواجهة هذه المرة مختلفة عن سابقاتها، ليس فقط في إطار صنوف السلاح العسكري من صواريخ باليستية، ومفاعلات نووية، ومنظومات برية وبحرية وجوية فحسب، بل أيضاً بما لم تعرفه البشرية من قبل في كتب التاريخ، وبصورة تتجاوز احتشاد الجيوش والبوارج الحربية وأساطيل الموت ولتشتمل اليوم أيضاً على حرب تحركها الخوارزميات والتطبيقات التي يقدمها الذكاء الاصطناعي. خلف الشاشات وعبر البيانات الضخمة ومعالجاتها، تدور تفاصيل الحرب وفصولها المميتة لنقف مجتمعين شهوداً على تحوّل نوعي يعيد تعريف مفهوم القوة والآلة وما بينهما من تفاصيل يبقى معظمها مستتراً عن ملايين البشر.
لقد غيّر الذكاء الاصطناعي حتماً طبيعة التفكير الاستراتيجي، إذ لم يعد محصوراً في المجالات البحثية أو التقنية المدنية فحسب، بل أصبح جزءاً من منظومة عسكرية ناشئة تتطور بصورة مضاعفة بالمقارنة مع تطور الذكاء الاصطناعي في المجال المدني. فالأنظمة الموجهة ذاتية التشغيل، والمسيرات، وصور الأقمار الصناعية، ومنصات الرصد والتنبؤ، كلها تعكس انتقال القرار العسكري من الإدارة البشرية أو الآلية التقليدية إلى التحكم الآلي المدعوم بالذكاء الاصطناعي، والدّعم بمعالجة فائقة الدقة للبيانات القادرة على تحديد الأهداف وتجهيز الذخيرة المناسبة واقتراح موعد القصف وجدولة قائمة واضحة من الأولويات.
وإذا كانت الثورة الصناعية قد أدخلت السلاح الناري كمتّغير  واضح لشكل الحروب، فإن ما اصطلح على تسميته بالثورة الصناعية الرابعة اليوم قد كتبت تاريخاً جديداً في عالم الحروب البشع، متسلحة بالشبكات الذكية، والأنظمة المترابطة ناهيكم عن منظومات تحليللية رهيبة. فالحرب لم تعد مجرد اقتتال مباشر، بل صارت حرباً أشبه بأفلام هوليود "التهويلية" لتطول حممها مقار المعلومات، وأدمغة الإدارة الرقمية، ومكونات البنى التحتية المعلوماتية، من منصات حاسوبية إلى شبكات التغذية بالطاقة، إلى منظومة المصارف إلى العامود الفقري للاتصالات.
ضغطة زر واحدة كفيلة بأن تتجاوز بدقتها ما يعادل عدة حروب مجتمعة، بما يشمل اختراق أعتى الأنظمة المعلوماتية الاستراتيجي.
إن ما يميز حرب اليوم أيضاً هو ماراثونية العامل الزمني. فقرار الحرب لم يعد يحتاج إلى أيام لاتخاذه، بل بات يُتخذ خلال ثوانٍ وفق تحليل فوري لكمٍّ هائل من المعطيات والأهداف والبيانات والتحديات والمحاذير والفرص وتوقيت الاستهداف. هنا يوظف الذكاء الاصطناعي كل ما ذكرت لتلتقي البيانات المفتوحة مع تقنيات التحليل العميق والتقدير المحوسب ووفرة الذخيرة المناسبة ليعلن الجاهزية للتنفيذ وفق احتساباته. بل إن التطبيقات الذكية على تعددها، إنما تكشف كيف يمكن للذكاء الاصطناعي أن يعيد تشكيل بيئة المعلومات، سلباً أم إيجاباً، في إطار متغيرات طارئة أو اختلاف ساحات التأثير وصناعة الرأي العام.
إن الحرب التكنولوجية لا تعرف الحدود، ولا تحتاج إلى تأشيرة دخول وهو ما يفرض على الدول التغيير المباشر لضمان مواءمة برامجها مع التطور التقني وأدوات الحماية، والكفاءة البشرية، والقدرة على التغيير. ففي بناء الكفاءات الوطنية القادرة على فهم هذا التحول وإدارته يكمن سر القدرة على التحول من الحرب التقليدية إلى الحرب المدّعمة بالذكاء الاصطناعي.
غير أن السؤال الأخلاقي التقليدي إنما يكمن في الطرح التالي: كيف يمكن ضبط إيقاع القوة ومحاذيرها؟ ومن يضمن ألا تتحول إلى “عقل منفلت؟ هنا تكمن مسؤولية القيادة من باحثين، ومشرّعين، وقادة للفكر والقرار.
تقول مراجع الذكاء الاصطناعي بأن حرب اليوم ليست حرب عضلات، بل حرب عقول بالغة التقدم. فمن يمتلك المعرفة، ويدير البيانات بوعي، ويستثمر في الإنسان قبل الآلة، ويضع القوانين الداعمة محلياً هو من يرسم معالم الغد. للحديث بقية!
[email protected]

عربي ودولي

الأحد 01 مارس 2026 9:50 صباحًا - بتوقيت القدس

رؤية شرق أوسطية: الهجوم الأمريكي الإسرائيلي على إيران ينذر بحرب مفتوحة

القاهرة - (شينخوا) حذر مراقبون عرب، من أن الهجوم الذي شنته الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل على إيران اليوم (السبت) قد يتحول إلى حرب مفتوحة أوسع نطاقا وأطول أمدا، ما سيكون له عواقب وخيمة على الشرق الأوسط.

وأكد المراقبون، في مقابلات مع وكالة أنباء ((شينخوا))، أنه "على الرغم من اختلال موازين القوى بشكل كبير، فإن إيران ليست خصما سهلا، وقادرة على الرد بهجمات مضادة تستهدف إسرائيل والقواعد والأساطيل الأمريكية في المنطقة".

ورجحوا أنه "إذا ما طالت الحرب، أن تنخرط جبهات أخرى، مما قد يوسع نطاق الصراع ويزيد من تكاليفه السياسية والعسكرية والاقتصادية على جميع الأطراف".

-- هجوم متوقع

وقال المحلل الأردني الدكتور معاذ أبو دلو، إن الهجوم الأمريكي - الإسرائيلي على إيران "يأتي في سياق مسار كانت تمهد له الإدارة الأمريكية منذ بداية العام، والقرار لم يكن مفاجئا بالكامل من وجهة نظري".

وأضاف أبو دلو أن "التصريحات الصادرة عن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عكست أهدافا تتجاوز مجرد توجيه ضربات عسكرية، إذ تحدث بوضوح عن إنهاء البرنامج النووي الإيراني بل وأشار إلى مسألة تغيير النظام، موجها رسائل مباشرة إلى الداخل الإيراني، وبالتالي خطاب ترامب قد يفهم على أنه محاولة لخلق دينامية داخلية في إيران بالتوازي مع التحرك العسكري".

وتابع "في المقابل، لا يمكن استبعاد أن تكون بعض الضربات ضمن رسائل محسوبة أو تفاهمات غير معلنة سبقت جولات المحادثات التي عقدت في جنيف ومسقط، وربما كانت محددة الأهداف والسقف الزمني".

وأردف أن "إيران بدورها ردت عبر استهداف عدد من القواعد والمواقع الأمريكية في المنطقة خصوصا في الخليج العربي، ما يعني أن المشهد مرشح لمزيد من التصعيد، وقد تستمر المواجهة لأيام أو أسابيع".

بدوره، قال عبد العزيز الشعباني الباحث السعودي في مركز الرياض للدراسات السياسية والاستراتيجية إن الهجوم الأمريكي الإسرائيلي على إيران "لم يكن مفاجئا، فقبل شهر، وصلت حاملة الطائرات الأمريكية 'أبراهام لينكولن' إلى المنطقة، بالتزامن مع حشد الولايات المتحدة لقواتها العسكرية على نطاق واسع".

وأضاف الشعباني، أن "محادثات عمّان وجنيف أثارت بصيص أمل وجيز بإمكانية تجنب الهجوم لكن في النهاية أشارت جميع الدلائل إلى حتمية وقوعه، والسؤال الوحيد المتبقي هو طبيعة الضربة نفسها: هل ستكون محدودة أم شاملة؟"

وأردف أن "الجانب الأمريكي أصر على أن تكون نطاق هذه الضربة أوسع من سابقتها، بينما صرحت إيران بأنها تعد إجراءات مضادة وسترد بقوة".

وشاطره الرأي الدكتور سعيد الصباغ أستاذ الدراسات الإيرانية بجامعة عين شمس المصرية، بقوله إن الهجوم على إيران كان "متوقعا خاصة أن عقيدة إسرائيل العسكرية تركز على الهجمات الاستباقية، وإسرائيل تعلم أنه إذا شنت الولايات المتحدة أي ضربات على إيران، فإن إيران سترد أولا على إسرائيل".

 مسارات دخان خلّفتها صواريخ اعتراضية أُطلقت من أنظمة الدفاع الجوي الإسرائيلية في مدينة تل أبيب، إسرائيل، يوم 28 فبراير 2026.(شينخوا)


وأوضح أن إسرائيل والولايات المتحدة تستهدفان البرنامج النووي الإيراني، وتريدان ضمان قطع جميع فروع إيران في المنطقة، واستئصال قدرتها على دعم وكلائها، لكي تعيش إسرائيل في أمان لسنوات طويلة قادمة.

-- سيناريوهات الحرب

وقال المحلل الفلسطيني هاني المصري إن "الحرب الأمريكية الإسرائيلية ضد إيران قد تبقى محدودة وسريعة، وقد تتسع رقعتها لتشمل نطاقا أوسع مما حدث في يونيو الماضي، وقد تطول وتتحول إلى حرب استنزاف مفتوحة".

وأضاف "لكل سيناريو من هذه السيناريوهات دوافعه الخاصة وأطرافه الفاعلة، سواء المؤيدة أو المعارضة، لا سيما داخل الولايات المتحدة، حيث تشير استطلاعات الرأي إلى أن نحو 70٪ من الأمريكيين يعارضون الحرب، حتى داخل الحزب الجمهوري والإدارة الأمريكية نفسها توجد أصوات تعرب عن تحفظاتها" إزاء الحرب.

وأوضح أن "الغموض هو السمة الغالبة نظرا لعدم وضوح أهداف الولايات المتحدة، هل تسعى واشنطن إلى إسقاط النظام الإيراني؟ أم مجرد إضعافه؟ أم تغيير سلوكه وسياساته الإقليمية؟ أم أنها مجرد حرب محدودة تهدف إلى تغيير شروط التفاوض وفرض وقائع جديدة على الأرض؟"

 مشهد من وسط مدينة الدوحة، قطر، يوم 28 فبراير 2026.(شينخوا)

وتابع المصري، أنه "على الرغم من اختلال موازين القوى بشكل كبير، فإن إيران ليست خصما سهلا، فهي قادرة على الرد بهجمات مضادة تستهدف إسرائيل أو القواعد والأساطيل الأمريكية في المنطقة، وإذا ما طالت الحرب، فمن المرجح أن تنخرط جبهات أخرى، مما قد يوسع نطاق الصراع ويزيد من تكاليفه السياسية والعسكرية والاقتصادية على جميع الأطراف".

ورأى أن "إنهاء الحرب سريعا أمر بالغ الأهمية، لأن تداعياتها على المنطقة والعالم ستكون عميقة، فاستمرارها أو اتساع نطاقها قد يؤدي إلى عواقب وخيمة سواء على صعيد الاستقرار الإقليمي أو موازين القوى أو أولويات المجتمع الدولي".

بدوره، قال أبو دلو "أعتقد أن تداعيات هذا الهجوم ستعتمد بشكل أساسي على طبيعة رد إيران، التي قد تتجه إلى التريث لفترة من الزمن ومحاولة تقييم الموقف بدقة قبل الانتقال إلى خطوات تصعيدية أوسع".

ورأى أنه "في حال شعرت طهران بأن خياراتها تضيق قد تلجأ إلى توسيع نطاق الاستهداف ليشمل مصالح أمريكية في المنطقة، وربما مصالح دول حليفة لواشنطن، سواء في الخليج العربي أو في دول مثل الأردن ولبنان وسوريا، وكذلك في محيط إسرائيل والدول القريبة من الولايات المتحدة".

وأشار إلى أن "كل ذلك يرتبط بكيفية قراءة القيادة الإيرانية لمعادلة القوة والردع بينها وبين واشنطن، فإذا كانت الضربات الأمريكية محددة الأهداف والسقف، فقد يكون الرد الإيراني محسوبا ومحدودا أيضا، ما يعني أن المنطقة قد تشهد حالة اشتعال مضبوط دون الوصول إلى مرحلة انهيار شامل".

وأردف "أما الانتقال إلى مرحلة فوضى واسعة أو تفكك إقليمي، فهو يحتاج إلى مستويات تصعيد أعلى ومراحل متعددة، ولم نصل بعد إلى تلك النقطة، بحسب المعطيات الحالية".

تصاعد دخان كثيف في تل أبيب، إسرائيل، يوم 28 فبراير 2026.(شينخوا)

واتفق معه الشعباني بقوله إن "رد إيران سيكون العامل الحاسم في تحديد تصعيد الموقف"، مشيرا إلى أن "نقطة التوتر الأكثر حساسية هي مضيق هرمز الذي يعد حيويا لمعظم الدول وأحد أهم الممرات المائية الاستراتيجية في العالم".

وأوضح أنه "إذا ما تعرض المضيق لهجوم، فسيكون التأثير على تجارة النفط والغاز والأسواق العالمية هائلا، ولا أحد يستطيع التنبؤ بكيفية تطور الأحداث".

أما المحلل السياسي عبد القادر حمد فرأى أنه "لا يزال من المبكر جدا تحديد طبيعة الحرب بدقة أو مسارها النهائي، وما نشهده قد يكون جولة محدودة من العمليات العسكرية تهدف إلى إضعاف قدرات إيرانية محددة، لا سيما الأصول العسكرية والاستراتيجية. ومع ذلك، قد يتطور الأمر إلى مواجهة أوسع وأطول أمدا إذا اتسع نطاق العمليات واشتدت الردود الانتقامية".

وأردف أن "العامل الحاسم هو حجم وشكل الرد الإيراني. فإذا اختارت طهران ردا شاملا يستهدف إسرائيل ومصالح الولايات المتحدة في المنطقة، فقد تتصاعد المواجهة سريعا إلى حرب حقيقية مفتوحة. لكن إذا كانت الاستجابة محسوبة ومحدودة، وتركت مجالا لإعادة فتح القنوات الدبلوماسية، فقد يبقى الصراع محصوراً ضمن نطاق أضيق".

 تصاعد دخان كثيف وسط مدينة طهران، إيران، يوم 28 فبراير 2026.(شينخوا)

وأوضح حمد، أن "هناك عدة احتمالات للحرب، أحدها مواجهة عسكرية قصيرة تليها عودة إلى المفاوضات بشروط جديدة تحددها تطورات ساحة المعركة، وثانيها تصعيد تدريجي يتحول إلى حرب استنزاف، يسعى فيها كل طرف إلى استنزاف القدرات السياسية والعسكرية والاقتصادية للطرف الآخر".

وتابع "أما السيناريو الثالث، والأكثر خطورة، فيتمثل في حرب إقليمية واسعة النطاق، لا سيما إذا امتدت إلى جبهات إضافية، وسيتوقف الكثير على كيفية تحديد الأطراف الفاعلة الرئيسية لأهدافها سواء أكانت تهدف إلى تغيير النظام، أو الردع الاستراتيجي أو مجرد إعادة ضبط موازين القوى".

وأشار إلى أنه "على الرغم من اختلال موازين القوى العسكرية التقليدية، تمتلك إيران أدوات قد تعقد الوضع بشكل كبير، فهي قادرة على استهداف الأراضي الإسرائيلية والقواعد الأمريكية والمصالح الاستراتيجية في المنطقة".

ولفت إلى أنه "إذا اختارت إيران ردا شاملا، فقد يتسع نطاق المواجهة جغرافيا وسياسيا. مع ذلك، قد تختار طهران ردا محسوبا يهدف إلى الحفاظ على الردع دون التسبب في تصعيد خارج عن السيطرة، وستحدد طبيعة هذا الرد في نهاية المطاف، ما إذا كنا بصدد مواجهة محدودة أم حربا طويلة الأمد".

وحذر من أن "أي حرب مطولة أو واسعة ستكون لها عواقب وخيمة على الاستقرار الإقليمي، وقد تعطل الطرق الاقتصادية وأسواق الطاقة والترتيبات الأمنية في جميع أنحاء الشرق الأوسط".

-- مصير المفاوضات النووية

وأعرب أبو دلو عن اعتقاده بأنه "مع هذه الضربات العسكرية، أصبحت المفاوضات النووية في حالة تجميد فعلي، ومن الصعب تصور استمرار مسار تفاوضي نشط في ظل عمليات عسكرية مفتوحة، لذلك يمكن القول إن المسار السياسي بات معلقا بانتظار ما ستؤول إليه التطورات الميدانية".

 صحفيون إعلاميون ينتظرون خارج مقر إقامة السفير العُماني في جنيف، سويسرا. ذكرت تقارير إعلامية محلية، يوم الخميس، أن الجولة الثالثة من المحادثات النووية غير المباشرة بين إيران والولايات المتحدة، بوساطة سلطنة عُمان، قد بدأت في جنيف، سويسرا، يوم 26 فبراير 2026.(شينخوا)

ولفت إلى أن "المفاوضات قد تعود لاحقا سواء بعد انتهاء العمليات العسكرية أو بعد فترة من التهدئة، إذا توفرت رغبة حقيقية لدى الطرفين، لكن في المرحلة الحالية المؤشرات تدل على توقف فعلي للمحادثات".

وأشار إلى أن "التصريحات الأمريكية التي تحدثت عن إنهاء البرنامج النووي الايراني وتقليص نفوذ طهران في المنطقة بل وإنهاء النظام الإيراني نفسه تعكس سقفا سياسيا مرتفعا يصعب التوفيق بينه وبين أجواء تفاوضية تقليدية، وبالتالي يبدو أن المفاوضات النووية دخلت مرحلة تجميد مؤقت قد يطول، خاصة إذا كان الخيار العسكري قد حسم كأولوية لدى واشنطن خلال هذه المرحلة".

في المقابل، توقع الصباغ أن "تستهدف الهجمات الأمريكية رأس النظام الإيراني، ومواقع أو بعض الأشخاص المختارين بعناية لإحداث صدمة داخلية في إيران، وإضعاف القيادة، وتأجيج الاحتجاجات الداخلية، على أمل إحداث شرخ في النظام الإيراني، لذا لا أعتقد أن حربا شاملة مفتوحة ستندلع، بل عمليات محددة على مواقع وأشخاص معينين في إيران".

وقال الصباغ "أعتقد أن الضربات العسكرية الأمريكية ستكون ضغطا غير مباشر لتحسين ظروف المفاوضات، وليست أداة لتفجير المحادثات النووية تماما، لأن الولايات المتحدة تدرك أن أي تصعيد عسكري سيفتح الباب أمام مواجهة إقليمية واسعة يصعب احتواؤها".

وأشار إلى أن "الهجمات الأمريكية على إيران تستهدف الوصول إلى سيناريو مفاوضات تحت ضغط شديد، مع ذلك لا يمكن احتواء الوضع، فإذا ما ردت إيران، سيتعرض الشرق الأوسط بأكمله لنزاعات لا يمكن السيطرة عليها". 

أقلام وأراء

الأحد 01 مارس 2026 9:44 صباحًا - بتوقيت القدس

ضع في حقيبتك حجراً وقلماً ونكافة .. إلى صديقي الشاعر المتوكل طه الذي قال: اتبع دربك ولا تركن لليأس...


يا طفلَ هذا الصبحِ في ساحةِ المدرسةْ
احملْ كتابكَ مثلَ سنبلةٍ مقدّسةْ
واكتبْ على دفتركَ الأولِ:
نحنُ الضوء إذا تكاثفَتِ العتمةْ،
لسنا حجارةَ شارعٍ مكسور،
نحنُ الفكرةُ حينَ تمشي
ونحنُ الامل إن ضاقَت بنا الزنزانةْ.
قالوا: موتٌ…
قلنا: موعدٌ آخرُ للشمس،
لا تركن لليأس،
قالوا: رمادٌ…
قلنا: من الرمادِ تقومُ القيامةْ.
يا طالبَ الحرفِ،
ضع في حقيبتك حجرا وقلما ونكافة،
وعلى اللوح اكتب اسم حيفا،
وارسم البحر وامواجه،
الفلسطينيُّ لا يهربُ من السؤال،
هو يسكنُهُ.
يسألُ:
كيفَ نصيرُ أكبرَ من جراحِنا؟
كيفَ نحفظُ قلبَنا
كي لا يشبهَ جلّادَه؟
يا طالب المدرسة،
رايتك في الدرس والمظاهرات،
ورايتك زهرة على أرض الابادة،
تشعل الوردة الذابلة،
ورايتك في السجن تقرا السماء بكل اللغات،
وتتحرر بالكتابة.
حكمتُنا ليستْ خطابةً،
بل صبرُ زيتونةٍ
تتعلمُ الوقوفَ
ولو قُصِفَتْ ألفَ مرةْ.
في غزةَ،
وفي الضفة المحتلة والقدس،
لا تركن لليأس ،
في كلِّ مدينةٍ تنفضُ الغبارَ عن شبابيكها اليتيمة،
نتعلّمُ أن الموتَ عابرٌ
وأن الحياةَ قرار،
نحنُ لا نعشقُ الألم
لكننا نحول الخسارة
إلى درس في الكرامة والبطولة.
يا طلبةَ الغدِ
افتحوا دفاتركمْ
كما تُفتحُ النوافذُ للريحْ.
لا تكرهوا العالمْ،
بل غيّروهُ بالعلمْ والارادة
اقرأوا…
فالمعرفةُ مقاومةٌ
اكتبوا…
فالكتابةُ شجرةُ عدلٍ في الساحةْ.
ويسألون جهنم كيف عاد الولد من المحو والإزالة؟
يحفظ اسماء البيوت المهدمة،
والأصدقاء والحارات،
يتحدث مع الشهداء صباحاً،
وفي المساء يعزف اغنية.
لقد كبرو وكبروا وانتشروا،
زرعوا الحقيقة قمحا ووعيا،
تاريخا ورواية،
لا خوف هنا، لا رحيل ولا استكانة.
كبروا على الاسفلت والأنقاض،
كبروا في المخيمات والذكريات،
وما نسوا، وما هجروا،
كتاب في يد، وفي الاخرى جرس يقرع للحب والعبادة.
ضع في حقيبتك حجرا وذاكرة،
لا تخش التهويد والاسماء العبرية والقنابل،
لا تركن لليأس،
اقرأ الدرس:
اسمك العربي الكنعاني الفلسطيني يمحو الخرافة،
بجراحنا المميتة،
نغسل ارواحنا،
نلملم زنودنا العنيدة،
ونطلق في الحياة اسماءنا الجديدة.
بقليل من الندى
بقليل من قصائد الحب،
نحطم ابواب الجريمة،
بقليل من الرفض،
نكسر القيود باسناننا الصغيرة.
افتح كتابك واقرا ما قالته امك قبل خمسة آلاف عام قبل الولادة:
انجبتك يابني من طين ودم ومخاضات لا تزول،
أنت هنا وانت هناك،
باق حياً وميتاً
تراباً وماء،
زماناً ومكاناً،
جبالا وسهولا وحضارة وثقافة.
يا طالب المدرسة،
يا ابن امك وابيك،
يا ابن النار والهواء والكوفية،
ترابك تحت قدميك،
والصخور والينابيع والاسطورة،
وفوقك سبع سماوات والف نبوءة وسحابة.

أقلام وأراء

الأحد 01 مارس 2026 9:43 صباحًا - بتوقيت القدس

بين وصية الفناء وعروج البقاء: قراءة في فراشات آلاء القطراوي


تعد التجربة الشعرية للشاعرة الفلسطينية الدكتورة آلاء القطراوي، المتمثلة في ديوانيها "فراشتي التي لا تموت" و"عروج الفراشة"، واحدة من أعمق السرديات الوجدانية التي نبتت من قلب حرب الإبادة في غزة؛ حيث يمثل هذان العملان رحلة روحية وأدبية انتقلت فيها الشاعرة من لغة الوداع والوصايا إلى إرادة الحياة والسموّ. فبينما جاء الديوان الأول "فراشتي التي لا تموت" صرخة تحت وطأة ضيق التنفس، وغارات الاحتلال، مستهلاً كل مقطوعة بعبارة "إذا متُّ" كوثيقة أخيرة لمن يواجه الفناء، جاء الديوان اللاحق "عروج الفراشة" ليقلب هذه الموازين بإصرار وجودي، متخذة من عبارة "إذا عشتُ" فاتحة لكل نصوصه، وكأنها تنتقل من رثاء الذات إلى صياغة "نبوءة" بالنجاة تحقق بالفعل على أرض الواقع.
ويُمثل ديوانها "فراشتي التي لا تموت" وثيقة إنسانية وأدبية استثنائية، كُتبت فصولها تحت وطأة واحدة من أقسى اللحظات التاريخية في قطاع غزة، وتعبر الشاعرة في مفتتح الديوان عن الرغبة في الحلم التي صاحبت تدوين النصوص، مؤكدة أن الشعر، وإن كان لا يصدّ غارات الاحتلال، فإنه يمتلك القوة ليقول إن على هذه الأرض ما يستحق الحياة والحب والانتصار.
يضم الديوان ثلاثين مقطوعة شعرية مكثفة، تتخذ جميعها من جملة "إذا متُّ" عتبة نصية ومفتاحاً وجدانياً لبناء هذه الوصايا،  ويعدّ هذا التكرار استراتيجية لمواجهة الموت الوشيك عبر تنظيم الغياب؛ ففي المقطوعة الأولى، تطلب الشاعرة أن يُرسم بجانب اسمها "فراشة" لأنها تحب الفراشات، وأن تُعلق على شاهدها "نجمة غياب" لتخبر الموت بأنها حاولت المسير رغم الحصار، في محاولة لترك أثر يتجاوز فناء الجسد، محولةً القصيدة إلى أثير مطلق يتصل بالحقيقة الروحية التي ترفض الموت. ومن الجدير بالذكر أن هذا الديوان قد نال تقديراً أدبيًا رفيعًا بترشحه للقائمة القصيرة لجائزة الشيخ زايد للكتاب لهذا العام عن فئة المؤلف الشاب، مما يعكس القيمة الفنية العالية لهذه السردية التي ولدت من رحم المعاناة.
ويتجلى البعد التراجيدي العميق في هذا العمل من خلال الإهداء الذي وجهته الشاعرة إلى "غزة في فقدها" وإلى قلبها الذي جرحه فقد أطفالها، فتتحول أرواح أطفالها (يامن، وكنان، وأوركيدا، وكرمل) إلى خيوط ناظمة في نسيج الوصايا؛ فنراهم في عناقيد التوت التي ستنبت من جرح الغياب، وفي الشموع التي تنسل من كتف الحرير، فالفراشة هنا، كما يوحي العنوان، هي الكائن الرقيق الذي يرفض الاحتراق رغم النيران، وهي الرمز الذي يربط بين فجيعة الفقد وسمو الروح، حيث تظل تحوم حول النور بأجنحة "مريمية" لا تنكسر.
وفي خضم التساؤل المرير الذي تطرحه الشاعرة حول جدوى الشعر، بينما تدوي الانفجارات بالقرب منها، يأتي الديوان كإجابة حية تثبت أن الكلمة هي المساحة الأخيرة المتبقية للحياة. فالنصوص تزدحم بصور الوداع الصادقة، من طلب خلع الحذاء عند المشي على البحر لجس نبض الشاطئ، إلى الوصايا المتعلقة بمسح ريش الحمام بالقصائد ومسامحة من جرحوها، ليصبح هذا الديوان فعلا للمقاومة، يوثق لحظة زمنية قاسية ويحولها إلى دموع قصائد تضيء عتمة الواقع وتفتح نوافذ الأمل رغم الظلم.
ومن خلال ثيمة (إذا متُّ) في مستهلّ كل مقطوعة تسعى الشاعرة إلى تسييج غيابها بأيقونات رمزية، ويتسع هذا الثيم ليشمل استعادة الحواس عبر الطبيعة، كما في وصيتها للمحبوب بخلع حذائه وجس نبض الشاطئ بباطن قدمه، مما يعكس رغبتها في الحلول في عناصر الكون بعد الفناء، كما يتخذ الموت طابعاً إيثارياً يتجاوز الذات عبر توزيع "ميراث روحي" نبيل، كإعطاء قوارير عطرها لعروسٍ حزينة وخاتمها لعامل كادح لم يجد مهراً لمعشوقته، مما يحول الغياب إلى وسيلة لترميم حيوات الآخرين.
ولا يغيب القلق الأمومي عن هذا الثيم، حيث تسيّج أطفالها الأربعة بالتسابيح، وتصنع من خصلات قصائدها جدائل تحميهم من الفقد، مؤكدة أن "الفراشة" في جوهرها كائن يرفض الاحتراق ويظل يحوم فوق النار بأجنحة مريمية لا تنكسر.
سيظلّ هذا العمل المميز شاهداً على قدرة الفلسطيني على اجتراح الجمال من قلب الركام؛ فالحرف الذي كُتب بـنزيف الروح استطاع أن يحفظ ذكرى الشهداء ويصون هيبة "الأم" في مواجهة آلة الحرب. لقد استطاعت آلاء القطراوي في هذا الديوان أن تسيّج حياتها وأطياف أطفالها باللغة، معلنة أن الحرب قد تملك القدرة على القتل والتدمير، لكنها تقف مشلولة أمام "الفراشة" التي اختارت ألا تموت، لتستمر في الطيران نحو سدرة المنتهى.
وفي محاولة لاستقراء أثر هذا التحول من "إذا متُّ" إلى "إذا عشتُ" فإننا نجد الشاعرة تصنع سياجا لحياتها يحميها من الموت المتربص بالجميع، ففي "فراشتي التي لا تموت"، تظهر القصيدة كفعل لمواجهة الحصار والموت، فتخبر العالم بأنها حاولت المسير رغم كل شيء. أما في "عروج الفراشة"، فإنها تعلن انحيازاً تاماً للحياة، محولةً القصيدة من نص أدبي إلى امتداد للروح، واتصال فلسفي بالحقيقة التي ترفض المحو.
وإن وصول فراشتي التي لا تموت إلى القائمة القصيرة لجائزة الشيخ زايد هو وصول مستحق وآمل لها التتويج والمزيد من الإبداع.

أقلام وأراء

الأحد 01 مارس 2026 9:42 صباحًا - بتوقيت القدس

قراءتان في "واجم يطهو يوميّاته" و"الفراشة التي تحدّت الركام"


بعد أن أنهيت قراءة مجموعة "واجم يطهو يوميّاته"، لم أستغرب من نفاد طبعتها الأولى في معرض القاهرة الدولي للكتاب. فـ"واجم يطهو يوميّاته" تجربةٌ جماليةٌ وفكرية تضع القارئ في مواجهة صوته الداخلي.
يستخرج الكاتب الكلمات من رماد القلب؛ حيث يتقاطع الألم بالحلم، ويولد النص من صلاةٍ قصيرة على مذبح الزمن، أو من صرخةٍ مكتومة في صدر مدينةٍ نسيت أبناءها. هذه رؤى تُرى وليست ق.ق.ج فحسب.
كلّ ومضة، نجمةٌ تهوي إلى كفّ القارئ. الجسد هنا أرضٌ تتنازع عليها الريح، والرأس سؤالٌ مكسور. وعندما ينسلخ الجسد عن ذاته، لا نتابع حدثًا بقدر ما نحسّ بغربة الإنسان عن بيته ومرآته.
في مشهدية الطبق الذي يمتلىء بضوء القمر بدل الخبز، مفارقةٌ تكشف مجاعة المعنى. أيُّ وطنٍ يحرسه أبناؤه حتى ينسوا أرواحهم؟ الجوع هنا أخلاقيّ وجوديّ، والمدينة كائن يتنفس من أفواه الفقراء، ويصمت في قصور الأغنياء.
أمّا قصة الوثيقة فتغدو سيفًا باسمًا، والقلم خنجرًا، والتوقيع قبرًا يُفتح بابتسامةٍ رسمية. تتبدّل الدلالات حين تُسلب براءتها؛ حيث الحرف قيد، والنافذة مقصلة، والضوء تهمة. إنها إعادة تعريف للعلاقة بين اللغة والسلطة، حيث يتحول الرمز اللغوي إلى أداة قمع.
ومع ذلك، فالعتمة في المجموعة ليست خاتمة بل بداية. ففي قلب السواد جمرة مقاومة؛ تُصادر الهوية وتبقى الكلمات في الشرايين. يسقط الرأس في الساعة الرملية، لكن السؤال يظل حيًّا بين حبّات الزمن. فالموت المؤجّل هنا ليس نهاية إنما انتظار ولادة جديدة.
أسلوب المجموعة يشبه ينبوعًا جبليًا؛ اقتصاد لغوي عميق الصدى. جملةٌ تمشي على لسانٍ من نار، فكلّ كلمةٍ في موضعها كما تُرصّ حجارة معبدٍ قديم. لا إسهاب ولا زخرف، وهذا يقينٌ من الكاتب شقرة بأن الصمت شقيق البلاغة، وأن أقصر الطرق إلى القلب هو الأكثر صفاءً.
إنّ "واجم يطهو يوميّاته" نصٌّ يهمس ولا يصرخ، يضيء ولا يشتعل. يذكّرنا بأن اللغة مهما ضاقت تتسع للروح، وأن القصة القصيرة جدًّا قد تغدو أرحب من رواية؛ تختصر العمر في لحظة، وتكثّف اللحظة في أبد.


"آلاء القطراوي".. سيرة الأم والشاعرة

من رهافة الشاعرة إلى شموخ الخنساء، في لحظةٍ يتكاثف فيها الألم حتى يصير لغةً قائمة بذاتها، تخرج آلاء القطراوي لا بوصفها كاتبةً، بل بوصفها معنى. امرأةٌ فلسطينية جمعت بين رقّة القصيدة وصلابة الصبر، بين بياض الفراشة وسواد الركام، فصاغت من الفقد مقامًا أخلاقيًا، ومن الحزن بيانًا إنسانيًا مفتوحًا على العالم.
في كتابها "فراشتي التي لا تموت" كانت تؤسس لرؤية ترى في التحوّل خلاصًا، وفي الهشاشة قوةً مستترة. الفراشة عندها ليست مجرد استعارة، بل كائن مقاومة؛ تولد من شرنقة العتمة، وتصرّ على الضوء.
غير أن القدر شاء أن يمتحنها في أعمق نقطةٍ من أمومتها. أربعة أطفال (يامن، كِنان، أوركيدا وكرمل) قضوا تحت الأنقاض في الحرب، فغدت الأمّ هي النصّ، وصار الصبر قصيدتها الكبرى. لم تعد أسماؤهم مجرد حروف تُتلى، إنما نجوم صغيرة في سماء ذاكرتها، تناديها كلما كتبت، وترافقها كلما رفرفت فراشتها في فضاء اللغة.
هنا تتبدّل الصورة، من شاعرة رقيقة تمشي على أطراف الكلمات إلى خنساء العصر، تستعيد في ثباتها سيرة الخنساء لكن بروحٍ معاصرة، تعيش الفاجعة أمام عيون العالم. ليست المقارنة هنا مجرد استدعاء تاريخي، بل قراءة في جوهر المعنى؛ امرأةٌ فقدت أبناءها، ولم تفقد إيمانها، ولم ينكسر صوتها، بل ازداد صفاءً وصلابة.
ووسط هذا الامتحان القاسي، يجيء وصولها إلى القائمة القصيرة لفرع "المؤلف الشاب" في جائزة الشيخ زايد للكتاب، التي ينظمها مركز أبوظبي للغة العربية، كاعتراف دولي بصوتها الأدبي وقوة تجربتها الإنسانية. فقد تأهلت بين أكثر من أربعة آلاف مشاركة من ضمن 74 دولة حول العالم، ما يعكس اتساع حضورها الدولي ويمنح ترشيحها وزنًا مضاعفًا ودلالة عميقة.
هذا الإنجاز شهادة على حيوية الكتابة الفلسطينية الشابة، وقدرتها على تحويل الألم إلى معرفة، والتجربة الخاصة إلى أفق إنساني مشترك. آلاء القطراوي لا تكتب لتُبكي، بل لتُحيي المعنى؛ تشيح بوجهها عن المأساة، وترتقي بها إلى مقام الشهادة الأخلاقية.
اليوم هي مثال يُحتذى به لكل نساء فلسطين، ولكل امرأة في العالم تبحث عن صيغة للثبات في زمن الانكسارات. حيث أثبتت أن الفقد ليس ضعفًا، وأن الحزن يمكن أن يتحول إلى طاقة نورانية، وأن الفراشات حتى وإن حاصرتها النيران لا تموت؛ لأنها تسكن الأرواح.
ولهذا، فإن تهنئتنا بوصولها لهذه المحطة المرموقة ليست مجاملة أدبية، إنما اعتراف بقيمة صوتٍ عرف كيف يظل إنسانيًا في أقسى الظروف. هنيئًا لآلاء القطراوي هذا الاستحقاق، وهنيئًا للأدب العربي بامرأة جعلت من صبرها بيانًا، ومن فراشتها وعدًا بأن الحياة، مهما أثقلها الركام فهي قادرة على التحليق من جديد.

فلسطين

الأحد 01 مارس 2026 9:41 صباحًا - بتوقيت القدس

ليلى شهيد... أيقونة وفدائية برتبة دبلوماسية



د. أحمد صبح: ليلى شهيد حملت السردية الفلسطينية إلى العالم واختزلت في مسيرتها تاريخنا المعاصر فكانت مناضلة عنيدة ومثقفة تجيد اللغتين الإنجليزية والفرنسية
أحمد داري: كانت ليلى تحرص على الحضور إلى باريس للبحث عن الفنانين الفلسطينيين حاملةً معها ملفات وفرص مشاركة في مهرجانات ذات بعد إنساني وثقافي
مزنة الشهابي: التجربة حين تُقال من داخلها تصبح أبلغ من أي بيان فكانت تنقل السياسة من التجريد للجسد ومن المفهوم للألم الملموس حاملةً فلسطين كما يحمل المرء ظلّه
ساري حنفي: لم تكن دبلوماسية فحسب بل كانت ضميرًا حيًا وصوتًا نقيًا في زمن الضجيج جسّدت الذكاء في أصفى تجلياته والالتزام الراسخ بفلسطين في تفاصيل حياتها
رانية إلياس: خسارتها ليست عابرة بل موجعة لكل فلسطيني وفلسطينية فقد حملت القضية في قلبها وعقلها ومثّلتها في أرفع المحافل بكل ما أوتيت من حضور ووعي وثقافة


خاص بـ القدس-
ليلى شهيد دبلوماسية ومناضلة بارزة، عُرفت بوصفها من أبرز وجوه فلسطين في أوروبا، إذ مثّلت منظمة التحرير ودولة فلسطين في عدد من العواصم الأوروبية، وتولت مناصب دبلوماسية رفيعة. نشطت في سن مبكرة في الحياة الاجتماعية والسياسية داخل المخيمات في لبنان، قبل أن تنشط في أوروبا وتنخرط في العمل الدبلوماسي، حتى صارت مفوضة فلسطين العامة لدى الاتحاد الأوروبي. وقد توفيت يوم الأربعاء 18 شباط 2026 عن عمر ناهز 76 عاماً في منزلها بجنوب فرنسا، بعد معاناة طويلة مع المرض. وُلدت ليلى شهيد عام 1949 في العاصمة اللبنانية بيروت، بعد عام من نكبة 1948، في عائلة لها جذور بارزة في العمل العام والنضال الوطني، فقد شغل جدها فيضي العلي منصب رئيس بلدية القدس بين عامي 1904 و1909، بينما كان خال والدتها موسى العلمي معروفاً بنضاله ضد السياسة البريطانية، وقد شكل قدوة لها في شبابها. كانت عائلتها ذات الأصول المقدسية قد أُجبرت على مغادرة فلسطين في فترة الانتداب البريطاني (1920-1948) نتيجة مشاركتها في "أنشطة قومية". في هذا التقرير التقت "ے" شخصيات سياسية وثقافية وفنية وكتّاباً، تحدثوا عن ليلى شهيد، من خلال تجارب خاصة جمعتهم بها، مشيرين إلى أنها لم تكن فقط دبلوماسية ناجحة، وإنما كانت أيضاً ضميراً حيّاً وصوتاً نقيّاً، حملت قضية فلسطين ومثّلتها أفضل تمثيل في أرفع المحافل الدولية.


تبقى مسيرتها نبراساً ومثلاً يقتدى به

يقول السفير د. أحمد صبح، رئيس مجلس إدارة مؤسسة ياسر عرفات: "عرفتها وعملنا معاً وتبقى مسيرتها نبراساً ومثلاً يقتدى به. تمكنت مبكراً من ناصية اللغتين الفرنسية والإنجليزية، وكانتا وسيلتها لإيصال رسالتها وشخصيتها منذ البداية، وانتقلت من حياة عائلية آمنة وميسورة إلى واقع شعبنا الفلسطيني بلجوئه ونكبته ونضاله وسرديته".
ويضيف صبح: "كان لدراستها الإنثروبولوجيا (علم الإنسان) تأثير مباشر على طريقتها وحياتها المستقبلية، فمن المدرسة البروتستانية الفرنسية في بيروت وتزامن امتحان شهادة البكالوريا مع عدوان 1967، واستكمال دراستها في الجامعة الأمريكية في سنوات المد الثوري الفلسطيني (1968-1971)، والتحاقها بحركة فتح عام 1968 وإسهامها وهي طالبة جامعية بتحرير النسخة الفرنسية مع نشرة فتح، إلى مرافقتها لوفود اعلامية تزور لبنان".
ويشير صبح إلى أن "كل هذا يحفزني لإلقاء بعض الإضاءات على هذه المناضلة وسيرتها العطرة:
أولاً: البيئة الأسرية المثقفة الوطنية، فوالدها الطبيب منيب جلال شهيد أبن عكا وخريج الجامعة الامريكية في بيروت ووالدتها المقدسية سيرين جمال الحسيني، التي تخرجت من نفس الجامعة، مما وفر لليلى أجواءً وطنية منفتحة واستمرت وتخرجت بشهادة الماجستير من نفس الجامعة بأطروحة حول أوضاع المخيمات الفلسطينية في لبنان.
ثانياً: تفتح أفق ليلى الوطني على واقع النكبة ونتائجها من خلال المخيمات ولاحقاً ومن باريس رافقت الكاتب والشاعر الفرنسي الشهير جان جنيه إلى المخيمات وكتب بمساعدة ليلى"أربع ساعات في شاتيلا" ، ليعرض بشكل واقعي دراماتيكي مأساة اللجوء... وبقيت ليلى طيلة حياتها متأثرة بالمخيم الفلسطيني بكل أبعاده.
ثالثاً: أهمية التمكن والالمام العميق باللغة الأجنبية، واستخدام ذلك لشرح واقع فلسطين والحقوق الوطنية الثابتة لشعبها ودور وسائل الإعلام في ذلك، وخلال عملها أصبحت العنوان الأبرز لفلسطين في أهم وسائل الإعلام الأوروبية عامة والفرنسية خاصة، سيما خلال الثمانينيات والتسعينيات من القرن الماضي.
رابعاً: الاهتمام الكبير لليلى شهيد بالثقافة والأدب كمفتاح فلسطيني لأبواب أوروبا المغلقة بوجه حقوقنا، وكان لها حضور طاغٍ في مواجهة الرواية الصهيونية، فأقامت معارض فنية، وأسابيع ثقافية، وجعلت من معهد العالم العربي في باريس ساحة فلسطينية ومنبراً لسرديتنا الوطنية. وكانت علاقتها بمحمود درويش وثيقة وأمَنت له أجواء لابداعه الباريسي وعلاقته بمرسيل خليفة وما نتج عن ذلك من إبداع وعطاء.
خامساً: تعاطت ليلى مع مهمتها الدبلوماسية منذ 1989 في دبلن/إيرلندا وحتى تقاعدها الطوعي من بروكسل نهاية عام 2014، كمهمة نضالية تمثل قضية وطن ولم تكن بالنسبة لها وظيفة، وكانت تسير على النهج الفتحاوي (الفدائي أول من يضحي وآخر من يستمتع)، وبالتالي لم تكن تقليدية روتينية، بل تعاطت مع مهمتها بدفء وصدق. نسجت علاقات إنسانية مميزة مع كل الطيف السياسي الأوروبي الذي رأى فيها صدق قضية شعبنا وعدالتها، ولعل علاقتها القوية بالرئيس جاك شيراك معروفة وكتب عنها كثيرون.
سادساً: كانت ليلى سفيرة لفلسطين في أوروبا في وقت كان ذلك محفوفاً بالخطر، واستشهد وائل زعيتر في روما (1972) ومحمود الهمشري وعز الدين القلق في باريس وسعيد حمامي في لندن ونعيم خضر في بروكسل، وبالتالي كانت مهمتها فدائية بكل معنى الكلمة، وكانت تعد نفسها تلميذة للسفير الشهيد عز الدين القلق.
سابعاً: كانت على علاقة قوية ودافئة التواصل مع الرئيس ياسر عرفات واستقبالها له في أيامه الأخيرة في مستشفى بيرسي العسكري، وحديثها اليومي للإعلام أصبح من موروثنا الوطني المعاصر.
ثامناً: مع ليلى وأثناء عملي كوكيل لوزارة الخارجية تم تشكيل اللجنة الفلسطينية الأوروبية المشتركة، وكانت معي في رام الله لمتابعة كل التفاصيل وإحضار كل الأطراف الفلسطينية ذات الصلة للالتقاء بوفد أوروبي كبير قادم باسم المفوضية الأوروبية في بروكسل عام 2008، ويُسجل لليلى شهيد مأسسة هذه العلاقة.
تاسعاً: ليلى التي ولدت في المنفى (بيروت 13/ 7/ 1949) كانت تحلم بالعودة والاستقرار في فلسطين، وكان صعباً دخولها هنا للمرة الأولى نظراً للمعيقات الاحتلالية، وحتى في آخر لقاء لي معها (أيلول/ سبتمبر 2023 في باريس)، كانت تعبر عن حقها وحلمها بالعودة والتي رحلت دونها".
ويتابع صبح: ليلى شهيد تختزل في مسيرتها تاريخنا المعاصر، فهي مناضلة عنيدة، مثقفة وكانت لديها حجة وقوة إقناع، وهي أيضاً حملت سرديتنا للعالم.
ويختتم صبح حديثه لـ"ے" بالقول: "تبقى ليلى موجودة فينا، أختاً وصديقة ومناضلة وسفيرة في الزمن الصعب".

اهتمام عميق بالشق الثقافي إلى الدبلوماسي

وتحدث الفنان المقدسي أحمد داري عن تجربته الشخصية مع الراحلة ليلى شهيد التي امتدت أكثر من ثلاثين عاماً منذ كانت سفيرة في هولندا، ويقول : "عُرفت باهتمامها العميق بالشق الثقافي الفلسطيني إلى جانب عملها الدبلوماسي. كانت تحرص على الحضور إلى باريس للبحث عن الفنانين الفلسطينيين، ومن بينهم شخصي، حاملةً معها ملفات وفرص مشاركة في مهرجانات موسيقية وفنية ذات بعد إنساني وثقافي".
ويضيف: "كانت إنسانة معطاءة على الدوام، سخّرت موقعها لدعم السينمائيين والموسيقيين والشعراء والكتاب والفنانين التشكيليين، وفتحت أمامهم أبواب المنابر الأوروبية بثقة وإيمان بقدرتهم على تمثيل فلسطين ثقافياً كما سياسياً. بالنسبة لي، كانت ليلى شهيد رمزاً للاهتمام بالثقافة الفلسطينية بوصفها ركيزة أساسية من ركائز الهوية الوطنية، وأداة فاعلة في إيصال الرواية الفلسطينية إلى العالم، ربما بقدر ما كانت دبلوماسية وسياسية، بل وأكثر".
ويتابع: "حين تسلّمت السيدة ليلى شهيد مهامها في باريس عام 1993، كنت آنذاك ناشطاً على رأس اتحاد طلبة فلسطين، وفاعلاً في المشهد الثقافي كموسيقي وفنان فلسطيني. منذ اللحظة الأولى، نشأت بيننا علاقة عمل وثيقة قوامها الثقة والمبادرة. كانت تتواصل معي باستمرار، تقترح نشاطات ومشاركات، بل وتكلّفني بمتابعة ملفات ومهام محددة، رغم أنني لم أكن موظفاً رسمياً في السفارة، وإنما شريكاً ثقافياً تؤمن بدوره".
ويقول داري: "كلّفتني بمتابعة ملفات تتعلق بمؤتمرات وفعاليات كانت تُعقد برعاية اليونسكو حول الفن التشكيلي، والرقص، والموسيقى، والأدب، والسينما الفلسطينية، إيماناً منها بأن الثقافة هي الواجهة الأعمق للقضية الوطنية. وبحكم عملي السابق مع السفير الذي سبقها، خصوصاً في أمسيات جمعت محمود درويش ومارسيل خليفة، طلبت مني أن أستمر في هذا المسار معها، وأن نطوّر الحضور الثقافي الفلسطيني في باريس".

حفل محمود درويش ومارسيل خليفة

ويضيف: عملنا معاً على تنظيم حفل كبير جمع محمود درويش ومارسيل خليفة، وكان ذلك من أبرز المحطات التي عكست رؤيتها لدور الثقافة في العمل الدبلوماسي. ثم توالت الأنشطة والعروض، من بينها فعاليات فنية شارك فيها الشاب خالد وعدد من الموسيقيين والفنانين المعروفين، حيث كانت حريصة على أن تكون فلسطين حاضرة في المشهد الثقافي العربي والدولي من أوسع أبوابه.
ويقول: "بلغت ذروة العمل المشترك مع ليلى شهيد في التحضيرات لإطلاق تظاهرة (الربيع الفلسطيني) في فرنسا، وهي مبادرة وطنية غير مسبوقة آنذاك من حيث الحجم والانتشار. طلبت مني أن أضع الشعار (اللوغو) الخاص بالتظاهرة، وبدأنا العمل معاً على مدى عام كامل للإعداد لبرنامج ثقافي شامل استضاف فعاليات فلسطينية متعددة في مجالات الموسيقى، والمسرح، والسينما، والفن التشكيلي، والأدب، وذلك في عدد من المدن الفرنسية، وعلى مستوى وطني غير مسبوق".
ويتابع: كانت تلك المرة الأولى التي تُنظم فيها في فرنسا تظاهرة بهذا الاتساع مكرّسة بالكامل للثقافة الفلسطينية. وقد فاقت النتائج التوقعات، سواء من حيث الحضور الجماهيري أو التغطية الإعلامية أو مستوى التفاعل الثقافي، ما رسّخ حضور فلسطين في المشهد الثقافي الفرنسي بوصفها ثقافة حية ومتجددة، لا مجرد عنوان سياسي.
ويرى داري أن "الأهمية الاستثنائية لـ"الربيع الفلسطيني" تكمن في أن ليلى شهيد لم تكتفِ بتنظيم فعاليات عابرة، بل اشتغلت على البنية الثقافية العميقة. فقد نجحت في استقطاب دور نشر فرنسية مرموقة لترجمة ونشر أعمال أكثر من أربعين كاتباً وشاعراً فلسطينياً، من أجيال مختلفة، قدامى ومعاصرين، إلى جانب الأسماء التي كانت معروفة نسبياً مثل محمود درويش وسميح القاسم. هذه الترجمات دخلت المكتبات العامة ومكتبات البيع في مختلف المدن الفرنسية، ما أتاح للأدب الفلسطيني أن يصبح متاحاً للقارئ الفرنسي بلغته، وعلى نطاق واسع".
ويضيف: بهذا المعنى، لم يكن "الربيع الفلسطيني" مجرد موسم ثقافي، بل كان مشروعاً استراتيجياً لإدماج الأدب والفن الفلسطينيين في الفضاء الثقافي الفرنسي، وترسيخ الرواية الفلسطينية عبر أدوات المعرفة والجمال، وهو ما يجعل تلك التجربة محطة مفصلية في تاريخ الحضور الثقافي الفلسطيني في أوروبا.
ويتابع داري: "عندما عُيّنتُ نائباً لسفير فلسطين لدى اليونسكو أواخر عام 1996، كانت ليلى شهيد من الداعمين لهذا القرار لدى الرئيس ياسر عرفات، وهو ما فتح مرحلة جديدة من العمل المشترك، أكثر تداخلاً بين الدبلوماسي والثقافي. كانت قد غادرت منصبها في اليونسكو، لكنها بقيت سفيرة لفلسطين في فرنسا، فتقاطعت مساراتنا في مشاريع وفعاليات كبرى، من بينها التحضير لتظاهرات واسعة بمناسبة الذكرى الخمسين للنكبة، إلى جانب مشاركات في مؤتمرات دولية عديدة برفقة الأخت حنان عشراوي وعدد من المسؤولين الفلسطينيين آنذاك".
ويكمل داري: في تلك المرحلة، تعمّق إيمانها بدور الثقافة كرافعة أساسية للدبلوماسية الفلسطينية. كنت أقدم عروضاً موسيقية مع مجموعتي، وكانت تحرص على الحضور والدعم، بل وتبادر بالاتصال لترشيح مهرجانات أو فضاءات جديدة يمكن أن نشارك فيها، ليس لي وحدي بل لعشرات الفنانين والمثقفين الفلسطينيين.
ويشير داري إلى أن "من أجمل محطات تلك التجربة علاقتها بالشاعر محمود درويش. ففي فترة كان يميل فيها إلى العزلة والإقامة شبه الدائمة في منزله بباريس للتفرغ للكتابة، كان لليلى شهيد دور محوري في إخراجه إلى الفضاء الثقافي الأوسع في فرنسا. شجعته، ونسّقت له مشاركات في مهرجانات ولقاءات كبرى، ما أسهم في تعريف شريحة واسعة من المجتمع الفرنسي بشعره وإنتاجه، وتعزيز حضوره في المشهد الثقافي الأوروبي. لقد أدركت مبكراً أن درويش ليس مجرد شاعر فلسطيني، بل قيمة إنسانية عالمية، وأن التعريف به هو جزء من التعريف بفلسطين ذاتها".

دبلوماسية ترى في الثقافة عمق السياسة

ويقول داري: هكذا كانت ليلى شهيد: دبلوماسية ترى في الثقافة عمق السياسة، ومثقفة تؤمن بأن الفن والأدب يصنعان أثراً أبقى من أي خطاب رسمي. تجربتي معها، على امتداد سنوات طويلة، كانت مدرسة في الالتزام، والنزاهة، والعمل الوطني الراقي.
ويختتم الفنان داري حديثه بالقول: "إن ما قدمته ليلى شهيد لفلسطين كان استثنائياً بكل المقاييس. خلال أربعين عاماً من وجودي في هذا الفضاء، لم أشهد سفيراً -في فرنسا أو حتى في أوروبا- استطاع أن يجمع بهذه الحرفية بين السياسة والإعلام والثقافة، وأن يديرها كمسارات متكاملة تخدم الهدف الوطني ذاته. رحمها الله، وجزى مسيرتها الوطنية والثقافية خير الجزاء".

دخلت النقاش الفرنسي كما يدخل شخصٌ بيتاً يعرفه


وتقول الكاتبة مزنة الشهابي، مسؤولة التطوير في المركز العربي للدراسات السياسية- باريس: "في باريس التسعينيات، دخلت ليلى شهيد النقاش الفرنسي كما يدخل شخصٌ بيتاً يعرفه جيداً، لكنّه يصرّ على إعادة ترتيب أثاثه. لم ترفع صوتها. لم تكن بحاجةٍ إلى ذلك. كان يكفي أن تبدأ بالكلام حتى يتغيّر إيقاع الغرفة. أمام السردية الإسرائيلية التي بدت آنذاك كأنها الحقيقة الوحيدة المتاحة، لم تواجهها بالصراخ، بل بالصبر
كانت تُخرج التاريخ من بين الركام، تمسح عنه الغبار، وتضعه أمام محاوريها قطعةً قطعة، كما تُعاد صحون المطبخ إلى أماكنها بعد زلزال. وحين يستقيم المشهد، تسقط الأكاذيب وحدها، من دون أن تدفعها بيدها.
تضيف الشهابي: "كانت تعرف متى تكون محاميةً تدقّق في المفردة، ومتى تكون سياسيةً تُحسن المناورة، ومتى تسمح للشعر أن يتسلّل إلى الجملة لأن الأرقام لا تكفي لقول الحقيقة. خاطبت الغرب بلغته، نعم، لكنها أبقت في نبرتها تلك الخشونة الفلسطينية الخفيفة، تلك الطبقة الداخلية التي تقول: أنا من هناك، من أرضٍ لا تختصرها بيانات وزرائكم. لأن ليلى لم تؤمن يوماً بأن الدبلوماسية تُمارَس في القاعات المكيّفة فقط. كانت تعرف أن الحقيقة لا تُرى من خلف الزجاج. لذلك كانت تأخذ الدبلوماسيين الأوروبيين إلى الأرض المحتلة، إلى الطرق التي تتكسّر عند الحواجز، إلى المدن التي تُقاس مسافاتها بالانتظار لا بالكيلومترات".

لم تكن مجرد سفيرة

وتابعت الشهابي تقول: "بالنسبة لي، لم تكن ليلى مجرد سفيرة. كانت اليد التي امتدّت نحوي حين شعرتُ أن باريس تضيق، وأن المدينة التي تعد بالحرية يمكن أن تتحوّل إلى متاهة بيروقراطية خانقة. وصلتُ إليها أمّاً لطفلين صغيرين، عاجزةً عن العمل لأنني لم أجد لهما مكاناً في حضانة. قلتُ لها ذلك كما يُقال سرٌّ صغير. لم تواسِني بالكلمات. تحرّكت. طلبت من ستيفان هيسيل أن يكتب رسالة إلى رئيس البلدية. وهيسيل لم يكن اسماً عادياً في الحياة الفرنسية: كان من رجال المقاومة ضد النازية، ومن المساهمين في صياغة الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، وصوتاً أخلاقياً يحظى باحترامٍ نادر. حين يكتب، لا يكتب حبراً فقط، بل يكتب تاريخاً".
وتشير الشهابي إلى أنه بفضل تلك الرسالة، فُتح الباب. حصل أطفالي على مكان في الحضانة. لم تقل لي ليلى إنها فعلت شيئاً استثنائياً. تصرّفت كما لو أن الأمر بديهي. هكذا كانت تفهم السياسة: أن تبدأ من حاجة إنسانٍ محدّد، لا من شعارٍ معلّق.
وتضيف: غير أن اللحظة التي فهمتُ فيها طريقتها تماماً لم تكن في باريس، بل في الطريق إلى حاجز قلنديا. كنّا في حافلةٍ مع وفدٍ أوروبي. كانت تقف في الممرّ، تمسك الميكروفون، تشرح الخرائط التي تحوّلت إلى جدران، والاتفاقيات التي صارت نقاط تفتيش. كان الشرح دقيقاً، بارداً بما يكفي ليبدو عقلانياً.
وتتابع الشهابي: ثم التفتت نحوي فجأة. ناولتني الميكروفون وقالت: مزنة، احكي... في تلك اللحظة، سقطت كلّ التعريفات. لم أكن باحثةً ولا مستشارة. كنت امرأة تنتظر على حاجز الاحتلال. تحدثتُ عن الساعات الطويلة، عن التفتيش، عن جرائم الاحتلال، عن زوجي الفرنسي الذي يعبر بلوحته الصفراء فيما أبقى أنا خلف الجدار. عن الحرية التي يمكن أن تختصر في لونٍ معدني صغير. تغيّر الصمت في الحافلة. لم يعد صمتَ لباقة، بل صمت مواجهة".
وتختتم الشهابي حديثها بالقول: "ليلى لم تُضف شيئاً. كانت تعرف أن التجربة حين تُقال من داخلها تصبح أبلغ من أي بيان. كانت تنقل السياسة من التجريد إلى الجسد، من المفهوم إلى الألم الملموس. كانت أنيقة وذكية، تعرف جيداً كيف يتحرّك المجتمع الفرنسي، لكنها لم تذب فيه. ظلّت تحمل فلسطين كما يحمل المرء ظلّه. تستطيع أن تكون صارمة في نقاشٍ تلفزيوني، ثم تعود في المساء لتضحك وهي تحكي عن أمّها التي تخاف من زاوية كاميرا لا ترحم. في هذا التوتر بين العام والحميمي، بين المنبر والمطبخ، كانت ليلى كما هي: امرأة كاملة، لا تختصرها صفة سفيرة، ولا تختزلها صورة".

السفيرة التي غيّرت مسار حياتي

ويقول ساري حنفي، الجامعة الأمريكية في بيروت: "أسدت إليّ يومًا خدمة لا تُنسى، يوم كنت طالب دكتوراه في باريس في بدء التسعينيات، أتعثر بين أبواب السفارات وأوراق المعاملات. كنت في أمسّ الحاجة إلى تأشيرة دخول إلى مصر مستخدمًا وثيقة سفري الفلسطينية لإجراء عمل ميداني، وكانت المهمة تبدو شبه مستحيلة. في تلك الفترة، كانت ليلى شهيد تترأس بعثة فلسطين لدى جامعة الدول العربية. لم تكن تعرفني معرفة شخصية، ومع ذلك رفعت سماعة الهاتف واتصلت بسعيد كمال لتتدخل من أجلي".
ويضيف حنفي: ما زلت أسمع صوتها، حازمًا ودافئًا في آن واحد: "سعيد، هذه خدمة شخصية لي. نحتاج إلى تأمين تأشيرة لساري حنفي. سفارتي ليست مكتب علاقات عامة للسياسيين. إنه طالب لامع". لم نكن قد التقينا إلا لمامًا، لكن منذ تلك اللحظة تقاطعت طرقنا مرارًا في باريس وبيروت، وكأن خيطًا خفيًا نسج بيننا علاقة ثقة ومودّة.
ويتابع حنفي: "توطدت علاقتنا مع الزمن، وصارت تعرفني أكثر. كنت آنذاك رئيسًا للاتحاد العام لطلبة فلسطين في فرنسا، وعلى صلة وثيقة بشبكات التضامن الفرنسية مع القضية الفلسطينية، فكانت تعتمد عليّ بين الحين والآخر لإلقاء محاضرات في غرب فرنسا، حيث كنت أقيم في مدينة نانت. غير أن دعوة واحدة، في صيف عام 1995، غيّرت مجرى حياتي بأكمله".
ويشير إلى أنه "في حزيران من ذلك العام، وفي أوج عملية "السلام" في أوسلو، دعت بلدية مدينة روزي (Rezé) -وهي بلدة صغيرة مجاورة لنانت- ليلى شهيد للمشاركة في ندوة مع دبلوماسي إسرائيلي حول الصراع العربي- الإسرائيلي. كانت منشغلة، فاقترحت أن أمثلها. قبلت الدعوة، لكنني أوضحت لها أنني سأتحدث باسمي كمثقف فلسطيني مستقل، لا باسمها ولا باسم منظمة التحرير الفلسطينية. ابتسمت وقبلت شرطي. كانت الندوة محتدمة، ودار نقاش حاد بيني وبين الدبلوماسي الإسرائيلي. حافظتُ على هدوئي، فيما ارتفع صوته واشتد انفعاله. بدا الفارق واضحًا، وقد أعجب رئيس البلدية بذلك التباين بين سكينة الحجة وصخب الخطاب".
ويقول حنفي: "انتهت الأمسية بعشاء رسمي، وفي ختامه سلّمني رئيس البلدية بطاقته وسألني إن كنت بحاجة إلى أي مساعدة. أخبرته أن طلبي للحصول على الجنسية الفرنسية رُفض قبل فترة قصيرة لأسباب سياسية. ابتسم وقال إن حظي طيب: فمركز معالجة طلبات الجنسية يقع في مدينته روزي، وقد تقدم بطلب لتوسعة مقره، لكنه لن يمنحهم الترخيص ما لم يُعاد النظر في ملفي".
ويضيف: طلب مني أن أكتب رسالة التماس لإعادة دراسة طلبي. لم تمضِ أكثر من ستة أسابيع حتى وصلني قرار منح الجنسية الفرنسية. يومها أخبرت ليلى لأشكرها على الدور غير المباشر الذي لعبته في هذه النتيجة. أذكر فرحتها الغامرة، وكيف ضمّتني وكأنها هي من نال الجنسية. كانت ترى في نجاح الآخرين امتدادًا لنضالها.
ويضيف حنفي: لقد غيّرت تلك الجنسية حياتي على نحو عميق: من عملي في رام الله، إلى حرية التنقل، وصولًا إلى مسيرتي الأكاديمية في الجامعة الأميركية في بيروت. فالعنصرية المؤسسية في لبنان نادرًا ما تسمح لفلسطيني مثلي بالعمل هناك. هكذا، وبفعل مبادرة كريمة لم تكن تبحث عن مقابل، فتحت لي ليلى أبوابًا لم أكن لأطرقها وحدي.
ويتابع: مضت السنوات، وأصبحت ليلى سفيرة في بروكسل. كنت أحرص على متابعة مقابلاتها في الإعلام الفرنسي والأوروبي، مستمتعًا بصلابة خطابها ونبرتها التي كانت تختزن ألم فلسطين وأملها معًا. كانت من قلائل الدبلوماسيين الفلسطينيين الذين جمعوا بين الحنكة والالتزام الأخلاقي العميق. كنت كلما شاهدت لها مقابلة، أبعث إليها رسالة إعجاب، مباشرة أو عبر صديقينا العزيزين الفنان أحمد داري أو السفير الفلسطيني في مالي حسان بلعاوي، الذي كان يتنقل بين فرنسا وبلجيكا.
ويضيف: عندما انتقلت إلى بيروت، صارت تحرص على حضور فعاليات مركز دراسات الشرق الأوسط والعالم العربي في الجامعة الأمريكية في بيروت، وكانت تقول لي دائمًا بابتسامتها المعهودة: "أبقِني على قائمتك البريدية".
ويختتم حنفي حديثه بالقول: "جسّدت ليلى شهيد الكرامة في أبهى صورها، والذكاء في أصفى تجلياته، والالتزام الراسخ بفلسطين في كل تفاصيل حياتها. لم تكن دبلوماسية فحسب، بل كانت ضميرًا حيًا وصوتًا نقيًا في زمن الضجيج. سنفتقدكِ كثيرًا يا ليلى. رحمكِ الله، وطيب ثراكِ".

حملت القضية في قلبها وعقلها

تقول رانية إلياس، مستشارة إدارية مستقلة في مجالي الفنون والتنمية الثقافية: "ليلى الجميلة.. حملت القضية في قلبها وعقلها، ومثّلتها في أرفع المحافل بكل ما أوتيت من حضور ووعي وثقافة. خسارتها ليست عابرة، بل موجعة لكل فلسطيني وفلسطينية. كان لها حضور آسر، وصوت واثق، وإتقان لافت للغات، خصوصا الفرنسية التي تحدثتها بطلاقة وأناقة. كانت عميقة الثقافة، قريبة من الناس، شغوفة بالفن والحياة، ونسجت شبكة علاقات واسعة في وقت كانت فيه الكلمة الصادقة تُحدث فرقا حقيقياً".
وتضيف الياس: "أحتفظ بذكريات لا تنسى في باريس، وأجملها تلك الجولة عام 2012 برفقة مجموعة من النساء الفلسطينيات، حين تنقلنا للحديث عن واقعنا ضمن فعالية La Palestine au Féminin التي نظمها ماجد بامية و Generation Palestine. كانت أياما مميزة بين لوكسمبورغ وبلجيكا، حملنا فيها صوت نساء فلسطين، وبقيت تلك الرحلة محفورة في الذاكرة بفضل حضورها الدافئ وروحها المتقدة".
وتشير إلياس إلى أن ليلى كانت متواضعة، عاشقة للحياة، جميلة الروح، لبقة، أنيقة في حديثها كما في مواقفها.
وتقول إلياس في ختام حديثها: "سلامٌ لروحكِ يا ليلى، وستبقين في الذاكرة كما كنتِ دائماً: مشرقة وقريبة".




                                                                           



فلسطين

الأحد 01 مارس 2026 9:40 صباحًا - بتوقيت القدس

العملة الرقمية...مخاوف من الانفصال ونزع السيادة

د. محمود أبو الرب: المشروع سيضعف الجهاز المصرفي وستتراجع ودائع غزة بالبنوك الوطنية وتزداد مخاطر الامتثال وتتراجع علاقات المراسلة المصرفية الدولية
د. أحمد رفيق عوض: هذا الإجراء يستبعد السلطة الوطنية من الإشراف أو اتخاذ القرار ويضع الشؤون الاقتصادية والمالية تحت سيطرة سلطات الاحتلال
د. شاكر خليل: النقاشات حول إصدار العملة الرقمية بعيداً عن سلطة النقد ستؤسس لانقسام دائم وخلق أدوات مالية لتعميق الانفصال وضرب المشروع الوطني
مسيف مسيف: العملة الرقمية أداة اقتصادية متطورة تُستخدم بعد تشكيل هيكل اقتصادي مستقر وهو ما يفتقده قطاع غزة الذي يحتاج إعادة إعمار عاجلة
د. ثابت أبو الروس: العملة الرقمية قد تستخدم كأداة عقاب بحيث يُحرم أهالي غزة من استخدامها عند ممارسة إسرائيل أيّ شكل من أشكال العقوبات
أيهم أبو غوش: أولويات المجلس تنطلق من الحفاظ على المصلحة الإسرائيلية ما يجعل مشروع العملة الرقمية يحمل أبعاداً سياسية أكثر منها اقتصادية
د. مؤيد عفانة: هذه الخطوة قد تمس القطاع المصرفي بشكل مباشر من خلال فرض رقابة رقمية على الحسابات والتعاملات النقدية لأهالي قطاع غزة
حسناء الرنتيسي: ربط العملة بالدولار يمنح استقراراً نسبياً لكنه ينقل مركز الثقل النقدي للخارج ويقلص دور سلطة النقد ويجعل غزة عرضة للسيطرة الخارجية


رام الله - خاص بـ"القدس"-
يثير النقاش حول العملة الرقمية في قطاع غزة الذي يقوده ما يُسمى "مجلس السلام" مخاوف من أن المشروع قد يضعف الجهاز المصرفي الفلسطيني، ويزيد الانفصال السياسي والنقدي والاقتصادي بين غزة والضفة الغربية، ويخلق ازدواجاً نقدياً يهدد استقرار الاقتصاد المحلي ويحد من قدرة السلطة على إدارة الموارد.
ويرى محللون خبراء اقتصاديون وسياسيون في أحاديث منفصلة مع"القدس"، أن مناقشات "مجلس السلام" لإطلاق العملة الرقمية تستبعد السلطة الفلسطينية من أي إشراف، وتضع القرار المالي تحت السيطرة الإسرائيلية أو الدولية المباشرة، ما يحوّل القطاع إلى كيان تابع ويكرّس الفصل الإداري والمالي بين الضفة والقطاع.
ويؤكد الخبراء والكتاب أن أي عملة رقمية يجب أن تكون ضمن إشراف فلسطيني موحد وبنية رقمية مستقرة، وإلا فإنها ستصبح أداة تحكم ومضاربة على المواطنين، مع آثار خطيرة على السيادة الاقتصادية والاستقلال المالي للقطاع، وتحويل النقاش الاقتصادي إلى أداة للهيمنة السياسية.




خطوة استراتيجية خطيرة

يصف الخبير الاقتصادي د. محمود أبو الرب العملة الرقمية المقترحة لقطاع غزة من قبل ما يُسمى "مجلس السلام" بأنها خطوة استراتيجية خطيرة، تهدف إلى تعزيز السيطرة الاقتصادية على الفلسطينيين وتكريس "الإبادة الاقتصادية المالية النقدية" التي بدأت منذ عام 2023. ويوضح أبو الرب أن هذه الخطوة تحمل دلالات استراتيجية عدة، أولها تفكيك الحيز النقدي الفلسطيني، إذ يعتمد قطاع غزة حالياً على الشيكل الإسرائيلي وفق اتفاق أوسلو وبروتوكول باريس الاقتصادي، ما يجعل أي محاولة لإطلاق عملة رقمية أو ورقية مرتبطة بالسيادة والقرار السياسي، ويتطلب تحديد الجهة المسؤولة عن الإصدار وحماية قيمتها اقتصادياً.

تكريس الانفصال النقدي عن الضفة الغربية

ويشير أبو الرب إلى أن إدخال العملة الرقمية يكرس الانفصال النقدي عن الضفة الغربية، ويضعف سلطة النقد الفلسطينية ويقوض الوحدة النقدية، وهو ما يؤدي إلى خلق واقع مزدوج داخل الاقتصاد الفلسطيني.
ويوضح أبو الرب أن أي عملة رقمية تحتاج إلى غطاء قانوني واعتراف دولي لحماية قيمتها، وإلا ستصبح مجرد وحدة نقدية محلية محدودة التداول، غير قابلة للتحويل الحر، مع مخاطر عالية وتقلبات كبيرة في سعرها.

تداعيات على المدى القصير

ويشير أبو الرب إلى أن التداعيات على المدى القصير قد تشمل تسهيل التحويلات الداخلية وتجاوز القيود الإسرائيلية والأمريكية على السيولة، وتقليل تكاليف المعاملات، لكن ذلك مشروط بتوافر بنية تحتية رقمية مستقرة، وثقة المجتمع، واستقرار سعر الصرف، وهي عوامل غير متوافرة حالياً، مما يحول العملة إلى أداة مضاربة بدلاً من وسيلة لتحقيق الاستقرار المالي.

ازدواج نقدي بين الورقية والرقمية

أما على المدى المتوسط، يشير أبو الرب إلى أن العملة الرقمية ستؤدي إلى ازدواج نقدي بين الورقية والرقمية، وارتفاع تكاليف التحوط، وفقدان العملة لوظيفتها كمخزن للقيمة أو أداة للادخار، إضافة إلى تذبذب المؤشرات الاقتصادية وصعوبة احتساب الناتج المحلي الموحد، وظهور فوارق تضخمية بين الضفة وغزة، ما يعزز الانفصال النقدي الوظيفي ويزيد مخاطر المعاملات المالية.

إضعاف الجهاز المصرفي الفلسطيني

ويؤكد أبو الرب أن هذا المشروع سيضعف الجهاز المصرفي الفلسطيني، إذ ستتراجع ودائع غزة في البنوك الوطنية، وستتزايد مخاطر الامتثال وتراجع علاقات المراسلة المصرفية الدولية.
ويشير أبو الرب إلى أن العملة الرقمية ستصبح أداة سياسية لفرض الفصل الاقتصادي، مستكملاً ما بدأته العمليات العسكرية والإسرائيلية من السيطرة على القطاع، مع إبقاء الفائدة الوحيدة الممكنة لأهالي قطاع غزة على المدى القصير كأداة دفع مرنة.
ويرى أبو الرب أن مشروع العملة الرقمية يمثل خطوة لتدمير الجهاز المصرفي الفلسطيني، ويكرس الانفصال النقدي، ويضعف السيادة الاقتصادية، ويحوّل الاقتصاد في غزة إلى كيان تابع بالكامل، وهو ما يجعل أي حديث عن فائدة اقتصادية طويلة الأمد غير واقعي، ويؤكد الطبيعة السياسية والخطيرة للعملة الرقمية المقترحة.

خطوة اقتصادية بأبعاد سياسية

يصف الكاتب والمحلل السياسي د. أحمد رفيق عوض المقترح المتعلق بإدخال عملة رقمية في قطاع غزة بأنه خطوة خطيرة ومخيفة، مشيراً إلى أن دلالاته تتجاوز الجانب الاقتصادي لتشمل أبعاداً سياسية وأمنية شاملة.
ويوضح عوض أن المقترح يهدف إلى فصل الضفة الغربية عن قطاع غزة، بحيث تخضع الضفة لضم غير معلن بينما يكون قطاع غزة تحت وصاية دولية محتملة، وربما وصاية إسرائيلية مغطاة دولياً، ما يعزز الفصل الإداري والمالي بين الطرفين.

إحكام السيطرة على المواطنين في غزة

ويشير عوض إلى أن المقترح يسعى إلى إحكام السيطرة على المواطنين في غزة، حيث ستكون كل حركة مالية ومصرفية مراقبة بشكل كامل، وهو ما يعني تعزيز الوصاية الدولية وتمكين إسرائيل من فرض قبضتها على القطاع، خصوصاً في ظل منعها عمل البنوك وإدخال العملات الورقية.
ويؤكد عوض أن هذا الإجراء يستبعد السلطة الوطنية الفلسطينية تماماً من الإشراف أو اتخاذ القرار، ويضع كل الشؤون الاقتصادية والمالية تحت السيطرة الإسرائيلية المباشرة، بما في ذلك الأمن والمساعدات والمال.
ويرى عوض أن المقترح يربط قطاع غزة بمنظومات رقمية وسيبرانية متقدمة، ما يخدم رؤية مشاريع مثل "ريفيرا غزة"، ويحول القطاع إلى كيان مالي مشفر يفرض عليه من خارج إرادته.

ربط الاقتصاد الفلسطيني بمصالح عالمية

ويلفت عوض إلى أن المخاطر تشمل إسقاط حل الدولتين، وإبعاد السلطة الفلسطينية عن القرار، وربط الاقتصاد الفلسطيني بمصالح عالمية على حساب التنمية المحلية، وتجريد الفلسطينيين من سيادتهم وقدرتهم على التخطيط الاقتصادي.
ويعتبر عوض أن المقترح يمثل تجريد الفلسطينيين من حقهم في تقرير مصيرهم ومواصلة تطوير مجتمعهم، ويمثل خطوة إضافية لتعميق الاحتلال والسيطرة الإسرائيلية على قطاع غزة، مع إبقاء الفلسطينيين في موقع التهميش والنفي من المشهد الدولي، ما يجعل هذا المقترح شديد الخطورة على مستقبل القطاع.

قضية سياسية وليست فنية تقنية

يؤكد الخبير الاقتصادي د. شاكر خليل أن أي مشروع لإدخال عملة رقمية في قطاع غزة يرتبط بالسيادة الوطنية، مشيراً إلى أن القضية في جوهرها سياسية بامتياز وليست مسألة فنية أو تقنية.
ويوضح خليل أن الفلسطينيين يفتقدون أساساً لعملة نقدية وطنية، إذ يعتمدون حالياً على ثلاثة عملات رئيسية هي الشيكل الإسرائيلي للدفع اليومي، والدولار والدينار، دون وجود عملة فلسطينية مستقلة أو سيطرة كاملة على المعابر والحدود.

ضرورة إشراك سلطة النقد

ويشير خليل إلى أن نجاح أي عملة رقمية في غزة مرتبط بالهيكل التنظيمي والرقابي للقطاع المالي، وضرورة إشراف سلطة النقد الفلسطينية على المحافظ الرقمية وإصدار التراخيص للبنوك والشركات، لضمان توحيد الإشراف ومنع تكريس الانقسام النقدي بين الضفة الغربية والقطاع. ويؤكد خليل أن أي إدارة لهذه العملة خارج سلطة النقد ستؤدي إلى تكريس الانقسام الاقتصادي، وإضعاف المشروع الوطني الفلسطيني، وإضعاف السيطرة على المعابر والمصارف، ما يهدد استقلالية الاقتصاد الفلسطيني ويحوّل العملة إلى أداة فصل سياسي بامتياز.

إمكانية خلق أدوات مالية لتعميق الانفصال

ويحذر خليل من أن النقاشات من قبل مجلس السلام حول إصدار العملة الرقمية في غزة بعيداً عن سلطة النقد سيؤسس لانقسام دائم سيؤسس لانقسام دائم وتجزئة، مع إمكانية خلق أدوات مالية لاحقة لتعميق الانفصال بين الضفة والقطاع، ويشكل ضربة للمشروع الوطني الفلسطيني إذا كان بعيداً عن وحدة القرار الفلسطيني.
ويشدد خليل على أن العملة الرقمية، بغض النظر عن شكلها أو طبيعتها التقنية، تمثل شعاراً للسلطة والسيادة، وأي إخلال بسيطرة سلطة النقد سيؤدي إلى إضعاف المشروع الوطني الفلسطيني والسيطرة الاقتصادية والسياسية على القطاع.
ويوضح خليل أن التحدي الحقيقي يكمن في الجانب السياسي، وأن الحل يجب أن يكون عبر توحيد الرقابة والإشراف لضمان أن العملة الرقمية لا تُستخدم كأداة لتكريس الانقسام والتجزئة الاقتصادية، وإنما كجزء من نظام موحد يدعم السيادة الفلسطينية ويحول دون تفكيك الوحدة الاقتصادية والسياسية بين غزة والضفة.

العملة الرقمية أداة لفرض الانقسام الاقتصادي

ويشير خليل إلى أن أي تجاهل لهذه الاعتبارات سيجعل العملة الرقمية أداة لفرض الانقسام والتجزئة الاقتصادية، وتقويض المشروع الوطني برمته، وإضعاف دور السلطة الفلسطينية، وتحقيق الانفصال الكامل بين الضفة الغربية وقطاع غزة، وهو ما يشكل خطراً كبيراً على مستقبل الاقتصاد الفلسطيني والسيادة الوطنية.

فرض العملة الرقمية على شعب محاصر لإخضاعه

يحذر الباحث في معهد أبحاث السياسات الاقتصادية الفلسطيني (ماس) مسيف مسيف من المخاطر الكبيرة لإدخال عملة رقمية في قطاع غزة، مؤكداً أن المقترح يحمل أبعاداً سياسية قبل أن يكون اقتصادياً، ويأتي ضمن استمرار المشروع الإسرائيلي للسيطرة على الفلسطينيين واقتصادهم.
ويوضح مسيف أن العملة الرقمية أداة اقتصادية متطورة تُستخدم عادة بعد تشكيل هيكل اقتصادي مستقر، وهو ما يفتقده قطاع غزة الذي يواجه واقعاً هشاً اقتصادياً، ويحتاج إلى إعادة إعمار عاجلة.
ويشير مسيف إلى أن فرض العملة الرقمية على شعب محاصر يعد عملية إخضاع كاملة، حيث يمنح الاحتلال الإسرائيلي القدرة على التحكم في كافة الأنشطة الاقتصادية والمعاملات المالية في غزة.
ويؤكد مسيف أن السيطرة الإسرائيلية على العملة ستتيح تجميد الحسابات أو حظر المعاملات لأي شخص في أي لحظة، وهو ما يترجم احتلالاً اقتصادياً رقميًا جديدًا، ويقوّض السيادة المالية الفلسطينية بشكل كامل.

خطة لاستغلال إعادة الإعمار والمشاريع الاقتصادية

ويوضح مسيف أن الفكرة الاقتصادية للعملة الرقمية في غزة لن تنجح على أرض الواقع، موضحاً أن المشروع يبدو جزءاً من خطة استثمارية خارجية لاستغلال إعادة الإعمار والمشاريع الاقتصادية في القطاع، بما يتيح أطرافاً إسرائيلية وأمريكية وأوروبية المضاربة بالعملة الرقمية، فيما المواطن الغزي العادي سيجد نفسه مجبراً على استخدامها في المنشآت الاقتصادية والتجارية، مثل استيراد المواد الغذائية أو توفير الخدمات الأساسية، دون أن تلغي العملات الأخرى، لكنها ستحد بشكل كبير من دورها.
ويشير مسيف إلى أن هذه الخطوة ستعمّق الانفصال بين اقتصاد الضفة الغربية وغزة، مؤكداً أن العوامل الجغرافية والسياسية القائمة تجعل الفصل شبه كامل، وأن فرض العملة الرقمية سيجبر المنشآت الفلسطينية في الضفة الغربية على التعامل معها إذا أرادت التجارة مع غزة، ما يعني سيطرة مطلقة على السيادة المالية وفرض نظام اقتصادي يحدّ من أي استقلال مالي مستقبلي للفلسطينيين.

آثار سياسية وأمنية كبيرة

ويوضح مسيف أن اعتماد العملة الرقمية في غزة يترتب عليه آثار سياسية وأمنية كبيرة، حيث ستربط القطاع بمنظومات مالية وسيبرانية متقدمة تحت إشراف الاحتلال، وستقضي عملياً على أي محاولة للسيطرة الفلسطينية على المعابر أو تنظيم حركة التجارة والاستثمار بحرية.
ويؤكد مسيف أن المشروع لا يخدم الفلسطينيين، بل يعمّق الاحتلال ويحوّل القطاع إلى كيان اقتصادي تابع بالكامل، مع استمرار فرض قيود ومعايير إسرائيلية على كل المعاملات المالية، مما يجعل القطاع هشاً وغير قادر على تحقيق أي تنمية مستدامة.
ويرى مسيف أن إدخال العملة الرقمية يمثل خطوة خطيرة على الصعيدين الاقتصادي والسياسي، ويكرس الانفصال الفلسطيني، ويضع مستقبل الاقتصاد الوطني في قبضة الاحتلال، مشيراً إلى أن أي نجاح مزعوم للعملة سيكون محدوداً على المؤسسات الكبرى، بينما سيظل المواطن في غزة تحت الإكراه الرقمي وسيطرة خارجية على حياته الاقتصادية اليومية.

خطوة جديدة نحو التبعية الاقتصادية

يعتبر الخبير والمحلل الاقتصادي د. ثابت أبو الروس أن الحديث عن إدخال عملة رقمية في قطاع غزة يمثل خطوة جديدة ضمن آليات تتجه نحو التبعية الاقتصادية الفلسطينية للاقتصاد الإسرائيلي، واصفًا إياها بـ"السلاح الصامت" الذي سيزيد من التضييق على الاقتصاد الفلسطيني.
ويوضح أبو الروس أن المتحكم الأول والوحيد بهذه العملة سيكون الجانب الإسرائيلي، ما يعيد فرض قيود وعقوبات على الاقتصاد الفلسطيني كما تفعل إسرائيل حالياً عبر المقاصة والمعابر، ويحول العملة إلى أداة للسيطرة والتهديد.
ويشير أبو الروس إلى أن هذه العملة لن تخدم الصالح الفلسطيني، خاصة في ظل وجود عملة الاحتلال "الشيكل"، موضحًا أن وجود عملة رقمية بإشراف إسرائيلي يعيد هيكلة الاقتصاد في غزة ويتيح للسلطات الإسرائيلية التحكم في الوارد والصادر، وفي المعاملات اليومية لأهالي القطاع.

العملة الرقمية كأداة عقاب

ويشير أبو الروس إلى أن العملة الرقمية قد تستخدم كأداة عقاب، بحيث يُحرم أهالي غزة من استخدامها عند ممارسة إسرائيل لأي شكل من أشكال العقوبات الاقتصادية أو السياسية بحقهم.
ويوضح أبو الروس أن اعتماد عملة رقمية مستقلة لغزة سيزيد من الشرخ الاقتصادي والسياسي بين القطاع والضفة الغربية، ويعيد تشكيل العلاقات الاقتصادية والاجتماعية بين الطرفين، بما يعزز الفصل الممنهج الذي تنتهجه إسرائيل منذ فترة طويلة.
ويؤكد أبو الروس أن السيطرة الإسرائيلية على العملة ستتيح لها جني مكاسب كبيرة، خاصة من خلال التبادل بالدولار وتحويله إلى الشيكل بسعر يحقق أرباحاً كبيرة للاقتصاد الإسرائيلي على حساب الفلسطينيين، ما يعمق الظلم المالي والاقتصادي بحق الاقتصاد الفلسطيني.

القضاء على احتمالات وجود عملة فلسطينية

ويحذر أبو الروس من أن هذه الخطوة قد تقضي عملياً على أي احتمال مستقبلي لوجود عملة فلسطينية، حتى بعد أكثر من ثلاثين عاماً على اتفاقية باريس الاقتصادية، مؤكدًا أن الهيمنة الرقمية مدعومة دولياً، ما يعزز موقع العملة الإسرائيلية ويقوي السيطرة الاقتصادية والسياسية لإسرائيل على قطاع غزة.
ويشير أبو الروس إلى أن المواطن في غزة، رغم حاجته لأي وسيلة لإدارة حياته اليومية، سيكون في النهاية تحت وطأة الهيمنة الاقتصادية الكاملة، مما يضع مستقبل الاقتصاد الفلسطيني على المحك ويقوّض قدرته على تقرير مصيره المالي والسياسي.

افتقاد الواقعية

يعتبر الصحفي المختص بالشأن الاقتصادي أيهم أبو غوش أن الحديث عن إدخال عملة رقمية في قطاع غزة، ضمن تصورات مجلس السلام، يفتقد إلى الواقعية ويأتي في وقت تتصدر فيه أولويات المواطنين إعادة الإعمار والإغاثة واستئناف الحياة الطبيعية بعد سنوات الحرب والضغط الاقتصادي.
ويوضح أبو غوش أن أولويات المجلس تختلف، حيث تنطلق بالأساس من الحفاظ على المصلحة الإسرائيلية، عبر قوات دولية، وهو ما يجعل مشروع العملة الرقمية يحمل أبعاداً سياسية أكثر من اقتصادية.
ويشير أبو غوش إلى غموض طبيعة المشروع الأمريكي في القطاع، موضحاً أن الأموال التي جُمعت لصالح مجلس السلام غير واضحة في تخصيصها، سواء للقطاع ككل أو لأغراض محددة، وما إذا كانت ستدعم المشروع الاقتصادي للعملة الرقمية.

العملة الرقمية والمدعّمات الاقتصادية

ويؤكد أبو غوش أن أي عملة رقمية تحتاج إلى مدعّمات اقتصادية قوية واستقرار سياسي وقدرة على السيطرة على المعابر والحدود وتدفق التجارة وجذب الاستثمارات، وهو ما يفتقده قطاع غزة في الوقت الحالي.
ويحذر أبو غوش من أن إصدار عملة منفردة في غزة يعمّق الانفصال الفلسطيني بين الضفة الغربية والقطاع، ويبعد غزة عن المشروع الوطني الفلسطيني، ويخلق فجوة كبيرة بين ما يُناقش على المستوى النظري وما هو واقع على الأرض.
ويرى أبو غوش أن نجاح أي عملة يعتمد على توفر استقرار سياسي طويل الأمد، وسيطرة كاملة على الموانئ والمعابر، وجذب الاستثمارات، وتأمين إعادة الإعمار بشكل واضح، وهي عناصر غير متوافرة حالياً.
ويؤكد أبو غوش أن أي محاولة لإطلاق العملة الرقمية بدون هذه الأسس ستكون بلا قيمة اقتصادية وسياسية، وستكرّس الانفصال بين الضفة وغزة، وتضع القطاع خارج المشروع الوطني الفلسطيني، مع استمرار الفجوة بين الواقع والحديث النظري عن العملة الرقمية، مما يجعل المشروع محفوفاً بالمخاطر الاقتصادية والسياسية على حد سواء.

تعميق السيطرة الإسرائيلية على القطاع

يحذر الخبير الاقتصادي د. مؤيد عفانة من أن الحديث عن إدخال عملة رقمية في قطاع غزة، كما يتم الحديث عنه من قبل "مجلس السلام"، يأتي ضمن محاولات لتعميق السيطرة الإسرائيلية على القطاع، ليس فقط من الناحية الأمنية بل أيضاً الاقتصادية.
ويوضح عفانة أن هذه الخطوة قد تمس القطاع المصرفي بشكل مباشر، من خلال فرض رقابة رقمية على الحسابات والتعاملات النقدية لأهالي غزة، في ظل غياب رؤية واضحة لإدارة القطاع بعد سنوات من الحرب والضغط الاقتصادي والاجتماعي المستمر.
ويشير عفانة إلى أن إدخال العملة الرقمية سيعزز فصل غزة عن الضفة الغربية على المستوى الإداري والاقتصادي والمصرفي، وتحويل القطاع إلى كيان منفصل في تعاملاته المالية.
ويرى عفانة أن حاجة المواطنين للتعاملات البنكية اليومية، خاصة مع شح السيولة النقدية، ستسهل على سلطات الاحتلال فرض آليات عمل جديدة، تشمل اعتماد العملة الرقمية، في وقت يعاني فيه القطاع من نقص حاد في النقد الورقي والمعدني بسبب منع إسرائيل إدخاله، إضافة إلى تآكل أو مصادرة ما هو متوفر خلال سنوات الحرب.
ويؤكد عفانة أن هذه الإجراءات تهدف إلى ترسيخ السيطرة الإسرائيلية على الاقتصاد اليومي في غزة، واستغلال الوضع الإنساني والمالي الصعب لتوسيع النفوذ الرقمي على حياة المواطنين، ما يضع القطاع في مواجهة مباشرة مع نظام مالي مشروط ومراقب بالكامل.

تحدي السيادة الفلسطينية

تعتبر الصحفية المختصة بالشأن الاقتصادي حسناء الرنتيسي أن مشروع العملة الرقمية المقترحة من قبل مجلس السلام لقطاع غزة قد يبدو في البداية حلاً تقنياً لأزمة السيولة الحادة التي يعانيها القطاع منذ أكتوبر 2023، نتيجة منع إدخال النقد وإغلاق فروع البنوك، حيث تعتمد الغالبية العظمى من أهالي قطاع غزة حالياً على الشيكل الإسرائيلي في الرواتب والمعاملات اليومية، لكن الأمر أعمق من أن يكون حلاً تقنياً.
وتشير الرنتيسي إلى ما كشفته فاييننشال تايمز عن نقاشات داخل ما يُسمى مجلس السلام حول إمكانية طرح عملة رقمية مرتبطة بالدولار لإعادة تشغيل دورة الدفع في اقتصاد شبه مشلول، مؤكدة أن المسألة أعمق من مجرد معالجة نقص النقد.
وتشير الرنتيسي إلى أن أي عملة رقمية تُنشأ خارج الإطار الفلسطيني الرسمي وتحت إشراف جهات مدعومة إسرائيلياً تشكل تحدياً للسيادة الفلسطينية، حيث يطرح السؤال حول من يمتلك مفاتيح النظام المالي ومن يحدد قواعده.

التحكم الخارجي بقطاع غزة

وترى الرنتيسي أن ربط العملة بالدولار يمنح استقراراً نسبياً لكنه ينقل مركز الثقل النقدي إلى الخارج، ويقلص دور سلطة النقد الفلسطينية في غزة، ويجعل القطاع عرضة للسيطرة والتحكم الخارجي.
وتحذر الرنتيسي من أن المحافظ الرقمية في ظل الحصار والاحتلال ليست مجرد وسيلة دفع، بل منصة يمكن للجهة المشغلة من خلالها تجميد الحسابات أو تقييد المعاملات، ما يمنحها سلطة مباشرة على حياة المواطنين اليومية.
وعلى مستوى تأثير ذلك على العلاقة بين الضفة وغزة، تشير الرنتيسي إلى أن اعتماد نظام رقمي مستقل مرتبط بالدولار في غزة مقابل استمرار الضفة في النظام التقليدي المرتبط بالشيكل وسلطة النقد، يؤدي إلى ازدواجية نقدية تعقد التحويلات بين المنطقتين، وتزيد كلفة المعاملات، وتعيق أي جهود مستقبلية لتوحيد السياسة المالية الفلسطينية.
وترى الرنتيسي أن مشروع العملة الرقمية يحمل بعداً عملياً لمعالجة أزمة السيولة، لكنه يحمل أيضاً أبعاداً سياسية وسيادية حساسة، إذ أن نجاحه أو خطورته يعتمد على من يضع قواعد النظام ومن يمتلك القدرة على تشغيله أو إيقافه، مما يجعل أي خطوة في هذا الاتجاه مسألة أمنية واقتصادية وسياسية في آن واحد.

أقلام وأراء

الأحد 01 مارس 2026 9:39 صباحًا - بتوقيت القدس

حرب إسقاط النظام الإيراني


في (17/ 1/ 1991)، بدأت الحرب الأمريكية مع الحلفاء على العراق، بهدف تدمير قدراته، ووضعه قيد الحصار والعزلة، تمهيداً لإسقاطه، بعد طول نفس ووقت مناسب.
 في (20 /3/ 2003)، بدأ الغزو الأمريكي البري على العراق حتى سقطت بغداد يوم 9/4/2003، وفي (13/ 12/ 2003)، تم إلقاء القبض على الرئيس الراحل صدام حسين، وإعدامه يوم (30/ 12/ 2006)، فالهدف كان إسقاط النظام وليس اضعافه، أو تأديبه لأنه ارتكب خطيئة اجتياح  دولة الكويت وضمها (2/ 8/ 1990).
يوم أمس السبت 28 شباط فبراير 2026، بدأ هجوم المستعمرة المشترك مع القوات الأمريكية على إيران، بهدف تدمير قدراتها وإمكاناتها، والإسراع في تحضير الأجواء والمناخ لإسقاط نظامها السياسي، فالهدف الإسرائيلي الأمريكي إسقاط سياسات وطموحات وتطلعات  النظام الايراني وتغييره، وليس تقليص قدراته نحو التخصيب النووي، وتقزيم صواريخه البالستية.
لقد بدأ التصعيد للنيل من النظام الايراني، من خلال تقليص ادواته وحلفائه، في الشرق العربي.
تم قتل واغتيال قيادات حزب الله العسكرية والأمنية والسياسية، وشل فعاليته، وتقزيم قدرات حركة حماس وإعادة احتلال قطاع غزة، وإسقاط النظام في دمشق يوم 8 كانون الأول 2024، وتدمير كامل قدرات الجيش السوري البرية والجوية والبحرية، وشل فعاليته، وإحتلال المزيد من الأراضي السورية، بعد الإقرار وضم الجولان واعتباره جزءاً من أراضي المستعمرة، والتطاول على السيادة السورية، كما يحصل في لبنان.
وبذلك: 1- تم إسقاط النظام العراقي 2003، 2- تم إسقاط النظام السوريي 2024، 3- تم تدمير قدرات حزب الله 2023، 4- تم تدمير قدرات حركة حماس  طوال سنتين: من 8 تشرين اول اكتوبر 2023 -حتى 10 أكتوبر 2025، وإن كانت الهجمات لم تتوقف بعد، 5- تم المس بقدرات أنصار الله الحوثيين في اليمن طوال الاشتباكات خلال سنتي حرب غزة، وبذلك لم يعد في الشرق العربي ما يمكن المسام بأمن المستعمرة  او يؤثر على برامجها التوسعية، واحتلالها التعسفي،  وشرعنته وفق اتفاقات كامب ديفد  مع مصر، ووادي عربة مع الأردن، وأسلو مع فلسطين، وتمكنها من انتزاع قبولها كما حصل وفق الاتفاقات المسماة  الإبراهيمية مع المغرب والسودان والامارات والبحرين، وتم ذلك  بعد إعادة احتلال المدن الضفة الفلسطينية، وتقليص مكانة وسلطة وحدود السلطة الفلسطينية، وعدم دعوتها وهدم حضورها مجلس السلام الذي دعا له الرئيس ترمب في واشنطن مع الحفاظ على تعزيز الانقسام وتقطيع التواصل بين القدس والضفة والقطاع، و"تشليحها" وحدتها وتماسكها، وجعلها معزولة متعارضة، بلا تأثير جدي على شعبها وإدارته وقيادته، إنعكاساً للانقسام بين فتح وحماس وإضعافهما، وانعكس ذلك على لقاءات ومفاوضات مباشرة مع حركة حماس لقبول والتوقيع على اتفاق وقف إطلاق النار يم 10 تشرين أول اكتوبر 2025.
هجوم، معركة، حرب المستعمرة مع الأمريكيين على ايران يوم 28 شباط، لم تحظ  بقبول ورضى عربي وإسلامي وأوروبي، ليس محبة وإنحيازاً بقبول أو عدم  قبول  سياسة إيران، بل لأن العواصم العربية ستتعرض للأذى، والقصف، كما حصل مع الكويت والبحرين وقطر والإمارات وعمان، والأجواء ستكون ملبدة بالقلق ومرور صواريخ القصف من قبل الطرفين، ولا مصلحة لهذه العواصم لهذه الحرب، التي ستسبب خسائر للجميع باستثناء المستعمرة التي ستربح إذا نجحت نهاياتها باسقاط النظام الإيراني، وهو الهدف المركزي الأساسي الجوهري لهذه الحرب.
لا يريدون لأي طرف فاعل قادر على رفض احتلال المستعمرة الاسرائيلية لفلسطين وللأراضي العربية، يسعون إلى هدف هيمنة المستعمرة على كامل الشرق العربي، لتكون هي الأقوى ، الأكثر نفوذاً، الأكثر تطوراً، الأكثر استفادة من إمكانات العرب الاقتصادية وخاماتها واسواقها المفتوحة للسلع والإنتاجات الإسرائيلية.
ثلاث جولات من المفاوضات الأمريكية الإيرانية،  برعاية عمانية، الجولة الثالثة يوم الخميس (26/ 2/ 2026)، كانت ناجحة، مبشرة، دفعت وزير الخارجية العمانية البوسعيدي للذهاب إلى واشنطن، مبشراً بنجاح الجولة الثالثة يوم الخميس (26/ 2/ 2026)، والتي سيعقبها مفاوضات مهنية من المختصين والخبراء  غداً الاثنين (2/ 2/ 2026)، بعد نجاح التفاوض والتفاهم السياسي بين الوفدين الإيراني والأمريكي، وسيعقبها جولة مفاوضات رابعة يوم الخميس المقبل.
ولكن رد نتنياهو رئيس حكومة المستعمرة، جاء عملياً مستعجلاً بالهجوم على إيران، لأنه لا مصلحة له بنجاح المفاوضات الأمريكية الإيرانية حتى ولو أدت إلى وقف تخصيب اليورانيوم الإيراني أو قبول مراقبته وتقليص فعاليته ليقتصر على النتائج المدنية دون الوصول إلى انتاج قنابل وصواريخ نووية.
لقد تم الهجوم والحرب على إيران وبالتنسيق المسبق وبالشراكة مع القوات الأمريكية، وبتخطيط مسبق مع إدارة ترمب اليمينية الأكثر إنحيازاً ودعماً للمستعمرة.