د. حسن أيوب: مجرد النقاش بهذه القضية يعكس قلقاً متزايداً من تداعيات قرار الحرب لكن المصالح الحزبية طغت على تلك المخاوف في النهاية
نور عودة: نجاح القرار كان يتطلب تصويت خُمس أعضاء الحزب الجمهوري ضد الرئيس وهو أمر كان من الصعب تحقيقه في ظل الحسابات الانتخابية
د. دلال عريقات: فشل القرار يمنح إدارة ترمب غطاءً سياسياً لمواصلة العمليات العسكرية ضد إيران كخطوة لتعزيز الردع الإقليمي وحماية الحلفاء
خليل شاهين: فشل التصويت كان متوقعاً والديمقراطيون سعوا إلى نقل مسألة تفويض الحرب إلى دائرة الجدل العام داخل الولايات المتحدة
د. فادي جمعة: فشل القرار لا يجعل توسع الحرب أمراً حتميّاً لكنه يزيل أحد العوائق المؤسسية التي كانت أمام ترمب بشأن توسيع الحرب
نهاد أبو غوش: ترمب نجح بحشد دعم الحزب الجمهوري داخل مجلس الشيوخ ما يعكس تأثير جماعات الضغط المؤيدة لإسرائيل داخل مؤسسات الحكم
رام الله - خاص بـ "القدس"-
يكشف فشل التصويت في مجلس الشيوخ الأمريكي لتقييد صلاحيات الرئيس دونالد ترمب في شن هجمات على إيران كشف عن عمق الانقسامات السياسية داخل الولايات المتحدة، حيث هيمن الجمهوريون على القرار وصوت معظمهم إلى جانب الرئيس، ما منح ترمب غطاءً سياسيًا لمواصلة العمليات العسكرية رغم المعارضة الشعبية.
ويرى كتاب ومحللون سياسيون ومختصون وأساتذة جامعات، في أحاديث منفصلة مع "القدس"، أن هذا الفشل يعكس صراع المصالح بين الأطراف السياسية، بالإضافة إلى تأثير جماعات الضغط المؤيدة لإسرائيل، التي ساهمت في حشد الدعم لترمب داخليًا.
ويشيرون إلى بروز التردد داخل الحزبين الديمقراطي والجمهوري بشأن التوسع العسكري في الحرب، مع رفض واسع للرأي العام لأي حرب جديدة، ما يزيد من تعقيد المشهد السياسي.
على الأرض، يرى الكتاب والمحللون والمختصون وأساتذة الجامعات أن هذا الواقع قد يؤدي إلى اتساع نطاق الحرب ضد إيران في الشرق الأوسط، ما يعكس مخاطر توسع المواجهة وتداعياتها الإقليمية والدولية، ويضع الإدارة الأمريكية أمام تحديات دبلوماسية واستراتيجية كبيرة.
تعقيدات متزايدة داخل النظام السياسي الأميركي
يعتبر أستاذ العلوم السياسية والمختص بالشأن الأميركي د.حسن أيوب أن مجرد حدوث التصويت الذي جرى في مجلس الشيوخ لتقييد صلاحيات الرئيس الأميركي دونالد ترمب في شن هجمات عسكرية ضد إيران، ومشاركة عدد من الجمهوريين في التصويت إلى جانب الديمقراطيين يعكس تعقيدات متزايدة داخل النظام السياسي الأميركي بشأن شرعية الحرب.
ويوضح أيوب أن الجانب الدستوري للتصويت يتمثل في صلاحية مجلس الشيوخ في تقييد الرئيس إذا توفرت الأغلبية اللازمة، لكن ما جرى كان متوقعاً في ظل اصطفاف غالبية ممثلي الحزب الجمهوري خلف ترمب، وهو اصطفاف تحكمه حسابات سياسية أكثر مما تحكمه اعتبارات قانونية أو دستورية.
استقطاب حزبي حاد
ويشير أيوب إلى أن الانقسام داخل الحزب الجمهوري يتعمق على مستوى النخب والقواعد، في وقت تظهر فيه استطلاعات رأي أن ما بين 45% و59% من الأميركيين يعارضون الحرب، من بينهم أكثر من 65% من الديمقراطيين، بينما يؤيدها غالبية الجمهوريين.
ويعتبر أيوب أن هذه الأرقام تعكس استقطاباً حزبياً حاداً حول مسألتين رئيسيتين، الأولى تتعلق بشرعية الحرب في ظل عدم اعتبار إيران خطراً وشيكاً، والثانية تتصل بالجدل المتصاعد حول طبيعة العلاقة بين واشنطن وتل أبيب، حيث انتشرت في النقاش العام عبارة تفيد بأن شعار "أمريكا أولاً" تحول إلى "إسرائيل أولاً".
ويرى أيوب أن هذا الجدل كان يقف عائقاً أمام قدرة ترمب على تبرير الحرب، وهي من الحالات النادرة التي يواجه فيها رئيس أميركي صعوبة في تسويق عملية عسكرية خارجية.
ويشير أيوب إلى أن مجرد النقاش الدائر داخل الكونغرس يعكس قلقاً متزايداً من التداعيات السياسية وغير السياسية لقرار الحرب الذي اتخذته واشنطن بالشراكة مع إسرائيل ضد إيران، لكن المصالح الحزبية طغت على تلك المخاوف في النهاية.
فشل التصويت تعزيز لترمب
ويرى أيوب أن فشل تمرير التصويت لتقييد الرئيس شكل تعزيزاً كبيراً لمصداقية ترمب وقيادته، خاصة أن القضية تتعلق بملف استراتيجي يمس علاقات الولايات المتحدة وتحالفاتها وقدرة الرئيس على اتخاذ قرارات مصيرية.
ويرى أيوب أن هذا الجدل يضيق هامش المناورة أمام الرئيس الأميركي ويضعف قدرته على تبرير الحرب، وهي من الحالات النادرة التي يواجه فيها رئيس أميركي صعوبة في تسويق عملية عسكرية خارجية.
ويوضح أن الطبقة السياسية الأميركية لا تزال متفقة على هدف منع إيران من امتلاك سلاح نووي، لكنها تختلف حول الوسائل.
ويؤكد أيوب أن هذه التحركات السياسية والدستورية تأتي وسط مخاوف من أن تؤدي الحرب إلى خسائر انتخابية للحزب الجمهوري في انتخابات التجديد النصفي للكونغرس المقررة في نوفمبر المقبل.
فشل متوقع
تعتبر الكاتبة والمحللة السياسية المختصة في الشؤون الدبلوماسية والعلاقات الدولية نور عودة أن فشل التصويت في مجلس الشيوخ على مشروع قرار يهدف إلى تقييد صلاحيات الرئيس الأميركي دونالد ترمب في شن هجمات عسكرية ضد كان متوقعاً إلى حد كبير، في ظل طبيعة التوازنات السياسية داخل الكونغرس والاستعدادات الجارية للانتخابات النصفية.
وتوضح عودة أن نجاح مشروع القرار كان يتطلب تصويت ما لا يقل عن خمس أعضاء من الحزب الجمهوري ضد الرئيس، وهو أمر كان من الصعب تحقيقه في ظل الحسابات الحزبية المرتبطة بالانتخابات النصفية المقبلة.
وتشير عودة إلى أن ما جرى يعكس بالدرجة الأولى دلالات داخلية في المشهد السياسي الأميركي، خاصة أن الرأي العام الأميركي، سواء بين الناخبين الديمقراطيين أو الجمهوريين، يميل في غالبيته إلى معارضة الانخراط في حرب جديدة.
إبراز المواقف داخل الكونغرس
وتلفت عودة إلى أن الحزب الديمقراطي يسعى من خلال هذه التحركات إلى إبراز المواقف داخل الكونغرس، وتوضيح من يقف مع الحرب ومن يعارضها، وكذلك من يمنح ترمب مساحة أوسع لاستخدام صلاحياته خارج الإطار الذي يحدده الدستور، ومن يحاول مواجهة توسع الرئيس في استخدام السلطات التنفيذية. وتعتقد عودة أن هذه المسألة ستشكل مادة سياسية مهمة خلال الحملات المرتبطة بالانتخابات النصفية المقبلة.
وترى عودة أن فشل القرار لا يعني بالضرورة الحد من اندفاع ترمب في قرارات الحرب، مشيرة إلى أن الرئيس الأميركي يتصرف أحياناً باعتباره صاحب القرار الوحيد في القضايا المصيرية للولايات المتحدة، رغم أن النظام السياسي الأميركي يقوم على مبدأ التوازن بين السلطات.
وترجع عودة ذلك جزئياً إلى ضعف قدرة الحزب الجمهوري على مواجهته، إذ إن كثيراً من الجمهوريين الذين حاولوا معارضته داخل الكونغرس أو مجلس الشيوخ واجهوا صعوبات في الحفاظ على مواقعهم السياسية أو الفوز في الانتخابات.
رؤى ذات طابع أيديولوجي
وفي ما يتعلق بمستقبل الحرب، تحذر عودة من أن المشهد الحالي يشير إلى احتمال اتساعها، معتبرة أن المنطقة تواجه حالة من التطرف السياسي والأيديولوجي لدى كل من الولايات المتحدة وإسرائيل.
وتوضح عودة أن بعض الخطابات الصادرة عن دوائر الحكم القريبة من ترمب تتبنى رؤى ذات طابع أيديولوجي أو ديني، ما يجعل الحسابات المرتبطة بالحرب تتجاوز أحياناً الاعتبارات السياسية التقليدية أو حتى المصالح الأميركية المباشرة.
وتؤكد أن الحرب قد تتوسع في حال غياب كوابح إقليمية ودولية قادرة على فرض ضغوط حقيقية على الأطراف المنخرطة فيها، مشيرة إلى أن الولايات المتحدة باعتبارها قوة كبرى قد تصبح أكثر اندفاعاً إذا واجهت صعوبات في تحقيق نصر واضح، الأمر الذي قد يزيد من تعقيد المشهد.
وتشير عودة إلى أن الصورة الحالية تبعث على القلق، إذ إن تداعيات الحرب المحتملة لا تقتصر على الشرق الأوسط فقط، بل تمتد إلى النظام الدولي بأكمله، في ظل تداخل مصالح القوى العالمية وتضارب حساباتها، ما يجعل إنهاء الحرب مبكراً أمراً بالغ الأهمية لتجنب اتساع نطاقها وتأثيراتها.
هامش واسع للتحرك العسكري
ترى أستاذة الدبلوماسية وحل الصراعات في الجامعة العربية الأمريكية د.دلال عريقات أن فشل مشروع قرار مجلس الشيوخ لتقييد صلاحيات الرئيس الأميركي دونالد ترمب في استخدام القوة العسكرية ضد إيران، بعد تصويت 53 مقابل 47، يعكس استمرار منح المؤسسة السياسية الأميركية الرئيس هامشاً واسعاً للتحرك العسكري في الشرق الأوسط، رغم تصاعد الجدل الداخلي بشأن تداعيات الحرب.
وتشير عريقات إلى أن الرؤساء الأمريكيين تمكنوا خلال السنوات الماضية من امتلاك صلاحيات واسعة تتعلق بإعلان الحروب وبدء العمليات العسكرية، واستمر هذا الأمر استمر حتى في عهد الرئيس الأميركي جو بايدن، الذي اتخذ قرارات الحرب بصفته رئيساً.
انقسام داخل الحزبين الديمقراطي والجمهوري
وتوضح عريقات أن نتيجة التصويت تكشف أيضاً عن حالة انقسام سياسي داخل الحزبين الديمقراطي والجمهوري، حيث لم يعد الاصطفاف التقليدي بين الحزبين هو المحدد الرئيسي للمواقف، بل ظهرت انقسامات داخلية بين تيارات مختلفة حول مدى استعداد الولايات المتحدة للانخراط في مواجهة عسكرية مباشرة في المنطقة.
وتشير إلى أن أحد العوامل الأساسية التي تغذي هذا الانقسام يتمثل في مسألة الدفاع عن الولايات المتحدة، إذ يرى بعض أعضاء الكونغرس أن استهداف إيران يمكن أن يندرج ضمن إطار حماية أمن إسرائيل وتعزيز الردع في مواجهة خصومها الإقليميين، وفي المقابل، يحذر أعضاء آخرون من أن مثل هذا الانخراط العسكري قد يقود الولايات المتحدة إلى حرب إقليمية واسعة النطاق، حتى لو تم تبريره تحت عنوان حماية الحلفاء.
وتيّن عريقات أن هذا الواقع يفسر ظاهرة التصويت العابر للحزبين داخل الكونغرس، حيث دعم بعض الديمقراطيين الضربات العسكرية بدافع حماية الحلفاء وتعزيز الردع، في حين عارض بعض الجمهوريين توسيع التدخل العسكري الخارجي، معتبرين أن الانخراط في حرب جديدة قد يثقل كاهل الاقتصاد الأميركي ويستنزف أموال دافعي الضرائب.
فشل القرار غطاء سياسي لمواصلة الحرب
وفي ما يتعلق بتداعيات التصويت على مسار الحرب، توضح عريقات أن فشل القرار يعني عملياً منح إدارة ترمب غطاءً سياسياً يسمح لها بمواصلة العمليات العسكرية ضد إيران، وهو ما قد يُبرَّر داخل واشنطن باعتباره خطوة لتعزيز الردع الإقليمي وحماية حلفاء الولايات المتحدة في المنطقة.
لكن عريقات تحذر في المقابل من أن استمرار هذا المسار قد يؤدي إلى توسيع رقعة الحرب إقليمياً وإطالة أمدها، مشيرة إلى أن النقاش السياسي داخل الكونغرس قد ينتقل في المرحلة المقبلة إلى ملف تمويل العمليات العسكرية، خاصة إذا طلبت الإدارة الأميركية مخصصات مالية إضافية للحرب.
وتربط عريقات هذا الجدل بصعود تيار "أمريكا أولاً" المعروف بـ"MAGA"، الذي يطرح مفارقة في المواقف؛ إذ يرفع شعار تقليل الحروب الخارجية، لكنه في الوقت نفسه يدعم سياسات ردع قوية في الشرق الأوسط، خصوصاً تجاه إيران.
وتلفت عريقات إلى أن هذا التناقض يعكس انقساماً داخل التيار المحافظ نفسه بين نزعة انعزالية ترفض الحروب الطويلة، ونزعة أمنية ترى في القوة العسكرية وسيلة لحماية الحلفاء والمصالح الأميركية.
وتشير عريقات إلى أن مجمل هذه التطورات تكشف غياب إجماع أميركي واضح بشأن خيار التصعيد العسكري في الشرق الأوسط، خاصة في ظل تأثير المزاج الشعبي الأميركي الذي لا يزال متأثراً بتجارب الحروب الطويلة والمكلفة في كل من العراق وأفغانستان، وما تركته من إرهاق واضح في الرأي العام تجاه أي انخراط عسكري جديد في الخارج.
فتح نقاش سياسي واسع حول صلاحيات الرئيس
يعتبر الكاتب والمحلل السياسي خليل شاهين أن نتيجة التصويت الأولي وفشلها بشأن تقييد صلاحيات الرئيس الأميركي دونالد ترمب في شن حرب ضد إيران كانت متوقعة، في ظل موازين القوى داخل الكونغرس وهيمنة الجمهوريين على المؤسستين التشريعيتين داخله.
ويوضح شاهين أن طرح المشروع من قبل الديمقراطيين جاء رغم إدراكهم المسبق بعدم امتلاكهم الأغلبية اللازمة لتمريره، لكنه يهدف أساساً إلى فتح نقاش سياسي واسع حول صلاحيات الرئيس في إدارة الحروب الخارجية.
ويشير إلى أن الديمقراطيين سعوا إلى نقل مسألة تفويض الحرب إلى دائرة الجدل العام داخل الولايات المتحدة، خصوصاً بعد تصاعد الحديث قبل اندلاع الحرب عن احتمال انخراط واشنطن إلى جانب إسرائيل في مواجهة عسكرية مع إيران.
ويؤكد شاهين أن الإدارة الأمريكية، بقيادة الرئيس دونالد ترمب، تواصل التأكيد أنها لا تخوض حرباً رسمية، ما يسمح لها بتجاوز الحاجة إلى تفويض مباشر من الكونغرس، والاكتفاء بإحاطة ما يعرف بـ"الثمانية الكبار" من قادة اللجان الرئيسية في الكونغرس، ولا سيما لجنة الاستخبارات.
المشهد السياسي محكوم بمعادلتين
ويبيّن شاهين أن المشهد السياسي في واشنطن تحكمه معادلتان أساسيتان؛ الأولى استمرار سيطرة الجمهوريين على الكونغرس، والثانية أن ترمب يفرض هيمنة واضحة على الحزب الجمهوري نفسه، وهو ما يقلل فرص تمرير أي تشريع يحد من صلاحياته العسكرية في المرحلة الحالية.
ويشير شاهين إلى أن إدارة ترمب دفعت بعدد من المسؤولين والمستشارين إلى وسائل الإعلام الأمريكية والغربية لترويج الرواية الرسمية التي تبرر الحرب باعتبارها ضرورة لحماية المصالح الأمريكية، وليس استجابة لضغوط إسرائيلية، رغم أنها رواية تواجه تشكيكاً متزايداً داخل الرأي العام الأمريكي.
ويوضح شاهين أن فشل التصويت في مجلس الشيوخ لا يعني إغلاق الملف، بل يفتح مرحلة جديدة من النقاش السياسي حول صلاحيات الرئيس في استخدام القوة العسكرية خارج البلاد، خصوصاً مع اقتراب الانتخابات النصفية للكونغرس التي قد تتأثر نتائجها بتطورات الحرب وتداعياتها الاقتصادية والبشرية.
اتساع سريع في النطاق الجغرافي للحرب
ويرى شاهين أن تطورات الحرب تشير إلى اتساع سريع في نطاقها الجغرافي، مشيراً إلى أن الرد الإيراني شمل استهداف قواعد عسكرية أمريكية في عدد من الدول الخليجية، بينها العراق والكويت والبحرين وقطر والإمارات والسعودية وعُمان، إضافة إلى الأردن، مع امتداد تأثيرها العسكري المباشر إلى مناطق أخرى مثل قبرص وتركيا.
ويرى أن هذا الاتساع أربك الحسابات الأمريكية والإسرائيلية، إذ كانت التوقعات تشير إلى رد إيراني محدود على قواعد محددة، وليس هجمات متزامنة على هذا العدد من الدول.
وبحسب شاهين، فإن هذا الواقع يفرض على واشنطن وتل أبيب الجمع بين استراتيجيتين متوازيتين: الأولى هجومية تقوم على توسيع الضربات ضد منشآت وقوات الحرس الثوري داخل إيران، والثانية دفاعية لحماية الدول والقواعد التي تتعرض للهجمات الإيرانية.
ويشير إلى أن الخطة الأمريكية الإسرائيلية تهدف في نهاية المطاف إلى فرض هيمنة جوية كاملة على الأجواء الإيرانية تمهيداً لضرب البنية التحتية العسكرية والأمنية للنظام، بما قد يؤدي إما إلى إجبار طهران على قبول الشروط الأمريكية الإسرائيلية أو إضعاف النظام تمهيداً لتغييره عبر اضطرابات داخلية.
وفي المقابل، يلفت شاهين إلى أن الاستراتيجية الإيرانية تبدو قائمة على حرب استنزاف طويلة الأمد، تقوم على الاستخدام المحسوب للقوة وتوسيع دائرة المواجهة عبر حلفائها في المنطقة، مثل حزب الله في لبنان والفصائل العراقية، وربما الحوثيين في اليمن لاحقاً.
ويوضح شاهين أن طهران تراهن أيضاً على عامل الزمن ورفع الكلفة الاقتصادية للحرب عبر استهداف إمدادات الطاقة في منطقة الخليج، وهو ما قد يؤدي إلى أزمة عالمية في سوق النفط والغاز، بما فيها الولايات المتحدة، ما قد يعزز المعارضة الشعبية للحرب.
معارضة الأمريكيين للحرب
ويشير شاهين إلى أن استطلاعات الرأي تظهر أن نحو 60% من الأمريكيين يعارضون الحرب ضد إيران، ويفضلون التركيز على القضايا الداخلية.
ويلفت إلى أن الحرب تتقاطع مع حسابات سياسية أخرى، منها مصالح رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، الذي يسعى إلى تحقيق إنجاز عسكري كبير يمكن توظيفه في الانتخابات الإسرائيلية المقبلة وربما الدفع نحو تبكير موعدها.
ويرى شاهين أن المؤشرات الحالية تدل على أن المنطقة تتجه نحو اتساع دائرة المواجهة بشكل أكبر، مع احتمال دخول أطراف إقليمية ودولية إضافية على خط الصراع، محذراً من أن استمرار التصعيد قد يقود إلى ما يشبه "حرباً شرق أوسطية واسعة"، وربما سيناريو يشبه حرباً عالمية مصغرة إذا خرجت التطورات عن السيطرة.
إزالة أحد العوائق المؤسسية أمام ترمب
يوضح أستاذ العلوم السياسية في الجامعة العربية الأمريكية د.فادي جمعة أن فشل التصويت الأولي في مجلس الشيوخ الأمريكي لإصدار قرار لتقييد صلاحيات الرئيس الأميركي دونالد ترمب في شن هجمات ضد إيران لا يجعل توسع الحرب أمر حتمي، لكنه يزيل أحد العوائق المؤسساتية التي كانت أمام ترمب بتوسيع الحرب في منطقة الشرق الأوسط، ما يعكس تعقيدات القرار الأميركي بهذا الشأن.
ويشير جمعة إلى أن التصويت يذكّر بأن صلاحيات إعلان الحرب في النظام السياسي الأميركي ليست مطلقة بيد الرئيس، بل تخضع لتوازن دقيق بين السلطة التنفيذية والسلطة التشريعية.
وبحسب جمعة، فإنه بالرغم من تصريحات ترمب ونائبه المتكررة بأن قرار استخدام القوة العسكرية يعود للرئيس، فإن تحرك مجلس الشيوخ لمحاولة تقييد هذه الصلاحيات يبعث برسالة واضحة مفادها أن الكونغرس يريد دوراً مباشراً في قرار توسعة أي مواجهة عسكرية، خصوصاً إذا كانت قد تتطور إلى صراع إقليمي واسع.
ويشير جمعة إلى أن الخطوة تكشف وجود انقسام داخل النخب السياسية الأميركية بشأن جدوى التصعيد العسكري مع إيران، فهناك تيار سياسي يرى أن الانخراط العسكري المباشر قد يجر الولايات المتحدة إلى حرب إقليمية مكلفة سياسياً واقتصادياً، في وقت تواجه فيه واشنطن أزمات دولية متعددة، ووفق هذا المنظور، فإن التصويت لا يمثل مجرد إجراء تشريعي، بل يعكس تردداً حقيقياً داخل المؤسسة السياسية الأميركية تجاه توسعة الحرب.
ويرى جمعة أن الخطوة تتصل بالنظرة الاستراتيجية الأميركية الشاملة لملف إيران، إذ إن واشنطن لا تتعامل مع هذا الملف باعتباره مسألة عسكرية فقط، بل قضية سياسية معقدة ترتبط بالاقتصاد والانتخابات والرأي العام الداخلي.
ويوضح جمعة أن التصويت على القرار بحد ذاته، يرسل رسالتين أساسيتين: الأولى إلى إدارة ترمب بأن أي توسع عسكري قد يواجه مقاومة مؤسساتية داخلية، والثانية إلى الأطراف الإقليمية بأن قرار الحرب ليس مفتوحاً أو تلقائياً.
انقسام مجتمعي ومؤسسي حاد
يوضح الكاتب والمحلل السياسي نهاد أبو غوش أن فشل التصويت الذي جرى في مجلس الشيوخ الأمريكي بشأن تقييد صلاحيات الرئيس في شن الحرب على إيران، والذي من المرجح أن يتجدد النقاش حوله مستقبلاً، يعكس انقساماً حاداً داخل المجتمع الأمريكي ومؤسسات الحكم في الولايات المتحدة، في ظل تفرّد الرئيس الأمريكي دونالد ترمب باتخاذ قرارات سياسية وعسكرية مثيرة للجدل داخلياً وخارجياً.
ويوضح أبو غوش أن سياسات ترمب لا تقتصر على الملف الخارجي، بل تمتد إلى الداخل الأمريكي، بدءاً من مواقفه المتشددة في قضايا الهجرة وصداماته مع جاليات ومجموعات عرقية مختلفة، مروراً بسياساته الاقتصادية المتعلقة بالرسوم الجمركية، وصولاً إلى قراراته في السياسة الخارجية التي أدت إلى افتعال حروب لا ضرورة لها، مثل المواجهة مع إيران والتصعيد في ملفات أخرى بينها فنزويلا.
ترمب والاعتماد على المستشارين المقربين
ويشير أبو غوش أن ترمب يتعامل مع النظام السياسي بطريقة تتجاوز القيود الدستورية، إذ إن الدستور الأمريكي يشترط موافقة الكونغرس لإعلان الحرب، إلا أن ترمب لجأ إلى وصف العمليات العسكرية بأنها "إجراءات محدودة" وليست حرباً رسمية، وهو ما يتيح له الالتفاف على الحاجة إلى تفويض تشريعي.
ويلفت أبو غوش إلى اعتماد ترمب بشكل متزايد على دائرة ضيقة من المستشارين المقربين والأصدقاء، بدلاً من المؤسسات التقليدية في الإدارة الأمريكية.
ليست "حرباً اضطرارية"
ويبيّن أبو غوش أن استطلاعات الرأي داخل الولايات المتحدة تشير إلى معارضة واسعة للحرب على إيران، إذ يرفضها نحو نصف الأمريكيين، مقابل أقل من ربع يؤيدونها، ما يعزز الانطباع بأن هذه المواجهة ليست "حرباً اضطرارية" بل خيار سياسي.
ويلفت أبو غوش إلى أن جزءاً من الرأي العام الأمريكي بات يعتقد أن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو قدّم معلومات استخبارية مضللة دفعت واشنطن إلى الانخراط في حرب لا تخدم مصالحها المباشرة، خاصة في ظل مؤشرات سابقة على تقدم في المفاوضات غير المباشرة بين واشنطن وطهران بوساطة سلطنة عمان.
ويشير أبو غوش إلى أن ترمب نجح في حشد دعم الحزب الجمهوري داخل مجلس الشيوخ، حيث أيده معظم أعضائه باستثناء السيناتور راند بول، في حين عارض أحد أعضاء الحزب الديمقراطي مشروع القرار، ما يعكس تأثير جماعات الضغط المؤيدة لإسرائيل داخل مؤسسات الحكم الأمريكية، رغم الاتجاهات المختلفة للرأي العام.
الحرب اتسعت فعلياً
وعلى الصعيد الميداني، يؤكد أبو غوش أن الحرب اتسعت فعلياً مع استهداف إيران للقواعد العسكرية الأمريكية المنتشرة في عدد من دول المنطقة، إلى جانب اشتعال الجبهة اللبنانية وتصاعد المخاوف بشأن تهديد إمدادات النفط العالمية.
ويعتبر أن الولايات المتحدة والدول الغربية تسعى في الوقت نفسه إلى إعادة تقديم إسرائيل باعتبارها "خط الدفاع الأول عن العالم الحر"، رغم الاتهامات الموجهة لها بارتكاب جرائم حرب في غزة.
ويوضح أبو غوش أن الأهداف الحقيقية للحرب باتت تتجاوز مسألة البرنامج النووي أو الصواريخ الباليستية، لتصل إلى استهداف النظام الإيراني وبنية الدولة ووحدة أراضيها، وهي أهداف لا يمكن تحقيقها عبر الضربات الجوية أو الاغتيالات وحدها، مؤكداً أن قدرة الدولة والمجتمع في إيران على الصمود قد تؤدي في النهاية إلى إفشال هذه الحرب رغم الخسائر التي تتكبدها.