تشهد الساحة الإعلامية العربية منذ السابع من أكتوبر 2023 موجة من النقاشات التي تسعى لدفن الذاكرة المعاصرة حول مسؤولية الاحتلال عما آلت إليه الأوضاع في المنطقة. وتعمل منصات وشاشات عربية على تبني الرواية الأمريكية والإسرائيلية، متجاهلة حقائق المشروع الصهيوني وتاريخ مقاومة الشعب الفلسطيني الذي يواجه انتهاك سيادته وأرضه بشكل يومي.
تعتمد استراتيجية 'كي الوعي' الجديدة على استضافة مستشارين أمريكيين سابقين عبر منابر عربية، حيث يتم تقديمهم كخبراء يشرحون فضائل الدعم الأمريكي لإسرائيل. ويهدف هذا الحضور المكثف إلى تهيئة الرأي العام لقبول فكرة أن إسرائيل ليست العدو الحقيقي، بل إن الخطر يكمن في 'إرهاب الضحية' ومن يساندها.
يبرز هذا التشويه في تصوير دفاع المزارع الفلسطيني في الضفة الغربية عن أرضه وممتلكاته ضد عصابات المستوطنين كفعل تخريبي أو وكالة لجهات خارجية. ويُطالب الفلسطيني بالصمت أمام نسف بيته وقتل عائلته، بينما تُعتبر معاناته مجرد 'هوامش' تعكر صفو سلام وهمي يقوم على سحق صاحب الأرض الأصلي.
لقد أصبح المدخل لترويج 'الأسرلة' أكثر سهولة بعدما هيأت إسرائيل الأرضية لنخب سياسية تقرأ الواقع بعيون وحناجر إسرائيلية. هؤلاء يستخدمون عبارات ملتوية تبدأ بالاعتراف الشكلي بجرائم الاحتلال، ثم تنتقل فوراً لمهاجمة المقاومة ووصفها بالإجرام لأنها لم تتبع نهج الانبطاح الرسمي.
تستهدف هذه النخب تحطيم إيمان الضحايا عبر شيطنة عقيدتهم الدينية وحلفائهم وعمقهم العربي والدولي، في محاولة لفرض هزيمة نفسية واستسلام كلي. ويجري العمل على تحقير المبادئ الأخلاقية والقانونية التي يستند إليها الحق الفلسطيني، لصالح تزوير تاريخي مستمر منذ ثمانية عقود.
من المفارقات الصارخة أن نجد نخبًا غربية وفنانين وسياسيين دوليين يتخذون مواقف أخلاقية صلبة ضد جرائم الإبادة الجماعية، ويطالبون بقطع العلاقات مع إسرائيل. وفي المقابل، تخرج أصوات عربية تصب جام غضبها على الضحايا، وتلومهم لأنهم لم يسلكوا الطريق 'الأسلم' للذبح دون إزعاج الجلاد.
تحتاج الولايات المتحدة وإسرائيل اليوم إلى فاعلية إعلامية من طراز خاص لمواجهة سردية الحق الفلسطيني، خاصة بعد نجاحهما في تحييد القانون الدولي. ويتم ذلك عبر اختراق حصون إعلامية عربية بنخب تتفاخر بمنجز التدمير الصهيوني في غزة ولبنان وسوريا، وتطعن في جدوى أي فعل مقاوم.
لم يكن يتصور المرء أن ينتصر الاحتلال بأدوات ونخب عربية تحمل عضلاته وبطشه كسلاح ترمي به العقل العربي.
تقدم هذه المنصات صورة زاهية للدور الأمريكي والوعود بوهم التعايش والازدهار بعد تصفية حقوق الشعوب الأصيلة في المنطقة. وتتضاعف أهمية قول الحقيقة في هذه اللحظة الحرجة التي يغيب فيها الإسناد العربي الحقيقي، ويصبح من الضروري تحديد المجرم الحقيقي دون مواربة.
إن الطريق الملتوي للتعبير عن 'الأسرلة' لم يعد حبيس الكواليس، بل أصبح الهواء الطلق ميداناً لمطلقي التزوير الذين يجسدون فضائل قوة الاغتصاب والغطرسة. هؤلاء يستخدمون لغة عربية موزونة في ظاهرها، لكنها تحمل في طياتها منطقاً صهيونياً يهدف لتصفية القضية الفلسطينية من جذورها.
وصل الأمر ببعض المحللين العرب إلى إبداء الإعجاب بشخصيات يمينية متطرفة مثل نتنياهو وسموتريتش وبن غفير، وإيجاد مبررات لسياساتهم الاستيطانية. وتظهر هذه الثقافة الانهزامية عبر تساؤلات مشبوهة حول 'فائدة القضية'، في محاولة لفك ارتباط الشعوب العربية بحقوق الفلسطينيين التاريخية.
يسعى وكلاء الإعلام 'المتأسرل' إلى تقديم نخب صهيونية لتشرح للمشاهد العربي أهمية الانفكاك عن قضية فلسطين وتجريم المقاومة بكافة أشكالها. وهي مهمة راهنة يشارك فيها مروجون كثر عبر كلمات ورؤى تحمل تعابير مشؤومة تهدف إلى تصفية الوعي الوطني والتحرر من الالتزامات القومية.
رغم كل هذا الضجيج الإعلامي والتزوير الممنهج، فشل المتصهين العربي في إدراك حقيقة ثابتة وهي إرادة الشعوب التي لا تقبل الحياة دون كرامة. إن محاولات تبييض صورة الاحتلال ستصطدم دائماً بذاكرة حية ترفض نسيان دماء الشهداء وعذابات المهجرين والمحاصرين في غزة والقدس وكل فلسطين.
إن المعركة اليوم ليست عسكرية فقط، بل هي معركة رواية ووعي تخوضها أدوات إعلامية تحاول استبدال الحقائق بالأوهام. ويبقى الرهان على وعي الشارع العربي الذي يئن تحت القمع، لكنه يدرك تماماً الفرق بين من يدافع عن كرامة الأمة ومن يبيعها في سوق النخاسة السياسية.
في نهاية المطاف، تظل الأصوات التي تروج للاستسلام مجرد ظواهر عابرة في تاريخ المنطقة، بينما تظل حقوق الشعوب الأصيلة راسخة. إن فصاحة الأفواه العربية التي تتحدث بلسان صهيوني لن تستطيع طمس حقيقة أن الاحتلال مشروع استعماري زائل مهما بلغت قوته أو تعددت أدواته الإعلامية.




